مصر صاحبة اكبر قيمة دين عربيا!
رنا علوان
مهما بلغ حجم الاقتصاد في دولة ما أو تعدّدت مواردها المالية ، تقترض الحكومات لعدة أسباب ، إذ لا يوجد دولة في العالم يبلغ حجم الدين العام لديها صفر ، (إلا في حالات نادرة ) فقد تستدين الحكومة لتمويل الاحتياجات المؤقتة في عجز الموازنة عندما تكون الإيرادات الفعلية أقل من النفقات المتوقعة ، حيث يلجأ البنك المركزي إلى إصدار سندات خزانة قصيرة الأجل لتمويل هذا العجز. وعلى الرغم من عدم استدامة هذا المصدر لتمويل عجز الموازنة ، إلا أن حكومات عديدة تفضل تحمّل عبء الدين العام على خفض الإنفاق العام أو رفع الضرائب ، خوفًا من التبعات السياسية لهذه القرارات
وثمّة سبب آخر للاستدانة، هو تغطية النفقات العامة ، والذي يعدّ سببًا رئيسًا ، خصوصًا في أوقات ارتفاع معدلات البطالة وركود الاقتصاد ، وعادة يتحقق أكبر حجم للدين العام في حالات الطوارئ مثل الحروب والكوارث الطبيعية والأزمات المالية، وعندما لا تصلح وسائل أخرى مثل رفع الضرائب لمواجهة الحالات الطارئة
وكما ذكرنا انفاً ان الديون لا تكون صفر الا في حالات نادرة ، فقد كانت مصر تتمتع بتلك الحالة النادرة سابقاً ، فمن( صفر إلى 157.8 مليار دولار ، وبتفصيل دقيق جدا يكون المبلغ 409.5 مليار دولار كأخر احصاء للعام المنصرم ) وللتنويه التفصيل يشتمل على جميع قيمة الديون والاعباء ( والقيمة تعني الديون الخارجية + الديون الداخلية ) وايضاً عندما نقول مصر بالعلن نعني ايضا شمال افريقيا في الباطن
وكعودة بالذاكرة الى سنين خلت وتحديدا الى قرنين من الزمن، اي زُهاء المئتي عام ، وكيف تحولت الديون في مصر من صفر الى المبلغ الحالي ، نبدا بعهد محمد علي
لم يرحب محمد علي بالاستدانة لكن خلفاءه أوصلوا البلاد إلى الإفلاس والثورات والحروب التي رمت بها الى حضن الاقتراض
و(البداية كانت بمبلغ بـ90 مليون فرانك)
(حكم محمد علي مصر في الفترة من 1805 حتى 1848) وقد رفض بعض القروض التي عرضت عليه من الممولين الأجانب ، رغم حاجته ، معوضاً ذلك بحزمة من الإجراءات التي ساعدت على تطوير موارد الدولة ليترك الخزانة المصرية ممتلئة بـ90 مليون فرانك عام 1838، بعد أن استلمها بحصيلة لا تزيد على أربعة مليارات فرنك في بداية توليه الحكم
وعلى عكس توجهات والده ، توسع محمد سعيد باشا الذي تولى حكم البلاد بداية من عام 1854 إلى 1863 لتعرف الدولة المصرية في عهده طريق الاقتراض الخارجي للمرة الأولى ، حتى ترك الحكم والمصريين غارقين في ديون قدرها 11 مليون جنيه استرليني (12.75 مليون دولار أميركي) ، ولم يوقف خلفه الخديوي إسماعيل عجلة الاقتراض ، بل زاد من سرعتها لتصل مديونية القاهرة لدائني الخارج إلى 126 مليون جنيه استرليني (146 مليون دولار) . ونتيجة للمديونية الضخمة أعلنت مصر إفلاسها للمرة الأولى في التاريخ ، إذ لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها في نهاية عام 1876، وتم تعيين مراقبين أجانب في الحكومة المصرية لمراقبة إيراداتها ومصروفاتها لضمان سداد الديون، الأمر الذي أدى في النهاية إلى الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882
نجحت البلاد في الاستفادة القصوى من الحرب العالمية الأولى (1914-1918) ، ثم الثانية (1939-1945) بعد أن تعطلت إمدادات القطن الأميركي إلى دول أوروبا والعالم لتفسح الطريق أمام القطن المصري لتحقيق مكاسب طائلة بلغت 500 مليون جنيه (22 مليون دولار) تقريباً وتخفض ديونها إلى 26 مليون جنيه استرليني (30 مليون دولار) ، بل إن القاهرة استطاعت في تلك الفترة مراكمة الديون على بريطانيا التي أصبحت مدينة للقاهرة بـ430 مليون جنيه استرليني (498 مليون دولار) ، كما نجحت في تحويل ما تبقى من ديون خارجية إلى ديون داخلية بإصدار سندات اشتراها المصريون
وعقب نجاح ثورة يوليو (تموز) 1952 ثم تولي الرئيس جمال عبد الناصر حكم البلاد (من 1956 حتى عام 1970) بدأت تتراكم الديون من جديد مع تتابع الحروب التي خاضتها البلاد طوال فترة حكمه ، بداية بحرب اليمن مروراً بحرب الخامس من يونيو (حزيران) 1967، ونهاية بحرب الاستنزاف التي انتهت عام 1970، ليرحل عبد الناصر والخزائن المصرية مدينة للعالم الخارجي بـ1.7 مليار دولار
ولم يتوان خلفه السادات (1970-1981) عن الاستدانة نظراً إلى حاجته إلى التمويل الضخم مجدداً ، لتسليح الجيش المصري وذلك من اجل خوض حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، ولم يتوقف عن الاقتراض عقب انتهاء الحرب لتبنيه إعادة بناء الاقتصاد المصري المنهك نتيجة الحروب المتتالية ، تاركاً حكم مصر بعد حادثة اغتياله عام 1981 مدينة بـ15 مليار دولار ديوناً أجنبية
وعلى المنوال نفسه سار خلفه حسني مبارك (1981-2011) ليصل حجم الديون الخارجية بعد مرور الـ10 سنوات الأولى لحكمه من 15 إلى 52 مليار دولار، وتتوقف مصر عن سداد الالتزامات الخارجية وأعباء الديون قبل أن تندلع حرب الخليج الثانية (1990-1991) ، عندما اجتاح الجيش العراقي الأراضي الكويتية، وهو ما كان بمثابة طوق النجاة لحكومة “مبارك” ، فبعد أن تمكنت القوات البرية المصرية من إخراج القوات العراقية من أراضي الكويت تحركت الولايات المتحدة والدول الدائنة من أعضاء “نادي باريس” (تحالف مالي عالمي يضم 20 دولة) ودول الخليج لإسقاط نصف الديون الأجنبية عن مصر ، وتراجع حجم الدين الخارجي إلى 27 مليار دولار
في العقد الثاني من حكم مبارك نجحت الحكومات المتعاقبة في خفض المديونية الخارجية إلى 11 مليار دولار فقط عام 1999، قبل أن تعاود وتيرة الديون الارتفاع مجدداً مسجلة 18 مليار دولار عام 2004 ، ثم تنحى مبارك عن حكم البلاد في أعقاب ثورة يناير تاركاً ديوناً خارجية بلغت 34.8 مليار دولار عام 2011
ولم تتجاوز الديون الخارجية على مصر حاجز 34.8 مليار دولار في الفترة التي قضاها المجلس العسكري في الحكم على مدار 18 شهراً ، لكن الوضع تغير مع تولي الإخوان المسلمين الحكم عام 2012 ، إذ ارتفعت الديون الأجنبية من جديد من 34.4 مليار دولار قبل خلع الرئيس محمد مرسي بعد ثورة 30 يونيو 2013 ، تاركاً منصبه بديون أجنبية بلغت 43.2 مليار دولار، ثم زادت الديون في الفترة الانتقالية التي تولى مقاليد الحكم فيها رئيس المحكمة الدستورية المستشار عدلي منصور لتصل إلى 46.1 مليار دولار
اليوم للاسف الشديد تصدرت مصر اعلى قيمة للدين ، فقد ارهقها هذا التراكم كله ، وعادت للاقتراض بكثافة بداية من عام 2015 مع التوسع في التنمية العقارية وضخ أموال لإعادة هيكلة البنية التحتية وبناء المدن وتهيئة شبكة الطرق ، فضلاً عن بناء عاصمة إدارية جديدة للبلاد
تشير أحدث بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن القاهرة تأتي في المرتبة الأولى كأكثر مدين للصندوق من بين الدول العربية بنحو 17.25 مليار دولار قبل توقيع البرنامج الجديد الذي تصل قيمته إلى ثلاثة مليارات دولار ، إضافة إلى ستة مليارات أخرى من شركاء تجاريين
الديون الخارجية 157.8 مليار دولار
نتيجة التوسع في الاقتراض الخارجي بكل السبل ، تارة من الصندوق والبنك الدوليين ، وأخرى بالسندات الدولية بعملات أجنبية ، ارتفع الدين الخارجي لمصر إلى نحو 157.8 مليار دولار في نهاية مارس (آذار) 2022 مقابل نحو 145.5 مليار دولار في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2021 ، تمتلك الدول العربية منها نحو 25 في المئة ، بينما يمتلك صندوق النقد الدولي نحو 15 في المئة ، وتتوزع بقية الديون بين سندات دولية أو دول أخرى ، في حين تنتظر مصر جدول سداد مزدحماً خلال الأعوام القليلة المقبلة ، فبخلاف 26.4 مليار دولار ديون قصيرة الأجل يتعين سدادها خلال عامين ، هناك ديون متوسطة وطويلة الأجل تتجاوز الـ72.4 مليار دولار خلال المتبقي من 2022 وحتى نهاية 2025
وفقاً لجدول سداد الدين الخارجي متوسط وطويل الأجل يتعين على مصر سداد 8.57 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الحالي . وفي 2023 يجب سداد 9.33 مليار دولار في النصف الأول، و8.32 مليار دولار في النصف الثاني ، وفي 2024 يجب سداد 10.9 مليار دولار في النصف الأول و13.3 مليار دولار في النصف الثاني ، وخلال عام 2025 يتعين سداد 9.3 مليار دولار في النصف الأول و5.8 مليار دولار في النصف الثاني ، أما في عام 2026 فيجب سداد 6.6 مليار دولار خلال النصف الأول من العام بخلاف 10.2 مليار دولار خلال النصف الثاني

2023-01-11