من تراثنا العربي…!
علي رهيف الربيعي
جاء في التراث انه كان هناك أربعة من الفقراء جالسين في طريق، وكل منهم َ من بلد : أحدهم رومي، والثاني فارسي، والثالث عربي، والرابع تركي، ومر علبهم محسن فأعطاهم قطعة من النقد غير قابلة للتجزئة، ومن هنا بدأ الخلاف بينهم، يريد كل منهم ان يحمل الآخرين على اتباع رأيه في التصرف في هذا النقد. أما الرومي فقال : نشتري به ( رستا فيل) وأما الفارسي فقال : انا لا أرى من ( لا نكور) بديلا، وقال العربي : لا والله لا نشتري به إلا ( عنبا)، وقال التركي متشددا في لهجة صارمة : إن الشيئ الوحيد الذي ارضى به هو ( أوزوم) ، أما ما سواه فإني لا اوافق عليه ابدا .
وجر الكلام بين الأربعة إلى الخصام، وكاد يستفحل الأمر لولا أن مر عليهم رجل يعرف لغاتهم جميعا ، وتدخل للحكم بينهم، فبعد ان سمع كلامهم جميعا ، وشاهد ما أبداه كل منهم من تشدد في موقفه اخذ منهم النقد واشترى به شيئا، إن عرضه عليهم حتى رأى كل منهم فيه طلبته، فقال الرومي : هذا هو ( رستا فيل) الذي طلبته، وقال الفارسي : هذا هو ( لا نكور) وقال العربي : الحمد لله الذي أتاني ما طلبته، وقال التركي : هذا هو ( أوزوم) الذي طلبته.
لا ريب ان قراءة هذه القصة تثير الضحك وروح الفكاهة، وتثير الاستغراب والاستهجان في آن واحد . من جراء الاختلاف والنزاع الذي حدث بين هؤلاء الصحبة دون وجود مبرر عقلي وواقعي للخلاف والنزاع. فالكل يطلب العنب إلا أن اختلافهم اللغوي حال دون تفاهمهم المشترك، مما أدى إلى الخصام على موضوع اقل ما يقال عنه انه وهمي. ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول : أن الكثير من الاختلافات والتباينات بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد لا تخرج عن مضمون القصة المذكورة أعلاه.
بمعنى ان الكثير مما نتصوره من اختلافات بيننا هو من جراء مواقف مسبقة أو رؤية جاهزة حملناها على بعضنا البعض، دون أن نكلف أنفسنا عبء فحص هذه الرؤية، والإنسان الذي ينحبس في إطار رؤية ضيقة، فإنه سيتعصب لرأيه دون أن يدرك حجم الجوامع المشتركة بينه وبين الآخرين.
2026 /08 / 09