“تشظي المخيال السوري” وضرورة إعادة بناء معادلة وطنية سورية!
أمجد إسماعيل الآغا*
المشكلة البنيوية في الوعي السياسي السوري ولدى جزء واسع من القوى، كانت ولا تزال في اختزال المأساة السورية في شخص النظام أو في بنيته الأمنية والعسكرية، كأن التاريخ يبدأ بسقوطه وينتهي به؛ هذا الاختزال خلق وهماً مزدوجاً؛ وهم أن إسقاط النظام يعني آلياً الحرية والعدالة، ووهم أن الدولة هي النظام، فإذا سقط النظام سقطت معه كل المشكلات والأزمات.
التجربة المريرة التي يعيشها السوريين اليوم أثبتت العكس، إذ يمكن أن يسقط النظام أو ينهار مركز الهيمنة، بينما تستمر المأساة بأشكال جديدة كـ استمرار التهجير أو إعادة التهجير بأدوات مختلفة، والصراع على النفوذ، وتصفية الحسابات المحلية، والتغييرات الديموغرافية الصامتة أو المموهة، إضافة إلى تكوّن نُظم سلطوية بديلة، لكن يبقى الأهم في كل ذلك هو تعمق الأزمات الإنسانية بأشكالها كافة.
هنا يصبح واضحاً أن “سقوط النظام” بوصفه حدثاً تقنياً سياسياً أي تغير السلطة الحاكمة، لا يعني تلقائياً “تفكيك أسباب المأساة”، لهذا يمكن أن يتغيّر رأس النظام دون أن يتغيّر منطق إدارة السلطة، ويمكن أن تتغير الأعلام واللافتات دون أن تتغيّر طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
الوطن كفكرة مهددة لا كجغرافيا فقط، فالوطن لم يعد مسلّمة وجدانية أو بديهية سياسية، بل أصبح سؤالاً موضع نزاع؛ هل الوطن هو الجغرافيا أم الجماعة التي تملك الحق في تعريفه؟، وهل الوطن هو “الدولة القائمة” مهما كانت، أم عقد سياسي أخلاقي بين مكونات متساوية؟، وهل الوطن مُتخيل بوصفه إقليماً واحداً، أم أنه يتشظى إلى “أوطان الأمر الواقع”.
التشظّي ليس فقط عسكرياً أو سياسياً؛ هو أيضاً تشظٍّ في المخيال؛ سرديات متعارضة حول البداية: متى بدأت المأساة؟ 2011 أم 1980 أم 1963 أم أبعد من ذلك؟؛ سرديات متعارضة حول المسؤولية؛ من خان ومن صمد؟ من ثار ومن تآمر؟؛ سرديات متعارضة حول مستقبل سوريا “دولة مركزية أم لا مركزية موسعة” أم نظام رئاسي أم برلماني أم علمانية أم “مرجعية دينية”؟ حكم أغلبية أم حماية أقليات؟.
هذا الصراع السردي يضرب فكرة الوطن في العمق، لأن الوطن كفكرة يحتاج إلى حد أدنى من التوافق على “من نحن” و”ما الذي نريده معاً”، ومن دون هذا الحد الأدنى، تتحول الجغرافيا إلى مساحة تنازع، لا إلى فضاء تعايش.
بناءً على هذا، يمكن القول إن المأساة السورية، ليست استمراراً خطياً للماضي فحسب، بل هي تحول المأساة من سلطة واحدة قمعية إلى منظومة تشظٍّ عام؛ سلطات متنافسة وسرديات متصارعة ومجتمع متعب مهدَّد في معنى وطنه. الخروج من هذا الوضع يتطلب الانتقال من “أحلام الانتصار الكامل” إلى “ضرورة التسوية المعقولة”، ومن التعويل على معادلات الإقليم إلى إعادة بناء معادلة سورية وطنية داخلية تقبل الحوار بوصفه مسار النجاة، لا بوصفه تنازلاً مهيناً.
كاتب وباحث سياسي
2026-01-08