سر العداء المستتر!
زينب مهدي *
لغز التابوت
الجزء الثالث:
يذكر التلمود أن الهيكل الثاني كان يفتقر إلى مظاهر المجد التي كانت موجودة في الهيكل الأول و أهمها :
١- تابوت العهد (الذي كان يحوي لوحي الشريعة).
٢- النار الإلهية (التي نزلت من السماء).
٣-الشكينة (الحضرة الإلهية أو سحابة المجد).
يعد مصير تابوت العهد (الذي يضم لوحي الشريعة) أعظم أسرار الهيكل الأول. هناك عدة آراء حول ما حدث للتابوت قبل تـ.ـدمير هيكل سليمان . مثلاً التابوت نُقل إلى بابل أو إلى جبل نيبو (الأردن) . أم يوجد داخل كنيسة “مريم سيدة صهيون” في إثيوبيا ، لكن يتفق علماء الآثار على أن تابوت العهد لم يتم العثور عليه رسمياً بأي دليل مادي قاطع. فظل التابوت لغزاً غامضاً.
أما الرأي السائد كما جاء في التلمود (رسالة يوما 53أ) يشير إلى أن الملك يوشيا تنبأ بالتـ.ـدمير قبل 35 عاماً ، فأمر الكهنة بإخفاء التابوت في نفق سري محصن في الهيكل القديم.
يروي التلمود قصة عن كاهن في عهد الهيكل الثاني كان يفرز الحطب، فلاحظ أن إحدى بلاطات الأرضية تبدو مختلفة ومرفوعة قليلاً ، فأدرك أن هذا هو الممر السري المؤدي للتابوت. لكن عندما همّ بإخبار زملائه، مـ.ـات فوراً .
بسبب هذه النصوص التلمودية، يعتقد الكثير من الباحثين والـ.ـيهود الأرثوذكس إن تابوت العهد لا يزال مدفوناً تحت ساحات الحرم القدسي (جبل الهيكل)، وهو ما يمنعهم دينياً من إجراء حفريات مباشرة في تلك البقعة الحساسة . لكنها تحولت من مساعٍ دينية استكشافية إلى حملات أثرية منظمة، وأحياناً سرية للغاية. أبرزها:
حملة باركر السرية (1909 – 1911)
تُعد هذه واحدة من أغرب حملات البحث في التاريخ، قادها ضابط بريطاني يُدعى مونتاجو باركر . قامت البعثة برشوة حراس الحرم القدسي، في ليلة أبريل 1911، و دخلوا إلى “مغارة الأرواح” أسفل صخرة بيت المقدس مباشرة و بدأوا الحفر، فاستيقظ أحد الحراس واكتشف الأمر، وثارت ثائرة أهالي القدس واضطر باركر وبعثته للهروب سراً عبر ميناء يافا .
بعد السيطرة على القدس الشرقية، في عام 1967 قام الحاخام “مئير غيتس” (المسؤول عن حائط البراق) بفتح نفق سري يتجه إلى أسفل قبة الصخرة (حيث كان يقع “قدس الأقداس”). لكن تسرب الخبر و أدى إلى اشتـ.ـباكات عنيفة بين المسلمين والـ.ـيهود تحت الأرض، مما دفع الـ.ـحكومة الإسـ.ـرائيلية حينها إلى أمر الحاخام بإغلاق النفق وبنائه بالجدار الخرساني فوراً.
في البداية، كان التابوت يحتوي على ثلاثة أشياء مقدسة : لوحا الشريعة اللذان نقش الله عليهما الوصايا العشر وسلمهما لموسى عليه السلام في جبل سيناء و إناء ذهبي فيه قليلاً من “المَنّ” (الطعام السماوي الذي نزل على بني إسـ.ـرائيل في البرية) و عصا هارون التي أزهرت براعم ولوزاً بشكل معجزة في ليلة واحدة .
لكن عندما بنى النبي سليمان الهيكل ونقل الكهنة التابوت إلى “قدس الأقداس”، “لم يكن هناك إلا لوحا الحجر” .
يتوافق القرآن الكريم والتفاسير الإسلامية بشكل كبير مع هذه الأوصاف عند الحديث عن التابوت في سورة البقرة: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ} [البقرة: 248]
أما عن تفصيل “البقية”، فقد ذكر ابن عباس ومفسرون آخرون أنها بقايا ألواح التوراة التي تكسرت و عصا موسى الشهيرة و ثياب موسى وهارون و جزء من المَنّ: الذي كان ينزل عليهم في التيه.
بإيجاز، كان التابوت بمثابة “خزنة مقدسة” تحفظ أثمن الرموز الروحية والمادية التي تربط بني إسـ.ـرائيل بالوحي الإلهي ومعجزات أنبيائهم.
وفقاً للوصف الدقيق الوارد في (سفر الخروج 25)، كان التابوت تحفة فنية من خشب السنط تم طلاؤه بـالذهب الخالص . صُنع على طرفي الغطاء تمثالان من الذهب لملائكة الكروبيم (ملائكة المقربين)، يواجه كل منهما الآخر وأجنحتها ممدودة إلى الأعلى تُظلل الغطاء. كان هذا الغطاء والمنطقة بين أجنحة الكروبيم يُعتبران “عرش التجلي” حيث تظهر الشكينة (الحضرة الإلهية).
أما النار الإلهية والشكينة هما من أبرز مظاهر التجلي الإلهي المرتبطة بهيكل سليمان في التراث الـ.ـيهودي.
كما ورد في (سفر أخبار الأيام الثاني7:1-3) عندما انتهى الملك سليمان من صلاة تدشين الهيكل، نزلت نار إلهية من السماء والتهمت المحرقات والذبائح الموجودة على المذبح كعلامة على القبول .
و أما كلمة “الشكينة” تُشير إلى “الحَضْرة الإلهية المرئية” أو “سحابة المجد” التي تُعبر عن تجسيد الله بين خلقه في مكان محدد. تذكر النصوص أنه بالتزامن مع نزول النار، “ملأ مجد الرب الهيكل” على شكل سحابة كثيفة ومضيئة. كان هذا المجد (الشكينة) قويًا وكثيفًا لدرجة أن الكهنة لم يستطيعوا الدخول إلى الهيكل من شدة الهيبة والضياء.
بحسب الروايات التاريخية والدينية، عندما د مّـ.ـر البابليون بقيادة نبوخذ نصر الهيكل الأول عام 586 قبل الميلاد، فُقدت النار السمائية ولم تنزل مجدداً في الهيكل الثاني. أما الشكينة، فيعتقد الفكر الـ.ـيهودي أنها “ارتحلت” وفارقت الهيكل بسبب خطايا الشعب قبل تـ.ـدميره .
ورد لفظ “السكينة” في القرآن الكريم في ستة مواضع، أحدهما السكينة المرتبطة بتابوت العهد (بني إسـ.ـرائيل)
كما وردت في قصة طالوت وداود في سورة البقرة:
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ}
بسبب غياب (التابوت، النار و الشكينة)، كان الهيكل الثاني -رغم ضخامته المادية يُعتبر في الوجدان الـ.ـيهودي مبنى يفتقر إلى الروح والمجد الإلهي المباشر الذي ميز عهد الملك سليمان.
2026-09-5