حرب هرمز…!
أضحوي جفال محمد*
بمقدار ما توسعت مساحة هذه الحرب لتشمل كل الشرق الأوسط تقلصت أهدافها لتنحصر داخل بقعة جغرافية ضيقة لا تتعدى مضيق هرمز. يوم انطلاقها تحدث الأمريكان والإسرائيليون عن اهداف جد طموحة، تتلخص بالاستسلام الإيراني الكامل. لكن الحديث اليوم لا يكاد يتجاوز فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً عشية الحرب فتسببوا باغلاقه.
هذا الوضع المزري الذي تردت فيه الولايات المتحدة يضعها من جديد أمام خيارين رهيبين ليس بينهما الوضع القائم حالياً. إما حرب شاملة وغير مضمونة النتائج، تنزل فيها الجيوش على البر الإيراني، أو التراجع المهين والاعتراف بايران قوة اقليمية كبرى تتحكم بالخليج.
الوضع الحالي ليس خياراً أمريكياً وانما حالة اضطرارية يفرضها العجز عن التقدم والعجز عن التراجع. انه اللاخطة في المفهومين السياسي والعسكري. لذلك يكتنفه التخبط وردود الفعل الآنية وكثرة التصريحات القارضة للمصداقية. وآخر الاخبار تقول ان الأسطول الأمريكي منع سفينة قطرية تحمل الغاز لحساب الباكستان عبرت من الجهة الايرانية. إلى ما قبل ايام كان الهدف الأمريكي المعلن دفع السفن إلى الابحار بالقول ان المضيق آمن ومحمي بالقوة الأمريكية. إلا أن ايران تستهدف كل سفينة عابرة خارج ترتيباتها فما عادت السفن تثق بمزاعم ترامب ولجأت إلى الممر الإيراني المؤمّن بالرسوم. هذه الصيغة فرضت الخطة الإيرانية على الجميع. فالمرور العملي لا يكون إلا من خلال القناة الإيرانية. وحين بدأ حلفاء امريكا يذعنون للأمر الواقع لم يبق أمام ترامب سوى اغلاق الممر الإيراني امام الجميع. وهذا يعني اغلاق المضيق بالكامل! فالإيرانيون يستهدفون كل سفينة تعبر من جهة عمان، والأمريكيون يستهدفون كل سفينة تعبر من جهة ايران. وبذلك لا تكون ايران وحدها مسؤولة عن تعطيل الملاحة الدولية إذ يدخل الأمريكان شريكاً رسمياً لها في هذا الفعل. وهو ما يخنق الاقتصاد العالمي دون أمل يلوح في الافق، وينعكس على الداخل الأمريكي الذي تتحدد اسعار الوقود فيه بسعر السوق العالمي، وكل دولار يضاف إلى سعر النفط العالمي يرفع وعلى الفور سعر غالون البنزين داخل الولايات المتحدة.
الوضع الحالي الذي تجمدت عنده احداث الحرب قد يكون اكثر كلفة على الأمريكان من الخيارين آنفَي الذكر. لقد تحولت ايران بصمودها أمام أقوى قوة عسكرية على وجه الأرض إلى حصان رهان لجميع المتضررين من الولايات المتحدة. والرهان هنا ليس محض موقف عاطفي بل موقف سياسي يترجم بالتأكيد إلى اجراءات تعزز هذا الصمود. وعلى هذا الاساس سيؤدي الإنتظار إذا طال إلى تعزيز القدرات العسكرية الإيرانية بدرجة تسقط خيار استهدافها في حرب شاملة إذا فكر الأمريكان بغزوها برياََ بعد سنة او سنتين. ذات التجربة الاوكرانية عام 2015 عندما دفع الغربيون باتجاه حل تفاوضي تبيّن لاحقاً أن الغاية منه كسب الوقت ريثما تبنى قدراتها العسكرية بالشكل الذي جعلها تقف بوجه روسيا كل هذه السنوات.
إحدى المشاكل الكبرى أمام الادارة الأمريكية ان الحرب مرفوضة شعبياً، في بلد ديمقراطي يُحسب للشعبية حسابها الانتخابي. كما يوجد انقسام سياسي حاد بشأنها، حيث الأصوات متعادلة في الكونغرس بشأن استمرارها على الوتيرة الحالية، أما لو طُرح توسيعها بما يشمل ارسال مئات آلاف الجنود فربما يتطابق الرأي السياسي في رفضها مع الموقف الشعبي. والانقسام قائم الان داخل البيت الأبيض ايضاً وداخل حركة ماغا.
هذه المشكلة غير موجودة في الجانب الايراني.. فقد هوجموا في عقر دارهم، وقال المهاجمون على لسان قائدهم (ترامب) أنهم آتون لتدمير الحضارة الإيرانية، والجسور ومصافي النفط ومحطات المياه. فالمقاومة أمام هذا الخطر لا تعود وجهة نظر يتجادل بشأنها الناس. لذلك رأينا حتى التيارات المعارضة وتلك التي ترفض مبدئياً النظام الديني في ايران تجد مشقة في تأييد الحرب على بلادها، والمظاهرات التي كانت تجوب المدن ضد النظام تتوارى ويحل محلها مظاهرات تأييد.
هذا الانتظار أخطر ما يواجهه ترامب وادارته في التعامل مع الورطة. وتتسلط عليه ضغوط هائلة لاتخاذ قرار الغزو البري لايران او التنازل لها عن الخليج برمته. وجهتان لا يجد المتابع غيرهما مهما تأمل الصورة.
( اضحوي _ 2420 )
2026-08-02