ساعة يكتمل التشكل الوطن/كوني العراقي(4)!
عبدالامير الركابي*
يتحقق النمط الكياني الارضوي ابتداء متوافقا مع الشروط الناشئة عن استقرار الانتاجية اليدوية، فيشمل المعمورة برمتها، متحولا في الوعي بناء عليه، الى نوع ونمطية نهائية ونموذج طبيعي بداهي، ليس ثمة مايمكن ان يثير حوله اية تساؤلات تقلل من بداهته، هذا علما بان العقل البشري ساعتها يكون في حال توافق مع النموذج المشار اليه من حيث القدرة المتاحة على الادراك، فاذا وجدت ظاهرة مصدرها الكينونه المجتمعية الاخرى، فانها تحال وقتها الى الشذوذ، والى الخروج على القاعدة، الامر الذي ظل العراق وتاريخه يوصف به لدرجه ان اصبح هذا المظهر دالة يمكن ان يعرف بها موضع بعينه باعتبار اهله “اهل شقاق ونفاق”، وهو ماقد اخذ من اهتمام المعنيين مكانا غير عادي، ومتعدد التناولات (4) من قبل المهتمين فضلا عن من يعتبرون انفسهم “حكاما”، او يفترضون ذلك بقوة البداهه والمعتاد المتفق عليه وكانه حقيقة ومطلق.
لم يكن واردا الاعتقاد بان حامورابي وهارون الرشيد، فضلا عن الحكام البرانيون الحاليون ليسوا “حكاما” للعراق، بل هم حكام الجزء الاعلى الامبراطوري من حالة ازدواج مجتمعي، الاسفل منه بلا كيانيه، او نزوع كياني محلي، همه الاساس متركز في تحقيق كينونته باستقلال نوعي ليس له تسمية بعد، فضلا عن اقرار نوعه كمجتمعية خارج الادراك العقلي، من نوع التي اكتشفت مؤخرا وصارت تعرف باسم “دولة اللادوله” (5) كمثال، ولايقلل مثل هذا الحال الفريد والاستثنائي من مكانه او دلالات النوع او النمطية العراقية كمجتمعية ازدواج اصطراعية مستمرة، بقدر مايعلي من مكانتها الموافقة للحقيقة المجتمعية المستقبلية مابعد اليدوية، ومن ثم للظاهرة المجتمعية كحقيقة تاريخيه، خاضعه لاشتراطات التبدل وصولا الى هدف هي موجوده ومصصمه لبلوغه.
مع واقع اللاارضوية هذا وبقائها في حال عدم تشكل نهائي، لابد من الالتفات الى ناحية غاية في الاهميه لجهة دلالات النوع، فعدم التشكل لايعني ان اللاارضوية غير مؤهله للتشكل مستقبلا، واذ يبقى العراق الاسفل اللاارضوي على حاله مما يعرف بالعصيان والتمرد المستمر الذي هو تاكيد للخاصيات البنيوية، فان مايفترض ان يرد على البال هو النظر في الحقيقة الكيانيه خارج الاحادية والاطلاقية الارضوية اليدوية، بافتراض احتمالية التعدد الكياني، او وعلى وجه التحديد الازدواج، والزمنيه الملائمه لها، الارضوية ابتداء وعلى مدى الطور اليدوي، تتبعها وتحل محلها، الكونيه المتعدية للكيانيه المتوافقه مع الطور الالي التكنولوجي، ومع الانتقال المجتمعي البشري من الارضوية الجسدية، الى العقلية.
وهكذا نكون امام احتمال ولحظة منتظرة تنتهي فيها صلاحية النوع المجتمعي الغالب ابتداء، وهو ماينتظر مع انتهاء الطور اليدوي من الانتاجية، بغض النظر عما يواكب بدايات الانتقال الالي من تكريس استثنائي للنوع الارضوي استنادا لمايتيحه الانقلاب المذكور من ممكنات غير عادية، تعظم القدرات المتاحة والمستعملة نموذجا ورؤية بحسب متبقيات الارضوية التسلطية الهيمنيه الباقية اثارها من الطور المنقضي، بالمقابل لاتكون الظروف ساعتها قد تهيأت في موضع اللاارضوية للحضور، على اعتبار ماقد صار ملائما لها لكي تحضر كبديل مهيأ تاريخيا ونوعا للحلول محل الصيغة الاولى الغالبه الارضوية اليدوية، هذا بينما اليدوية ماتزال هي الغالبه في موضع كالعراق كان قد بدا يتشكل حديثا وفق الياته التاريخيه منذ القرن السادس عشر، سابقا اوربا الحديثة وانقلابها الالي، وبينما يذهب الغرب الالي الارضوي الحديث الى بسط غلبته وهيمنه النموذجية “الحديثة ” على المعمورة معتمدا قوة دفع الالة، فان ارض الرافدين تعرف كما متوقع اكثر ماقد عرفته في تاريخها كله من حالات الازاحة النموذجية من الوجود، تصل لحد الافنائية بقوة النموذجية الالية التوهمية الارضية، حين تكون الالة مازالت في خطواتها وصيغتها الاولى المصنعية، الاقرب لليدوية والمحكومه لاشتراطات الارضوية برغم علو دينامياتها الازدواجية الطبقية في الموضع الذي انبجست فيه مقارنه بصنفها المجتمعي.
ويصل الامر لهذه الجهه حدود الاستثنائية، حين يتبنى ابناء البلاد المفترضين منظور الغرب الافنائي معتبرين اياه تعبيرا لازما عن ” الوطنيه”، مدللين على العجز المطلق الناجم عن الانقطاعيه الانحطاطية السارية منذ سقوط بغداد عام 1258 ، واستمرار مفاعيل التشكلية غير الناطقة ضمن اشتراطات اليدوية، وهكذا يتبدل ايقاع وعناصر وديناميات الاصطراعية الازدواجية ضمن ظروف الانتقالية التحولية العظمى، ويقترب زمن “فك الازدواج” تحت اشتراطات نوعيه مستجدة تحل بموجبها شروط “العيش على حافة الفناء” لا البيئية” الاتقليدية بل الانقلابيه الالية، وماتسببه من وتيرة احتراب واصطراعية داميه بلا توقف تستمر من عام 1980 وتنتهي بكارثة السلطات الفرعيه الريعية المسلحة بلا هوية ولا مفهوم للكيانيه او للدولة غير الممكنه اصلا وتاريخيا مع الانتقال مواصفات من “بلاد مابين النهرين” الى ” بلاد مابعد النهرين” .
يينتقل الغرب بناء على القانون المستجد الساري خلال هذا الوقت، من الكيانيه المؤقته التوهمية بعد صعودها الزائف، المتغلب التسلطي، وتمكن الاليات الناجمه عن الانتقال من اليدوية الى الاليه، وهو الامر الطبيعي بدل توهمات العصرنه والحداثة والصعود غير المعروف الافق، ومع القرن العشرين يتحول موقع القيادة الى الكيانيه الجديدة المفقسة خارج الرحم التاريخي الامريكية، حيث تتفاعل الصيغة غير المحددة النوع والمصنوعه في غمرة التفاعلية التاريخيه مع الاله بصيغتها المصنعية، عابرة بها الى الطور” التكنولوجي الانتاجي” وناقلة الانتاجية الى العولمه،مما يهيء الاسباب للاستقطابيه “الاشتراكية، الراسمالية” لان تخرج من المشهد، بعد انهيار صيغة التوهمية الاشتراكية ( الفكرة /الاله)، ودخول العالم مازق التباعد بين وسيلة الانتاج، ونوع المجتمعية مع بدايات تبلور الصيغة الثالثة الاخيرة من الالة ” التكنولوجيا العليا/ العقلية” .
وقتها يحل زمن “الكيانية الكونية”، بينما تنحسر امكانات استمرار او جود متبقيات المجتمعية الاليه وفي مقدمها وعلى راسها الكيانيه الجغرافية المحلوية، ووقتها تكون وسيلة الانتاج مافوق الارضوية قد وجدت، وصارت النطقية اللاارضوية المؤجله على الابواب، لنصبح امام زمن اللاارضوية العقلية الكونية، باعتبارها البديل الذي طال انتظاره .. تموت الارضية المجتمعية في ساعتها، فلا يعود قائما ولا ممكنا الا اللاارضوية الكونية المنتظره حيث الكوكب الارضي هو الوطن المقصود منذ ان تبلورت ووجدت ظاهرة المجتمعية.
2026-01-10