حوار مع الدكتور رفعت سيد أحمد!

شادي منصور*
رفعت سيد أحمد… حين يكتب الفكر سيرة أمة
في قلب القاهرة، وبين رفوف مكتبات تفيض بالتاريخ والسياسة والفكر، التقته بوليتيكا ليحكي لا عن مسيرته فحسب، بل عن مسار أمة بكاملها. الدكتور رفعت سيد أحمد، المفكر والباحث المصري البارز، جمع بين دقة الأكاديمي وجرأة الصحفي، فكتب في الأهرام والسياسة الدولية والعرب، وأسس “مركز يافا للدراسات والأبحاث” ليكون منبرًا للقضايا العربية والفلسطينية.
نال أعلى الدرجات العلمية في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وكرّس أبحاثه لدراسة علاقة الدين بالدولة والحركات الإسلامية، فأصدر أكثر من ثلاثين كتابًا، من أبرزها: النبي المسلح، ثورة الجنرال – قصة جمال عبد الناصر كاملة، والأعمال الكاملة للشهيد فتحي الشقاقي. أما أحدث مؤلفاته، موسوعة الداعشيون في مصر 1928–2018، فهي توثيق فريد لجماعات العنف الديني.
لقاؤه مع بوليتيكا لم يكن حوارًا عابرًا، بل نافذة على فكر رجل يقرأ الحاضر بعين المؤرخ، ويستشرف المستقبل بوعي من عاش تفاصيل الصراع وتقلبات السياسة. وهنا كان لنا معه هذا الحوار…
كيف تفسر الموقف المصري من حرب غزة؟
يمكن فهم الموقف المصري من الحرب على غزة على مستويين متكاملين: الشعبي والرسمي.
فعلى المستوى الشعبي، يسود رفضٌ شامل للعدوان الصهيوني على قطاع غزة، ويُعبَّر عن هذا الرفض بمواقف متجذّرة في الضمير الجمعي المصري، الذي يرى في نصرة الفلسطينيين قضيّة أخلاقية ووطنية. هذا الدعم الشعبي لم يقتصر على التضامن اللفظي أو الشعارات، بل تجسّد في أشكال متعددة من المساندة، شملت إرسال شاحنات الإغاثة إلى معبر رفح، ومدّ القطاع بالغذاء والدواء رغم ما تعرّض له بعضها من أضرار نتيجة إغلاق المعابر أو استهدافها.
كما برزت صور هذا الدعم في المسيرات والمظاهرات الشعبية، سواء أمام نقابة الصحفيين أو على الحدود مع غزة، بعضها جاء تلقائيًا وبعضها الآخر بتنسيق مع السلطات، إلا أن الرسالة كانت واضحة: الشعب المصري يقف إلى جانب غزة قلبًا وقالبًا، دعمًا ماديًا ومعنويًا.
أما على المستوى الرسمي، فقد تبنّت الدولة المصرية منذ البداية موقفًا رافضًا بشكل قاطع لهذا العدوان الإسرائيلي، خاصة لكونه يستبطن مشروعًا خطيرًا يهدف إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا نحو سيناء، وهو ما يُعدّ تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، فضلًا عن كونه خطوة في سياق تصفية القضية الفلسطينية، عبر تحويل فلسطين إلى أرض بلا شعب تمهيدًا لفرض الاستيطان الكامل عليها.
لقد عبّرت الدولة المصرية عن رفضها الواضح لهذه المخططات في مختلف المحافل الدولية والإقليمية، وأكّدت باستمرار موقفها الرافض للحرب ولأهدافها غير المعلنة، ومنها مشاريع السيطرة على القطاع، وخطط الربط البحري، وغيرها من التفاصيل التي تكشّفت خلال أكثر من 650 يومًا من التصعيد.
إلى جانب ذلك، اضطلعت مصر بدور رئيسي في جهود التهدئة، بالتعاون مع قطر، عبر ما يقرب من 12 مبادرة لوقف إطلاق النار. غير أن الجانب الإسرائيلي كان يُفشلها في كل مرة، بإرادة واضحة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، “الرجل المريض في تل أبيب”، الذي مثّل الدور الرئيسي في إحباط تلك المساعي.
وفي المحصّلة، يُجمع المصريون – شعبًا ودولة – على أن ما يحدث في غزة ليس معزولًا، بل يحمل في طياته تهديدًا مباشرًا لمصر، لسيناء، وللقاهرة ذاتها. وهذا الإدراك المشترك هو أحد مكامن القوة في الموقف المصري، إذ تلتقي فيه الدولة مع شعبها على موقف موحّد: رفض العدوان الصهيوني دعمًا كاملًا وثابتًا لأهل غزة، ورفضًا لأي مشروع استيطاني يمرّ عبر البوابة المصرية.
ما حجم الأضرار التي لحقت بمصر في قناة السويس؟ وهل هناك محادثات بين القاهرة والحوثيين بشأن إغلاق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية؟
لا شكّ في أن قناة السويس تعرّضت لأضرار جسيمة نتيجة التوترات الإقليمية، لا سيما ما تشهده منطقة باب المندب من استهداف متكرر للسفن، خصوصًا تلك المتجهة نحو ميناء إيلات الإسرائيلي. وقد قدّرت الخسائر المباشرة بنحو 50% من إجمالي الإيرادات السنوية للقناة، التي كانت تصل سابقًا إلى قرابة عشرة مليارات دولار من العملة الصعبة.
التراجع الكبير في العائدات يعود إلى تزايد المخاوف الدولية من عبور هذا الممر الملاحي الحيوي، بعدما أصبحت السفن عرضة للضربات المتكررة من جانب جماعة الحوثي في اليمن، ما دفع الكثير من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، والابتعاد عن قناة السويس.
أما بشأن العلاقة بين مصر والحوثيين، فالواضح أنه لا توجد مواجهات علنية أو تصريحات عدائية متبادلة بين الجانبين، وهو ما يُفهم على الأرجح بأنه مؤشر على وجود قنوات اتصال غير مباشرة أو سرية، تجري في كواليس السياسة الإقليمية. كمراقبين ومتابعين، لا نملك معلومات دقيقة عن طبيعة هذه المحادثات، لكن المؤشرات تفيد بوجود نوع من “الهدنة الصامتة” بين الطرفين.
ومع ذلك، فإن التأثير السلبي على قناة السويس واقع وملموس، ولا يزال مستمرًا حتى هذه اللحظة، ما يستدعي يقظة إستراتيجية واستجابة مرنة من الدولة المصرية في التعامل مع هذه التطورات المعقدة.
كيف تفسّر التطورات الأخيرة في العلاقات المصرية – الإيرانية وخاصة بعد أن أنزلت إيران اسم خالد الإسلامبولي عن أحد ولفارات العاصمة؟
أرى أن هناك تطورًا إيجابيًا يلوح في الأفق في مسار العلاقات المصرية – الإيرانية، رغم أن الجدل الدائر حول إزالة اسم خالد الإسلامبولي من أحد شوارع طهران قد لا يعكس جوهر هذه العلاقات بقدر ما يعكس مظهرًا رمزيًا لها.
من الجدير بالذكر أن هذه المسألة تعود إلى مطلع الألفية، حينما قررت إيران، في أعقاب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، تغيير اسم الشارع من “خالد الإسلامبولي” إلى “الشهيد محمد الدرّة”، وهو أحد رموز الانتفاضة الفلسطينية. وفيما بعد، عادت التسميات لتتبدّل، إذ جرى مؤخرًا استبدال الاسم بـ”الشهيد حسن نصر الله”. هذا التبديل، وإن بدا شكليًا، إلا أنه يعكس تحوّلاً في الخطاب السياسي الإيراني، ومحاولة لإعادة تموضع في علاقاتها الإقليمية، خصوصًا مع مصر.
لكن الأهم من هذه الرموز، يبقى جوهر العلاقة الذي ظلّ لعقود محكومًا بمعادلات معقّدة، كان للولايات المتحدة دورٌ رئيسي في صياغتها. فبينما انتهجت إيران منذ الثورة الإسلامية سياسة مستقلة عن واشنطن، تبنّت مصر – في ظل نظامي السادات ومبارك – خيار التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، واستندت في سياساتها الإقليمية إلى التنسيق مع الغرب.
ومع ذلك، تبدّل هذا الواقع بشكل دراماتيكي في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد المواجهات العسكرية المتصاعدة بين إيران وإسرائيل. فقد باتت المنطقة، وبشكل أكثر وضوحًا، مقسّمة بين قوتين إقليميتين مركزيتين: إيران ومصر. وهو ما كان قد أشار إليه الصحفي محمد حسنين هيكل حين اعتبر أن الدولتين الوحيدتين القادرتين على التأثير العميق في الإقليم هما مصر وإيران، فيما تشكّل بقية الدول “جزرًا” سياسية.
إن إدراك مصر للخطر الإسرائيلي المتنامي – لا سيما في ظل إستراتيجيات التطبيع المفروضة، ومحاولات تفريغ الدول من جيوشها الوطنية – بات أكثر وضوحًا، تمامًا كما هو الحال في إيران. وتشير بعض التقارير إلى أن وزير الخارجية الإيراني، في زيارته الأخيرة إلى القاهرة قبل التصعيد الإيراني-الإسرائيلي، قد قدّم للجانب المصري معلومات استخبارية خطيرة، تتعلّق بمخططات للموساد الإسرائيلي تستهدف مصر، جيشًا ودولة.
كل ذلك يعكس تحوّلاً في الوعي الإستراتيجي لدى الطرفين: لم يعد العدو الإسرائيلي يُنظر إليه كفاعل طبيعي في المنطقة، بل كقوة هيمنة لا تقبل سوى السيطرة، سواء من خلال التطبيع أو عبر الحروب المباشرة. وفي مواجهة هذا الخطر المشترك، تبرز الحاجة إلى تعاون حقيقي بين القوتين الإقليميتين، إيران ومصر، دفاعًا عن الاستقلال والسيادة والأمن القومي لكلٍّ منهما.
وبناء عليه، فإن ما يجري ليس مجرد مسألة اسم شارع، بل تحوّل في المعادلات الإقليمية، يعيد تشكيل خطوط التماس والتحالف، في مواجهة خطر مزدوج: أمريكي – إسرائيلي، يتّسع ليهدّد وجود الدول المستقلة في المنطقة.
هل هناك حنين في مصر نحو الناصرية؟
نعم، يمكن القول إن هناك حنينًا قديمًا ومتجددًا في مصر نحو الناصرية. غير أن هذا الحنين لا يقتصر على كونه شعورًا عاطفيًا تجاه مرحلة تاريخية بعينها، بل يتجسّد اليوم كحاجة وطنية متزايدة إلى مشروع للاستقلال والسيادة.
فالناصرية، في جوهرها، ليست مجرد حالة وجدانية، بل تمثّل خيارًا سياسيًا واجتماعيًا متكاملًا يقوم على الاستقلال الوطني، والتحرّر من التبعية، ودعم حركات المقاومة في وجه العدوان الخارجي.
وفي ظل ما شهدته مصر والمنطقة خلال العامين الماضيين من أزمات متلاحقة و”زلزال استراتيجي” ناتج عن السياسات الإسرائيلية التوسعية والاعتداءات المتكررة على لبنان وسوريا وغزة، فضلًا عن التهديدات المستمرة لإيران، تنامت الحاجة في الشارع المصري – وعلى مستوى النظام كذلك – إلى استعادة روح المشروع القومي الذي يقدّم بديلًا للاستضعاف والتبعية.
من هذا المنطلق، تعود الناصرية كمنهج وخيار، لا كنوستالجيا فارغة. إنها تعبير عن توقٍ شعبي عميق إلى الكرامة الوطنية والسيادة الفعلية، لا سيما في مواجهة التحديات الإقليمية الكبرى.
هل تراهن النخب المصرية على عودة مصر لقيادة العالم العربي؟
في الواقع، لا تُعدّ القيادة المصرية للعالم العربي طموحًا مفترضًا أو دورًا مُفتعلًا، بل هي قيادة طبيعية ومتجذّرة، نابعة من خصائص مصر البنيوية والتاريخية. فليست المسألة مرتبطة بتعداد السكان أو اتساع الجغرافيا فحسب، بل بما تمثّله مصر كدولة متماسكة ومتماسكة، قادرة على الصمود أمام المحن الكبرى التي عصفت بالمنطقة.
إن مصر، بخلاف العديد من الدول التي أنهكتها الانقسامات والصراعات الداخلية، ما زالت تحافظ على وحدتها الاجتماعية وتماسكها الطائفي، كما تمتلك جيشًا وطنيًا قويًا، وظهرًا شعبيًا صلبًا. وهذا ما يمنحها موقع “الأخ الأكبر” الذي تحتاج إليه الأمة العربية في ظل الزلازل السياسية والأمنية المتلاحقة.
ومن هذا المنظور، فإنّ القيادة المصرية اليوم ليست وليدة الطموح السياسي أو النفوذ المالي، كما تفعل بعض الدول، بل نابعة من حضور إستراتيجي ومعنوي عميق. فالمال زائل بطبيعته، أما ما يبقى ويُؤسّس للريادة، فهو القوة المعنوية، والاستقرار المؤسسي، والقدرة على التأثير.
ولهذا، فإنّ النخب المصرية، في معظمها، تراهن على هذا الدور وتسعى إلى استعادته وتعزيزه، إدراكًا منها لحاجة الوطن العربي إلى مركز ثقل حقيقي يملك مقوّمات القيادة لا مجرّد أدواتها الظرفية.
هل تقلقكم غطرسة إثيوبيا في قضية سدّ النهضة؟
بلا شك، تُثير التصرفات الإثيوبية قلقًا بالغًا واستياءً عميقًا، نظرًا لما تمثّله من تهديد مباشر وخطير للأمن القومي المصري، وبخاصة في ما يتعلق بالزراعة والاقتصاد. فاكتمال بناء سد النهضة من دون اتفاق ملزم يراعي حقوق مصر التاريخية في مياه النيل، يضع البلاد أمام كارثة محتملة، قد تؤدي إلى بوار ما يقارب مليون فدان من الأراضي الزراعية، وهو ما يُعد ضربة موجعة للاقتصاد الوطني.
وكما كان يؤكد الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل، فإن “نهر النيل والأقباط” يشكّلان ركيزتين أساسيتين في معادلة الأمن القومي المصري، ومن ثم فإن أي مساس بحصة مصر المائية – التي تبلغ قرابة 60 مليار متر مكعب سنويًا – يمثّل خطرًا إستراتيجياً حقيقيًا.
ما يُضاعف من حدّة القلق المصري أن هذا المشروع يُنفّذ في ظل غفلة دولية، بل وفي سياق تواطؤ صامت من بعض القوى الغربية وبعض الجهات المالية في الخليج، التي تدعم المشروع إما تمويليًا أو سياسيًا، من دون مراعاة للحقوق التاريخية أو للتوازنات الإقليمية.
الاحتمال الأكبر أن حصة مصر المائية قد تنخفض إلى النصف، ما سيترك أثرًا كارثيًا على الدورة الزراعية، وعلى الأمن الغذائي، وبالتالي على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي برمّته. ولهذا، تنظر الحكومة المصرية، ومعها الرأي العام، إلى ما يحدث بقلق بالغ وريبة مشروعة، خاصة في ظل غياب حلول سياسية حقيقية حتى الآن.
ومن المؤكد أن مصر تدرس خيارات الرد، وتضع سيناريوهات مختلفة للتعامل مع هذا التهديد الوجودي. ويبقى السؤال الإستراتيجي المطروح: كيف سيكون الرد؟ ومتى؟ وهذا ما ينتظره الجميع، محليًا وإقليميًا، بترقب شديد.
كان هيلاسلاسي يتمنى أن يستقبله جمال عبد الناصر اليوم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لا يكترث برئيس الوزراء المصري في القمة الأخيرة هل يشعر المصريون بالفارق بين هذا وذاك؟
من المؤكد أن الفارق محسوسٌ بمرارة لدى المصريين. فحين كان الإمبراطور هيلاسيلاسي يسعى لاستقبال من الزعيم جمال عبد الناصر، وكان ينتظر لقاءه بإجلال، كانت مصر تمثّل آنذاك قوة إقليمية لا يُستهان بها، وزعامة قومية صاحبة قرار ومهابة. عبد الناصر لم يكن يستقبل الملوك والرؤساء فقط، بل كان يستقبلهم بشروط، انطلاقًا من موقع مصر كقوة مركزية في العالم العربي وإفريقية، وكقائدة لمشروع تحرري عابر للحدود.
في المقابل، اليوم، يقف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في موقعٍ لا يُبدي فيه أدنى اكتراث للجانب المصري، كما ظهر جليًا في القمة الأخيرة، حيث تجاهل رئيس الوزراء المصري، وهو مشهد لم يمرّ دون أن يثير حسرة لدى المصريين وحنينًا إلى زمن كانت فيه القاهرة تُصغي لها العواصم.
الفارق بين الحالتين لا يقتصر على البروتوكول الدبلوماسي، بل يعكس تحوّلات في ميزان القوى الإقليمي. فبينما كانت مصر في عهد عبد الناصر تمارس حضورها من موقع السيادة والردع، وتفرض خطوطًا حمراء واضحة لأي دولة تحاول العبث بمصالح الأمة، وعلى رأسها نهر النيل، فإنّ المشهد المعاصر يوحي بتراجع ملحوظ في أدوات التأثير والردع الإستراتيجي.
فأثناء انشغال مصر بتحوّلاتها السياسية منذ 2011، كانت إثيوبيا، بخُبث ودهاء، تمضي قدمًا في بناء سدّ النهضة، وسط تواطؤ صامت ودعم إسرائيلي متغلغل. وكان الأجدى أن تواجه هذه التحركات بإرادة صارمة لا بشعارات مطمئِنة. فعندما زار آبي أحمد مصر وطُلب منه أن يُقسم على المسرح بعدم الإضرار بمصالح مصر، لم يكن ذلك تصرّفًا يليق بقضية وجودية كقضية المياه. الإستراتيجيات لا تُدار بالحلفان، بل تُصاغ بقوة الردع، وبسياسات الإكراه لا الاستعطاف.
ما تحتاجه مصر اليوم ليس مجرد استعادة رمزية لعبد الناصر، بل استعادة “المعنى” الذي مثّله: الكرامة، الحزم، والقدرة على فرض الإرادة الوطنية في ملفات الأمن القومي، وعلى رأسها قضية مياه النيل. فالمعادلات في إفريقية، كما في العالم، لا تُصاغ بالكلمات، بل بالقوة التي تُشعِر الخصم أن تجاوز الخطوط الحمراء له أثمان جسيمة.
وإلا، فإن من لا يسمع إلا صوت القوّة، لن يُصغي إلى صوت حسن النوايا.
هل تعتقد أن الإخوان لديهم فرصة للعودة إلى العمل السياسي في مصر؟
لا أعتقد أن جماعة الإخوان المسلمين تمتلك فرصة حقيقية للعودة إلى العمل السياسي في مصر، لا في الحاضر ولا في المدى المنظور. فالموقف من الجماعة لم يكن مجرّد موقف رسمي من مؤسسات الدولة كالمؤسسة العسكرية أو الشرطة أو الإعلام أو حتى النخب المثقفة، بل كان في جوهره موقفًا شعبيًا خالصًا، عبّر عن رفض واسع للجماعة وسلوكها السياسي، وخاصة بعد تجربتها في الحكم.
الإخوان – على مدار ما يقرب من قرن منذ تأسيس تنظيمهم – تمكّنوا من بناء شبكة سرّية تميّزت بالمعارضة السياسية دون أن يُختبروا فعليًا في موقع السلطة. ولعل هذا ما جعلهم يتقنون دور المعارض، ويبدعون في الخطاب المظلومي، لكن حين انتقلوا من مربع المعارضة إلى سدة الحكم بعد عام 2011، تبيّن مدى ضعفهم وفشلهم.
خلال العامين اللذين حكمت فيهما الجماعة مصر (2011–2013)، شهدت الدولة تراجعًا واضحًا في الأداء المؤسسي، وارتباكًا عميقًا في إدارة شؤون البلاد. وقد أدرك المصريون سريعًا أن الجماعة التي ادّعت المظلومية لعقود، تحوّلت في الحكم إلى قوة إقصائية، تتسلّح بالسلطة لممارسة الإخضاع لا المشاركة، والاستحواذ لا الشراكة.
كان خطاب الجماعة مزدوجًا ومنافقًا في نظر قطاعات واسعة من الشعب، فقد قدّمت نفسها كضحية أمام الرأي العام، ثم مارست الإقصاء والقمع ضد القوى السياسية الأخرى – بما في ذلك الناصريون واليساريون – بعد أن خدعتهم بشعاراتها. ومن هنا جاء الرفض الشعبي، لا فقط لأن الجماعة فشلت في الإدارة، بل لأنها أظهرت نزعة استئثارية وطائفية خطرة.
إن جوهر الفشل لم يكن سياسيًا فحسب، بل بنيويًا وفكريًا. فالجماعة لم تمتلك أدوات الحكم الرشيد، ولا فهمًا حقيقيًا لمفهوم الدولة الديمقراطية، التي تقوم على التعددية، وتستوعب المختلف، وتشرك الجميع في عملية اتخاذ القرار. وبدلاً من ذلك، سعت إلى احتكار السلطة، دون مؤهلات حقيقية، ولا كفاءة في الأداء.
ولهذا، فإن المستقبل السياسي للإخوان في مصر يبدو مغلقًا تمامًا. وإذا وُجدت بقايا للجماعة هنا أو هناك – عبر خلايا نائمة أو نفوذ في بعض الأطراف أو الدول – فإنها تظل عاجزة عن استعادة موقع سياسي فاعل في دولة بحجم مصر، وبما تحمله من تاريخ وتجربة.
إن عودتهم – إن كانت ممكنة يومًا – تتطلب أجيالًا جديدة، وتحوّلات جذرية في فكر الجماعة، وتبنيًا حقيقيًا للديمقراطية، وإصلاحًا عميقًا في بنيتهم السياسية والثقافية. وهذا، في تقديري، ليس أمرًا يلوح في الأفق القريب، ولا تلوح بوادره داخل صفوفهم حتى الآن. فالإخوان لم يُجروا مراجعة حقيقية لأخطائهم، ولا يبدو أنهم تعلّموا شيئًا من التجربة التي أطاحت بهم. لذا، فإن قصة الإخوان تظل مثالًا سياسيًا كبيرًا على مأساة من اعتقد أن السلطة يمكن اختصارها في التنظيم، لا في الدولة.
وقد تناولنا هذه القضية في بحوث وموسوعات مفصلة، أرسلنا نسخًا وأغلفة منها لمن يهمّه الأمر، لما لها من أهمية وامتداد طويل في التاريخ السياسي المصري والعربي.
القاهرة –
2025-08-14