كوكبي ….
المسرحية التي لا يريدونك أن تراها !
جوهر سعود
كلما اندلعت حرب جديدة، يندفع الناس لمتابعة الصاروخ الذي أُطلق والمدينة التي قُصفت والخطاب الذي أُلقي، بينما تبقى الأسئلة الحقيقية حبيسة الغرف المغلقة: من المستفيد؟ من يعيد رسم الخرائط؟ ومن يشتري الأصول المنهكة بعد انتهاء العاصفة؟
في العلن يتحدثون عن الديمقراطية والأمن القومي وحقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب وحماية الأقليات وحفظ الاستقرار. أما في مراكز الدراسات الاستراتيجية ومجالس الشركات العملاقة وصناديق الاستثمار الدولية، فاللغة مختلفة تماماً. هناك لا يتحدثون عن الشعوب، بل عن الممرات البحرية، وحقول الطاقة، والمعادن النادرة، وخطوط النقل، والكثافات السكانية، ومواقع النفوذ، وكيفية تحويل الأزمات إلى فرص والأوطان إلى أسواق.
ليس صدفة أن تشتعل منطقة تقع على عقدة تجارية مهمة. وليس صدفة أن تتحول دولة منهكة إلى ساحة صراع مفتوح ثم تُطرح بعدها مشاريع إعادة إعمار بمليارات الدولارات. وليس صدفة أن تسبق الفوضى عمليات إعادة هيكلة اقتصادية وسياسية عميقة. هذه ليست نظريات غامضة، بل آليات عرفها التاريخ مراراً وتكراراً بأسماء مختلفة.
الشعوب تُستنزف في معارك الهوية والطائفة والحزب والانتماء، بينما تتحرك فوق رؤوسها معركة أكبر بكثير تتعلق بمن يملك مفاتيح التجارة والطاقة والمال. وبينما ينشغل المواطن بالدفاع عن زعيم أو مهاجمة خصم، تكون خرائط النفوذ قد تغيرت بالفعل دون أن يلاحظ.
المثير للسخرية أن معظم الناس يظنون أنهم يشاهدون الأحداث مباشرة، بينما هم في الحقيقة يشاهدون نسخة منتقاة بعناية. ما يصل إلى الشاشات ليس كل الحقيقة، بل الجزء الذي سُمح له بالظهور. أما المفاوضات السرية، والصفقات الخلفية، والتفاهمات غير المعلنة، والتنازلات المتبادلة، فتظل بعيدة عن الأضواء حتى تصبح أمراً واقعاً لا يمكن التراجع عنه.
وحين تسأل لماذا تتكرر الأزمات نفسها؟ ولماذا تتحول الكوارث إلى مشاريع؟ ولماذا يخرج الأقوياء أقوى بعد كل حرب بينما يخرج الضعفاء أكثر فقراً وتبعية؟ تبدأ برؤية الخيط الذي يربط المشاهد ببعضها. عندها تدرك أن ما يُعرض على المسرح ليس دائماً القصة الحقيقية، بل مجرد فصل من قصة أكبر تُكتب خلف الستار.
لا تصدّق أن ما تراه هو كل ما يجري. انظر دائماً إلى المال قبل الشعارات، وإلى الخرائط قبل الخطب، وإلى المصالح قبل العواطف. فالتاريخ يعلمنا أن الضجيج يُصنع للجماهير، أما القرارات التي تغيّر مصير الأمم فتُصنع غالباً بعيداً عن الأضواء.
2026-06-16