سوريا بين خرائط النفوذ العثماني- الصهيوأمريكي خارج معادلات الدولة المستقلة!
توفيق سلاَّم
لا تبدو سوريا اليوم سوى مرآة مشروخة تعكس تعدد المتدخلين وتآكل السيادة وانحلال البنية الوطنية في خضم تشابك المشاريع وتنازع الخرائط. وفي قلب هذا المشهد المأزوم، يطفو اسم محمد الجولاني، زعيم “هيئة تحرير الشام” (النصرة سابقًا)، بوصفه أداة صاعدة في صراع الوكالات الجيوسياسية، حيث تتقاطع عنده رغبات أنقرة، وتطلعات تل أبيب، وهواجس واشنطن، جميعها تسعى لإعادة رسم سوريا خارج معادلات الدولة الوطنية.
لقاءات الجولاني مع إسرائيل
منذ لحظة تفكك الدولة السورية وتراجع سلطة المركز، بدأ الفراغ يُملأ بنماذج سلطوية جديدة، أكثرها تركيبًا وتعقيدًا هو مشروع الجولاني الذي ينمو كبديل مقصود وموجه لدور الدولة، لا بصفته زعيم فصيل ديني متطرف، بل باعتباره ممثلًا لمرحلة انتقالية عنوانها تثبيت النفوذ لا توحيد الأرض. تركيا، الساعية إلى تصدير نسخة معاصرة من مشروعها العثماني، وجدت في الجولاني رجلها المناسب.. مرنًا سياسيًا، قابلاً للتدوير أيديولوجيًا، وقادرًا على إدارة الفوضى من داخلها لا من خارجها. ولم يعد الجولاني فقط عنصرًا جهاديًا في معادلة المعارضة، بل تحول إلى أداة ضبط في معادلة جيوسياسية، تقاطعت فيها أنقرة مع تل أبيب وواشنطن في أكثر المناطق حساسية في الجغرافيا السورية.
التقارير المتعددة عن لقاءات الجولاني مع وفود إسرائيلية في العاصمة الأذربيجانية باكو، تشير إلى أن المسألة لم تعد مسألة حرب بين هيئة تحرير الشام والطوائف، بل اتفاق وتنسيق قائم، يجري تجهيزه ضمن مظلة “السلام الإبراهيمي” الجديد، الذي لا يشمل التطبيع فقط، بل إعادة ترسيم جيوسياسي لبلدان المنطقة. لم يكن لقاء الوفد بالجولاني مجرد حدث عابر، بل مؤشر على انتقال”هيئة تحرير الشام” من مجرد ذراع قتالي إلى “وكالة سياسية” ضمن ترتيبات ما بعد الخراب.
حل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ودمجها في مشروع الجولاني تحت غطاء أمريكي، وبحماية غير مباشرة من إسرائيل، لا يعد فقط خطوة تكتيكية، بل خطوة استراتيجية ضمن مشروع الإطباق على مفاصل سوريا من بوابات العرق والطائفة والوكالة. قسد، التي طالما رُوج لها كحصان واشنطن في مواجهة داعش، تم تدويرها الآن لخدمة مشروع آخر، أكثر تعقيدًا، عنوانه إعادة تكوين سوريا، وليس فقط حمايتها من التطرف.
صياغة النفوذ الإسرائيلي
الجنوب السوري الذي يشهد هجمات إسرائيلية متواترة، يبدو أنه دخل مرحلة جديدة من تصفية الحسابات، إذ تتجه الأنظار إلى السويداء، كرمز للرفض التاريخي، ومركز للطائفة الدرزية التي لا تزال تحتفظ بخطاب وطني مناوئ للاحتلال الإسرائيلي. التحركات الإسرائيلية بالتوازي مع قصف مستمر، ومحاولات تركيع للسويداء من خلال حملات عسكرية بإيعاز من الجولاني، تكشف عمق التنسيق بين الطرفين، الذي على ما يبدو تم الاتفاق عليه في كواليس باكو.
يتزامن هذا مع إشارات واضحة أطلقها دونالد ترامب في خطابه الأخير، حيث كشف عن رفع العقوبات عن سوريا، بأنه كان مطلبًا إسرائيليًا، وليس مبادرة أمريكية خالصة ولا سعودية، وهو ما يعيد ترتيب الصورة كاملة. إسرائيل لا تعمل فقط على الحدود، بل في قلب الجغرافيا السورية، وتعيد صياغة النفوذ من خلال أدوات محلية صاعدة، أبرزها الجولاني، لا بوصفه خطرًا أمنيًا، بل ضرورة استراتيجية ضمن سردية الشرق الأوسط الجديد.
التحول الخطير هنا لا يكمن بمجرد التنازل عن السيادة، بل في صناعة وكلاء محليين قادرين على حمل المشاريع الدولية تحت عباءات محلية. فالجولاني، في صورته الجديدة، لم يعد ذلك الجهادي المعزول، بل أصبح وجهًا من وجوه السلام القادم، السلام الذي يُفرض بالقوة، ويُصنع عبر التهديد، ويُكتب في غرف المخابرات لا طاولات المفاوضات.
لماذا السويداء؟
السويداء، المدينة الجبلية التي طالما عُرفت باعتزازها بهويتها السورية وانتمائها الوطني، تعيش اليوم لحظة مفصلية بين نار الداخل وضغوط الخارج، في مشهد تتقاطع فيه التحركات العسكرية مع الفتن الطائفية، وتتصادم فيه الجغرافيا مع السياسة. فما يحدث في هذه الرقعة ليس مجرد صراع محلي محدود، بل هو فصل من فصول الحرب السورية الطويلة، بوجهها الجديد، تفكيك ما تبقى من الدولة الوطنية.
التحولات الأخيرة في السويداء جاءت متسارعة، ووسطها تتصاعد مخاوف من إعادة إنتاج النموذج العراقي والليبي، حيث تُحاك الفتن الطائفية بذريعة حماية الأقليات، وتُعاد صياغة الجغرافيا السياسية بتدخلات خارجية علنية ومبطنة. ولعل أبرز ما يثير القلق هو الزج بالعنصر الإسرائيلي في المعادلة، حيث تحاول تل أبيب فرض نفسها
“كحامٍ زائف” للدروز، تحت ذريعة الخوف على الأقليات، وهي الذريعة التي أسقطها الدروز أنفسهم، قيادة وشعبًا، في موقف وطني حاسم أعلن رفضهم لأي حماية أجنبية.
إسرائيل لا تسعى لحماية أحد، بقدر ما تسعى لخلق مناطق عازلة على حدودها، وإضعاف وحدة سوريا من الداخل، عبر ضرب النسيج الاجتماعي وإذكاء نار الطائفية، بدءًا من القنيطرة وصولًا إلى السويداء.
وتأتي الغارات الإسرائيلية الأخيرة على دمشق ومحيط السويداء ودرعا ضمن هذا السياق، كأداة عسكرية مكملة للحرب الناعمة والتخريب الداخلي، وهي غارات تُعبر عن مدى الاستخفاف بالسيادة السورية، في ظل صمت عربي مطبق لا يتجاوز بيانات التنديد الباهت، ولا قيمة له من الناحية السياسية، مجرد صوت من خلف الستار.
بيان “رجال الكرامة”، الذي يعد أبرز تعبير مسلح عن الحراك الدرزي، لم يتوان عن توجيه الانتقاد لدمشق وسلوكها الأمني، محذراً من تهديد السلم الأهلي، ومطالبًا بمعالجة جذرية لا عسكرية. وهذا الطرح، الذي تقاطع مع موقف مشيخة عقل الطائفة الدرزية ودعوتها لوقف إطلاق النار وتشكيل لجنة مشتركة لتنظيم الأمن والسلاح، يعكس إدراكًا ناضجًا من أهل الجبل بخطورة الانجرار إلى فوضى السلاح، ودفع العشائر البدوية إلى السويداء بدافع حماية أهاليهم في السويداء، وكل ذلك يزيد حدة الاقتتال الأهلي.
وفي الوقت نفسه، ظهرت بوادر تضامن شعبي ومذهبي من الدروز في لبنان، لا سيما من قبل المرجعيات الروحية، التي أكدت على رفض خطاب الفتنة والتحريض، وعلى وحدة الدم والمصير مع إخوانهم في سوريا. الشيخ سامي أبي المنى، والشيخ نعيم حسن، ومفتي الجمهورية، أكدوا معًا على درء الفتنة، وعدم السماح بتحول السويداء إلى ساحة صراع بالوكالة.
أما موقف وليد جنبلاط، ورغم ضبابيته المعتادة، فقد عُرف عنه حرصه على التنبه لأي استدراج طائفي قد يصيب الدروز ويحولهم إلى أداة في مشروع تقسيم أكبر، ولذا فإن أي تصريح له يأتي غالبًا ضمن إطار الدعوة للهدوء والاحتكام للعقل والحوار، ورفض التدخل الإسرائيلي، وإن بصيغة غير مباشرة.
دخول جماعات عشائرية بدوية على خط المواجهات، عبر دعوات للنفير العام لمناصرة أهلهم في السويداء، يحمل بُعدًا خطيرًا إذا لم يُضبط، إذ قد يفضي إلى توسيع رقعة الاشتباكات وتحويلها من صراع بين أبناء الجبل إلى صراع عشائري – طائفي–مناطقي، وهو تمامًا ما تسعى إسرائيل لتغذيته، وما تتغاضى عنه الأطراف الإقليمية والدولية التي ما زالت تنظر إلى الأزمة السورية بعدسة المصالح لا السيادة.
بالمحصلة، السويداء اليوم ليست على حافة فتنة فقط، بل على شفير مشروع تقسيم ناعم، تُستخدم فيه أدوات الطائفة والدين والهوية والدم، وتُستغل فيه حالة الغياب العربي والتواطؤ الدولي. لكن ما يزال في الجبل صوت للعقل، ولسوريا المتماسكة، إذا ما أدركت الدولة المركزية خطورة اللحظة وتخلت عن المقاربة الأمنية المجردة، لصالح عقد اجتماعي يعيد ربط الأطراف بالمركز، ضمن دولة القانون والعدالة والدستور التي ينادي بها أبناء السويداء قبل غيرهم.
وسط هذا التشظي الطائفي والعرقي، وغياب الدولة الناظمة، يبدو أن مستقبل سوريا يُرسم بيد من لا ينتمون إليها، ويُكتب بقلم من لا يؤمن بوحدتها. الخرائط الجديدة لا تُرسم على الورق، بل على أشلاء المدن ودماء الأبرياء، والجولاني ليس سوى قلم في يد المشروع الأكبر، مشروع إعادة ترتيب المنطقة على مقاسات المصالح لا على قواعد الحق.
ما يجري في سوريا ليس مجرد فوضى ما بعد الحرب، بل بداية نظام جديد يُصنع من داخل الفوضى، مشروع يتجاوز سوريا إلى ما هو أوسع، حيث تكون السويداء اختبارًا، ولبنان لاحقًا جزءًا من الخارطة المُعَدّة. الجولاني ليس النهاية، بل المرحلة الأولى من وكالات محلية لصناعة شرق أوسط بلا ملامح وطنية، بل فقط خطوط تماس بين النفوذ. إذ لم تكن الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة يومًا انعكاسًا مطلقًا لتفوق عسكري مجرد، بل نتاجًا مركبًا لبنية سردية، ومنظومة دولية مختلة، وخرائط إقليمية مُعادة التشكيل وفق إرادة القوة لا إرادة الشعوب. هذا التفوق الذي يبدو سافرًا، والمسنود بشبكة حماية أمريكية غير مشروطة، لا يُترجم تلقائيًا إلى استقرار، بقدر ما يُترجم إلى حالة من التوحش السياسي الذي يستثمر في الهشاشة الإقليمية، ويعيد إنتاجها كشرط ضروري لدوام السيطرة.
إسرائيل لا تشتبك مع العرب بوصفهم خصومًا في ساحة حرب تقليدية، بل تتعامل معهم كبيئة يجب تفكيكها، وإعادة تعريفها، وإخضاعها لمعادلات ما دون الدولة. ما تريده هو كيانات وظيفية، تفتقر للسيادة، ترتبط أمنها بوجودها، ويقترن قرارها السياسي بولائها للمركز الغربي. حالة سوريا، في هذا السياق، ليست استثناءً بل نموذجًا، دولة منهكة، تقاد عاصمتها عبر التلويح بالقصف، وجيشها يُراد له أن يتحول إلى أداة ضبط محلية لا يمتلك زمام المبادرة.
هذا التمزيق المنهجي ليس انعكاسًا لفوضى، بل تجلٍ لخطة هندسية سياسية تستهدف إعادة تعريف الدولة العربية، ليس فقط ككيان فاقد للقدرة، بل أيضًا ككيان فاقد للمعنى. إنها لحظة إعادة تدوير للهوية السياسية العربية، حيث يُعاد ترتيب الفضاء الجيوسياسي عبر خلق شرق أوسط متعدد الجنسيات، ضعيف الانتماء، مشتت الولاءات، يتوزع فيه الفاعل المحلي بين هويات فرعية وأدوار هامشية، تكون إسرائيل هي القوة النافذة في المنطقة.
2025-07-20