حيث تتكلّم الذاكرة… قراءة تحليلية في سيرة البروفيسور وليد ناجي الحيالي!
بقلم: سلوى المعالي**
ليست هذه السيرة الذاتية مجرّد سرد لوقائع زمن انقضى، ولا هي دفاتر تُستعاد لمجرد التوثيق؛ بل هي رحلة مكتوبة بمداد الوجدان، تمسك بقارئها منذ الصفحات الأولى، لتأخذه إلى تواشجات دقيقة بين ما حدث فعلاً وما تركه الحدث في روح صاحبه. هنا، تتقدّم الذاكرة بوصفها بطلة النص، لا نقيضًا للسرد، بل شريكته في بناء فضاء يتجاوز حدود المكان والوقت.
بوحٌ لا يدّعي الحياد
يبدأ البروفيسور وليد الحيالي سيرته من العتبات الأولى لطفولة مغمّسة بعطر الأزقة القديمة، حيث تتجاور البراءة مع التقلبات السياسية التي شكّلت ملامح جيل كامل. غير أن الكاتب لا يسعى إلى تسجيل الأحداث بموضوعية جامدة؛ بل يعيد صياغتها على ضوء ما اختزنته ذاته من ارتجاجات الخوف، بدايات الوعي، وأول صدمات الانتماء.
جاءت قراءة د. ملاك ثامر في خاتمة الكتاب لتؤكد أن ما بين أيدينا ليس «بوحًا» فحسب، بل إعادة إحياء لخطى قديمة، ومحاولة لاختبار صمتٍ طال أمده. وهو توصيف دقيق؛ لأن الحيالي لا يكتب ذاكرته، بل يحاورها، ويجرّها نحو الضوء مهما قاومت.
السيرة بوصفها سؤالاً وجوديًا
في بنية النص، تتجاور ثلاثة مستويات:
1. المستوى الوقائعي: أحداث الهجرة، المطاردة، الدراسة، الرحلة بين المنافي.
2. المستوى التأملي: الوقوف على معنى الانتماء والزمن والخذلان.
3. المستوى الوجداني: انكسارات القلب، مكابدة الروح، ونوافذ الأمل التي ترفض الانطفاء.
ولعل هذا التداخل هو ما يجعل السيرة أقرب إلى «نص مفتوح» لا يمكن القبض عليه بسهولة؛ إذ يعيد الكاتب تشكيل تجربته كلما اقترب منها، وكأنه يكتبها من فوهة السؤال لا من يقين التجربة.
شخوص وأمكنة… ظلال تتقدم وتختفي
الأماكن في هذا العمل ليست مجرد مسارح للأحداث، بل كائنات حيّة تنبض بتاريخها.
عزّات طويلات، قنبر علي، المهدية، موسكو، براغ، سوريا، ثم المنافي المتعدّدة… كلها تتحوّل إلى حوامل للذاكرة، تسترجع من خلالها الروح أسماء مرّت ثم غابت، وجوهًا واصلت السير ووجوهًا توقفت عند منتصف الحلم.
أما الشخوص، فهم طيفٌ من البشر الذين ظلّوا يسكنون الذاكرة: الأم الحامية، الرفاق، المعلمون الأوائل، وذوو القلوب الطيبة الذين صادفوا الكاتب في مفارق الحياة. حضورهم لا يأتي كأدوار ثانوية، بل كجزء من الهوية التي تشكّلت عبر مزيج من البشر والأمكنة.
لغة تستعين بالشعر لتقول الحقيقة
لغة الحيالي في السيرة تتراوح بين السرد البسيط حين يكون الوصف ضروريًا، وبين نبرة شعرية حين تضيق الجملة عن اتساع المشاعر.
هو لا يتكلّف البلاغة، لكنه يكتب ببلاغة العارف الذي عركته الحياة؛ لذلك تأتي الجمل مكثفة، مشبعة بالألم والحنين، وفي كثير من الأحيان مشدودة إلى صمت يلمّح أكثر مما يصرّح.
رحلة الانكسار… ورحلة الصعود
اللافت في هذه السيرة أن الكاتب لا يعرض مأساته بوصفها بطولة، ولا ينظر إلى صموده بوصفه أسطورة.
إنه يقدم نفسه إنسانًا يُخطئ، يخاف، يتردد، ثم ينهض من جديد.
وربما هنا تكمن قوة العمل: في أنه لا يطلب من القارئ التعاطف، بل الاحترام؛ احترام الإنسان الذي يتعامل مع ذاكرته بشجاعة، مهما كانت مثقلة بالخسارات.
سيرة من يكتب لمن مرّ بالتجربة… أو خاف منها
كما قال د. ملاك ثامر، هذا الكتاب موجّه لثلاثة أصناف:
• أولئك الذين عبروا التجربة وعرفوا مذاقها المرّ.
• أولئك الذين يخشون أن تصطادهم الحياة في مفترق مشابه.
• وأولئك الذين ما زالوا يبحثون عن مرفأ يحمي أرواحهم من العواصف.
وهذا ما يجعل الكتاب يتجاوز حدوده الشخصية، ليصبح نصًا إنسانيًا عامًا، يلامس القارئ مهما كان مكانه أو زمنه.
طبعة أنيقة لروحٍ غير هادئة
جاء العمل بطباعة أنيقة من دار الفراعنة للنشر والتوزيع، في كتاب من 197 صفحة من القطع المتوسط. لكن الأناقة الحقيقية ليست في شكله، بل في محتواه؛ إذ يصرّ الكاتب على أن يمنح القارئ نصًا صادقًا لا يخشى العراء، ولا يتخفّى خلف خطاب بطولي أو سياسي.
خاتمة: ذاكرة تقف على حافّة النبع
إن سيرة البروفيسور وليد ناجي الحيالي ليست مجرد وثيقة شخصية، ولا هي اعترافات عابرة.
إنها مرآة تمسك بالقارئ ليواجه ذاته، قبل أن يواجه النص.
هي رحلة الروح نحو مرساها الأول، ونداء الذاكرة التي لا تهدأ، مهما حاول الزمن أن يُسكتها.
بأسلوب يجمع بين حرارة التجربة وعمق التأمل، ينجح الحيالي في أن يقدم نصًا يظل مفتوحًا على القراءة، قابلًا للتأويل، وممتدًا كخطى لم تكتمل بعد
2025-12-02