عشر نقاط في التعليق على نتائج الانتخابات النيابية، وفقه المقاطعة!
(2)
محمد ابو عريضة*
خامسًا: أما بخصوص جبهة العمل الإسلامي – الإخوان المسلمين -، بوصفهم يطلقون على أنفسهم “معارضة”، فأمرهم مختلف، فجماعة “الإخوان المسلمين” منذ تأسيسها في الأردن في أربعينات القرن الماضي، ظلت إلى منتصف التسعينات – حتى اتفاقية وادي عربة – أي نحو نصف قرن، جزءً من النظام السياسي، بل إنها كانت في أحداث بعينها ذراع الدولة، وعصًى غليظة للسطلة بعمامة و”ذقن” مهذبة، وأحيانًا مُطلَقة الذقن بنتوء غير مشذبة، لمواجهة المعارضين، بخاصة اليساريين والقوميين. يمكن سرد عشرات القصص في هذا السياق، تحضرني الآن إحداها؛ حدثني الأستاذ الفاضل حسني عايش، فقال: عام 1958 ألغت حكومة سمير الرفاعي الجد قانون نقابة المعلمين، وكنت حينذاك أعمل معلمًا في الضفة الغربية. قرر معلمون من شمال الضفة الغربية تسيير حافلة للذهاب إلى عمان للمشاركة في فعالية احتجاجية للمعلمين على إغلاق نقابتهم، وعند وصول الحافلة صويلح، أوقفها مجموعة من جماعة الإخوان المسلمين، وضربوا من فيها وأجبروهم على العودة إلى حيث جاءت، والحجة كانت أن “كفارًا” يسيطرون على النقابة، ويقصدون اليساريين والقوميين من شيوعيين وبعثيين ومن حركة القوميين العرب. يعلق عايش على ذلك، فيقول: بعد ذلك بنصف قرن تتأسس نقابة جديدة للمعلمين، فيترشح الإخوان ويفوزون بأغلبية أعضائها، أليست غريبة هذه الفنتازيا.
بعد اتفاقية “وادي عربة” انتقلت جماعة “الإخوان المسلمين” إلى صفوف المعارضة، وظلوا مع الأحزاب اليسارية والقومية حلفاء في هيئة واحدة شكلوها باسم “أحزاب المعارضة” إلى عام 2011، حينما افترقت النوايا، واختلفت الرؤى بعد الأزمة السورية. صحيح أن هذا التحالف “الفوقي الشكلي” لم يُتَرجم في تحالفات على الأرض إلا في حالات نادرة، فالإخوان المسلمون ظلوا، على سبيل المثال، ينافسون الأحزاب اليسارية والقومية في انتخابات النقابات المهنية، وظلت القائمتان الخضراء والبيضاء حاضرتان كقائمتين متنافستين، كما كانتا قبل التحالف “الفوقي الشكلي”.
بعد الأزمة السورية؛ تغيرت الصورة، وتفرقت أطراف التحالف “الفوقي الشكلي”؛ جماعة “الأخوان المسلمين” وحزب البعث الاشتراكي – فرع العراق -” وقفوا ضد سورية وأيدوا ما أطلق عليه “الثورة السورية”، بينما وقفت باقي الأحزاب والشخصيات المحسوبة على هذا الصف مع الدولة السورية وضد “الثورة السورية”، ومن المفارقات الغريبة في هذا السياق أن جماعة الإخوان المسلمي كانت، في السنوات الأولى للأزمة السورية، تنظم اعتصامات مقابل السفارة السورية، يهتفون ضد النظام السوري ويطالبون بإسقاطه، ويهاجمون الجيش العربي السوري، ويتهمونه بأقذر التهم، مع أن قياداتهم ظلت على مدى السنوات منذ اتفاقية وادي عربة وحتى بدء الأزمة السورية في آذار عام 2011 تزور دمشق وتتغنى بالرئيسين حافظ وبشار الأسد وتطلق عليهما أفضل الألقاب. ظلت هذه الصورة منذ عام 2011 إلى يوم السابع من تشرين الأول 2023.
بعد “طوفان الأقصى” برزت نقاط التقاء بين اليساريين والقوميين من جهة وجماعة “الإخوان المسلمين” من جهة أخرى، وإذا بالطرفين يعودان إلى التنسيق، وإن بدا في الأشهر الأولى متواضعًا، لكن الجليد بين الطرفين أخذ يذوب بالتدريج، صحيح أن كتلة الجليد كبيرة وتحمل أثقالًا مهولة، غير أن ما حققته المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام، والتضحيات الجسام التي قدمها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة، وما شهده خطاب جماعة “الإخوان المسلمين” من تحولات واضحة تجاه “محور المقاومة” واختفاء أو شبه اختفاء الخطاب الطائفي اللعين، الذي ميزهم خلال عشرية “الربيع العربي”. كل ذلك وضعنا، كلنا، في خندق واحد، حتى لو اختلفنا في الإيديولوجيا، لكن يكفي أننا متفقون على أن المقاومة هي فلسفة حياة وخيارنا الوحيد للتحرر والانعتاق من الهيمنة وكسر التبعية وتحرير فلسطين، كل فلسطين.
سادسًا: لكن؛ قد يسأل سائل: أنت تتهم الأحزاب اليسارية والقومية، عند مشاركتها في الانتخابات النيابية بأنها تشوه وعي الناس، فماذا عن مشاركة التيار الإسلامي، وأنت تعتبره حليفًا في الموقف المتعلق بالمقاومة والمواجهة مع الكيان الصهيوني، فكيف يمكن تفسير هذا التناقض، تؤيد طرف تتحالف معه، ولا تؤيد طرفًا أنت جزءٌ منه؟
في مرحلة التحرر الوطني، وقطعًا تحرير فلسطين، كل فلسطين، جوهر مشروع التحرر الوطني للأردن ولغيرها من الدول العربية، فـ “شرط التحرر الوطني لا يمكن أن يتوفر في الدولة القطرية”. أقول: في مرحلة التحرر الوطني، وعلى رأسها تحرير فلسطين: كل من يحمل بندقية ويمارس أي نوع من المقاومة ضد العدو الصهيوني وفي مواجهة الهيمنة الأمريكية لكسر تبعيتنا وتحقيق الاستقلال الحقيقي، هو حليف في هذه المعركة، بغض النظر عن المنطلقات الإيديولوجية. ففي فلسطين، تتحالف كتاب حماس والجهاد الإسلامي مع كتائب تنظيمات يسارية وقومية – الشعبية والديموقراطية وفتح – في حلف واحد اسمه المقاومة الفلسطينية، وبعد التحرر، برغبتنا أو من دونها ستبرز التناقضات تجاه مضمون النظام الاجتماعي.
مقابل ذلك؛ التيار الإسلامي لا يختلف في برامجه السياسية والاقتصادية وفي المضمون الاجتماعي عن السلطات القائمة في معظم الدول العربية، فسياسيًا؛ باستثناء الموقف من الكيان الصهيوني، والعلاقة الملتبسة مع محور المقاومة، التي قد تتغير في أي لحظة، فتجربة العلاقة مع سورية قبل عام 2011، كما قلنا سابقًا، وما آلت إليه بعد “الربيع العربي”، ما زالت حاضرة ولم تذهب بعيدًا في غياهب النسيان.
أقول باستثناء الموقف من الكيان الصهيوني والعلاقات الملتبسة مع محور المقاومة، والنظرة غير الواضحة إلى فكرة عالم متعدد الأقطاب، فإن موقف جماعة الإخوان المسلمين لا يختلف عن مواقف السلطات في معظم الدول العربية، بخاصة أن الجماعة لم تكن تمانع قبل وأثناء السنوات الأولى من “الربيع العربي” من نسج علاقات مع الولات المتحدة الأمريكية، بل إن أخبارًا كثيرة نُشرت حينذاك عن لقاءات بين قيادات من الإخوان وسياسيين أمريكيين، وأحيانًا مع مسؤولين أمنيين، ولا سيما تلك اللقاءات التي كانت تجري في تركيا، بترتيب من حزب العدالة والتنمية – حزب أردوغان -، وعن ترتيبات جرى التوافق عليها مع الأمريكان، ويمكن لمن أراد الاستزادة أن يعود إلى ما نشر من أخبار في هذا السياق، بل إن بعض قيادات الإخوان في الأردن بدأن بسنن سكاكينها منذ منتصف العشرية الأولى في القرن الحادي والعشرين، وأخذت تضع الخطط لتسلم السلطة، وتبنى بعضهم شعار: نحن شركاء في الحكم. بل إن أحدهم قال: نحن الأجدر بالحكم، ولا سيما بعد تسلم الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وخطبته الشهيرة في جامعة القاهرة، معلنًا فيها انطلاق مرحلة التغيير في الوطن العربي على الطريقة الأمريكية – الربيع العربي -.
اما اقتصاديًا، فبرامج الإخوان معلنة، ولا تختلف عن البايانات الوزارية للحكومات الأردنية إلا في شأنين، يتعلقان بالخمور والبنوك الربوية وشركات التأمين، فجل ما طرحوه خلال مشاركتهم في المجالس النيابية منذ عام 1989 وحتى المجلس الأخير المنحل، لامس فقط هذين المحورين.
من يراجع وثيقة “رؤية الحركة الإسلامية للإصلاح” التي طرحها الإخوان عام 2011، ووثيقة “رؤية الأردن الاقتصادية للأردن 2030” لا يجد جديدًا مختلفًا عن الحكومات، باستثناء أن الإخوان يعالجون الفقر بأموال الزكاة، بينما الحكومات تعالجه بصندوق المعونة الوطنية. صحيح أن الوثيقتين مكتنزتان بالعبارات الرنانة، والنقاط والشعارات البراقة، غير أنهما لا يبتعدان كثيرًا عن رؤية الحكومات وعن بياناتها السنوية، بل إن بعض الجمل تتكرر هنا وهناك.
الإخوان المسلمون يستندون إلى فكرة العدالة الاجتماعية المرتكزة إلى مبدأ تكافل المجتمع الإسلامي، وهذا طرح إخلاقي جميل لكنه لا يجيب عن كل الأسئلة، ولا سيما في الأمور المتعلقة بالصراع الاجتماعي، فالغني مع الحكومات الأردنية، سيبقى هو نفسه الغني في ظل طرح الجماعة، والفقير كذلك سيبقى نفسه الفقير مع الحكومات الأردنية. كما قلنا يفترض أن يكون الفقيرمتصالحًا مع هذا الواقع، فـ “الله”، وفق الإخوان، خلق الناس “طبقات” منهم الغني ومنهم الفقير، ولمعالجة هذا الإشكال، يدفع الغني زكاة أمواله، يأخذها الفقير، فيبقى الغني غنيًا ويبقى الفقير فقيرًا. وهو نفسه ما تطرحه الحكومات: مجتمعان؛ مجتمع رجال المال والأعمال، ومجتمع “باقي الشعب”، وصندوق المعونة الوطنية يعالج الاختلالات الاجتماعية، والتناقضات العميقة يجري معالجتها لدى الحكومات عبر مشروعية الحكم، ولدى الإخوان عبر مشروعية “حاكمية الله”.
يتبع
2024-09-14
