طين ونار ونيل!
مهدى مصطفى
من لا يملك أسطورة، فليشترِ واحدة، ومن لا يحمل خرافة شعبية، فليخترعها، ومن لا ماضٍ له، فلينحت على الجدران انتصارا لم يحدث.
افعلوا ما شئتم، إنا نراكم أينما كنتم، ولو كنتم فى بروج عالية.
مصر ليست فى حاجة إلى اختراع شىء من هذا، لأنها اختبرت كل شىء، وابتكرت أكثر مما يتسع له الخيال، ومضت فى الزمن لا بوصفها شاهدة عليه، بل صانعة له، تجترحه من الطين والنار والنيل.
يبدو أن من عجنوا التاريخ بالجغرافيا، واستجابوا لنداء الأساطير المؤسسة، وصاغوا واقعا، صاروا اليوم هم المستهدفين، المطلوب أن يخرجوا من «الباب الضيق» وألا يعودوا.
هكذا يفكر من يرغبون فى تهشيم أعرق حضارة مستمرة عرفها الإنسان، حضارة جرت التاريخ من أذنيه، لا تكتفى بأن تصنع الزمن، بل تحاول تخليصه من فوضى العدم.
هل وصلكم نبأ شقيق النيل؟
ذاك الفلاح الذى شيد المعابد، ونحت الأبدية، وعرف الإله الواحد قبل الرسالات، وآمن بيوم البعث والحساب، وحدث العالم عن ميثاق الخلود؟
الآن يريدون حشره فى زاوية ضيقة، لا فكاك منها، مرة بافتعال حرب أهلية فى جنوب الوادى (السودان)، ومرة بإشعال صراع قبلى فى الشمال الغربى (ليبيا)، ومرات بمحاولات إبادة نازية فى الشمال الشرقى (غزة الفلسطينية) على أيدى جماعة خرافية هاربة من الرومان، حيث تتقاطع المصالح، وتُعاد صياغة الجغرافيا، لا بالحبر، بل بالنار.
فى كل مرة، تتغذى النيران على جماعات دينية مدفوعة، ترعاها أجهزة معلومة، تلبس عباءات «الناتو»، أو تروج لأوهام الليبرالية المتوحشة، أو تنضوى تحت رايات القتلة بالأجر، أولئك الذين ينتظرون الإشارة، ويحركون خرائط الدماء بتوقيتات محسوبة.
هل اكتفوا بـموقعة «نافارين» فى السابق؟ تلك التى واجهت فيها أوروبا بالكامل «بريطانيا، فرنسا، روسيا» الأسطول المصرى عام 1827، وجرى ما يجرى إلى الآن.
هل اكتفوا بقرنين شائنين من الحصار والتحكم ومحاولة إعادة تشكيل البلاد؟
أنا لا أخشى تحالفات المقاتلين الجوالين، ولا «نافارين» أخرى، وأخشى ما هو أدهى: «قفة الشحاذ»، التى تجاوزت فى ضخامتها «قفة» الخباز.
خبز الشحاذ كثير، متنوع الأشكال، يتجمع بلا انتظام، ينتظر إشارة مجهولة، ثم يتكوم فجأة ليقضم ذراع المسألة المصرية، يحاصرها من الداخل، اقتصاديا واجتماعيا، ويقلل من شأنها.
وفى هذا الوقت، تعلو الخرافة والأسطورة، لتتجسد لا فى الشعر أو الحكاية، بل فى جماعات ودول.
ثمة تفكير خبيث يجرى، بخلط جماعات جوالة، عديمة الجذر، بقوى إقليمية متوترة ومصنوعة، لصناعة «فوضى دموية» لا تستند إلى قواعد، ولا إلى قانون، ولا حتى إلى فكرة، فقط العنف، والخراب، والاعتياد والتعايش مع الموت، كما تبثه شاشات معتمدة.
ليجربوا ما شاءوا، وليعتادوا أن ينطحوا الصخر.
ومع هذا، لا تزال مصر فى قلب «اختبار الزمن»، وفى أكثر صوره تعقيدا، اختبار «نافارين» الجديد، الذى لا تسير فيها السفن عبر البحار، بل تتسلل فيها الأفكار عبر الأوهام، وتُختبر فيها الروح المصرية فى صبرها الذى يكاد ينفد.
نافارين الجديدة اليوم تحاصر مصر من أضلاعها الأربعة، لا لتحتلها، فهى أعجز من ذلك، لكنها تحاول أن تدفعها لتنسى من تكون، وحتى تمشى بين جدران لا ترى منها سوى ظلها، فتنكر ذاتها العظيمة.
الأسوأ، أن هناك من بيننا، من يشارك فى هذا الفخ، يهدم الروح المعنوية، يقلل من شأن الحضارة القديمة، برؤيتها وتوحيدها واتساقها.
لكن مصر لم تخرج من التاريخ لتقف عند بوابته، بل لتكتب فيه فصلًا جديدا.
كالعادة.. الزمن يختبر صبر الفلاح المصرى، لكنه لا يملك أن يهزم من صاغه أول مرة.a
2025-05-14
