حربائية الاستعمار القديم تعود من جديد!
سعادة مصطفى أرشيد*
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مشروعه القديم المسمّى بصفقة القرن إلى الحياة مجدداً، ولكن بصيغة مختلفة أعلنها بداية في قمّة شرم الشيخ، حيث أيّدها حلفاؤه من غرب وعرب، ثم استطاع التفاهم مع روسيا والصين لتحويلها إلى قرار دوليّ صادر عن مجلس الأمن ويحمل رقماً وهو ما لم تعارضه موسكو أو بكين وإنما اكتفتا بالامتناع عن التصويت.
احتفلت جموع المهزومين والمهرولين الذين لا يحبّون رؤية الحقيقة بهذا القرار الدولي على اعتبار أنه يمثّل انتصاراً لفلسطين وهزيمة لحكومة اليمين في تل أبيب، وكيف لا يرون ذلك والقرار يتحدّث عن دولة فلسطينية وعن حق الشعب الفلسطينيّ في تقرير مصيره.
أحبّ هؤلاء أن تغيب عنهم تفاصيل القرار الدولي التي تقول إن الدولة الفلسطينية وحق تقرير المصير هما مسار من المحتمل تحققه، يعني أنه ليس أكيد التحقق، ومرتبطاً باشتراطات لها بداية ولكن ليس لها نهاية، أي أن ذلك قد يأتي ولكنه قد لا يأتي، والحقيقة الواضحة تقول إن ذلك لن يأتي طالما بقيت موازين القوى على انحرافها الحالي وفي غير مصلحتنا، ومن يريد رؤية الحقائق كما هي فهو يعرف أن لا دولة فلسطينية ستُقام بموجب هذه الخطة – القرار وإنما استبدلت الدولة بهيئات هزيلة سنأتي على ذكرها، وإن حق تقرير المصير قد استبدلته خطة السلام هذه بحرمان الشعب الفلسطيني ليس من حقه في تقرير مصيره فحسب، وإنما حتى من حقه في إدارة شؤونه الصغيرة وطريقة حكمه ومَن يحكمه، وهو ليس أكثر من مجموعة من الفقراء الجياع الذين يمثلون عالة على المجتمع الدولي والجهات الإغاثية وعلى برامج التنمية المسمومة التي سوف تمنعه من النمو الحقيقي وتبقيه على حالته من الحاجة والعوز. هذه الإغاثة هي الثمن الذي سيتلقاه الفلسطيني الذي ستكون وظيفته الأولى الدفاع عن عدوه ومحتل أرضه وطارده من دياره بدل ممارسة حقه المكفول دولياً بالدفاع عن نفسه ومقاومة الاحتلال.
بموجب القرار الدولي فإنّ مجلس السلام الذي يرأسه ترامب هو المكلف من مجلس الأمن بالإشراف على إدارة غزة وتشكيل إدارتها العليا من الجهات المانحة وأصحاب الدور الدولي والإقليمي، وهم الذين سيقومون باختيار مجموعة تكنوقراط فلسطينية لتعمل بعيداً عن السياسة (كما ورد في النص)، ولكن الجهة الحاكمة الفعليّة هي غير الفلسطينية التي ستكون سلطة حاكمة بلا قيود أو ضوابط، تقبض على التشريع والتنفيذ والقضاء بقبضة أمنية مالية وبما يجعلها وكأنها إعادة إنتاج لنظام الانتداب الذي أقرّته عصبة الأمم الدولية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث لم ترَ تلك العصبة الأمميّة في أمتنا مقوّمات الأمة وإنما مجموعة من الطوائف والمذاهب والعشائر والإثنيات التي لا تملك من النضج ما يجعلها قادرة على حكم نفسها وتقرير مصائرها والسعي نحو تحقيق مصالحها العليا، ولذلك انتدبت عصبة الأمم كلاً من الإنجليز والفرنسيين ليقوموا بنقلنا من حالة الهمجية والتخلف وعمر الطفولة إلى عوالم التحضّر وإلى سنّ النضج والتي كانت نتيجتها التجزئة وإيجاد الكيان الغاصب وما نحن عليه اليوم من بؤس الحال.
إنها إعادة هندسة لا للجغرافية القومية أو حتى الوطنية الصغيرة وإنما للفلسطينيّ الذي طالما مثّل رمزاً للمقاومة والصمود ومصدر إلهام لبيئته القومية وعالمه العربي وحتى للمستضعفين في الأرض، ليصبح ما يُراد له أن يكون في إعادة الهندسة هذه. وقد رأينا في الأيام الماضية في محافظة طوباس، محاولة لنقل سيناريو غزة إلى الضفة الغربية، من إعادة هندسة وتشكيل جديد، وهو ما سيتكشّف سريعاً.
علينا إدراك أنّ السياسة لا تتفق مع العقيدة (الأيديولوجيا) وإنْ اختلفت عنها بالشكل، السياسة هي دائماً في خدمة العقيدة، المطلوب من الفلسطيني اليوم الاستمرار في القبض على جمر صموده والعمل على بقائه على أرضه، والثبات على مخزونه النضالي وإنْ كان كامناً.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2025-12-04