اللغة العمياء..!
رانيا لصوي
في زمن مثقل بهزيمة يونيو 1967 وما خلفته من ضبابية وهزات في المشهد العربي ، وفي محاولة لتفكيك أسباب العجز العربي حينها في الخطاب السياسي والفكري، قدم الشهيد غسان كنفاني ورقته الهامة عام 1968 بعنوان التغيير واللغة العمياء.
وضوح الرؤية شرط النجاة
شرّح غسان كنفاني كيف تكون اللغة أداة للتضليل أو التغيير وانطلق بتوصيفه اللغة العمياء لتلك التي تصف الأشياء بزخرفها دون جوهرها، لغة بلا بصيرة، مبهمة تحجب الرؤية وتعيق وضع استراتيجيات واضحة وحقيقية، لتبرير عجز السياسيين والمثقفين قائلا: ” إن الاختباء وراء غموض الكلمات هو سلاح أساسي للذي يشعر بعجزه عن تحقيق هدفه، فالفكر العمّائي يستبدل الوضوح بالتعمي، ويُرضي الشاعرية دون أن تزيد رؤياه” ويضيف “اللغة العمياء أفقدتنا بالتدريج القدرة على وضع استراتيجيتنا الواضحة في مواجهة التحديات التي تندفع نحونا على جميع المستويات”
الواقعية السياسية أم العجز المعلن؟
وهذا التوصيف يتجلى اليوم بين صفوف المثقفين والمنظرين العاجزين ليس فقط عن بلورة موقف واضح تغييري، وانما العجز عن فهم حجم الإبادة الممنهجة في قطاع غزة وللقضية الفلسطينية عموما.
بعضهم حمّل عملية السابع من اكتوبر أسباب الحال، والبعض الآخر انبطح تحت ذريعة الواقعية السياسية، ومنهم من ابتعد إلى ما هو مفهوم النصر والهزيمة؟ ويحضرني في هذا المشهد الحذر من تيه المثقف وتوهان أفكاره وهو من يمتلك أدواته على الزخرفة الفارغة.
التطبيع الاعلامي.. لغة بلا بصيرة
آمن كنفاني بأن الإعلام أداة مقاومة ودفاع عن الحق الفلسطيني ،ليس منصة لتجميل صورة الاحتلال، متمسكا بالهوية الفلسطينية في كل حديث ولقاء، وبالرواية والسردية الفلسطينية وألا يسمح للأخر، أي طرف، بحرف روايته وسرديته.
عجز الالسن عن تغيير الواقع والمساهمة الثورية فيه، جعل منها مدعية، تنطق وتتقارب مع رواية الاحتلال، وزادت عن ذلك، بأن أصبحت منبرًا للسان الكيان الصهيوني ينطق ما يريد بحجة المعرفة والنقاش والحوار.
أصبح الإعلام ساحة للتطبيع وتبادل وجهات النظر، وكأن قضية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الإحلالي المجرم تحتاج وجهة نظر!
وهذا إن اتصل فهو جليًا في العجز وفقدان الارادة على المقاومة وتفلسف المتفلسفين بلغة عمياء تتحول إلى مخدر يتلذذ بالاستعارات الملتبسة والهروب من تسمية الأشياء بمسمياتها.
الحزبية العمياء
الانشداد الى الفصائلية في مرحلة خطيرة من القضية الفلسطينية والارتكاز على الإرث والتاريخ يندرج تحت اللغة العمياء ايضا والتي أفرد فيها غسان كنفاني جانبًا مهما فيها عن دور الحزب والأحزاب كوسيلة فاعلة للتغيير الاجتماعي والسياسي، لا مجرد إرث او أداة بيروقراطية فارغة من المشروع، وحذر من الحزبية العمياء التي انفصلت عن الواقع الشعبي وأصبحت شعارات بلا أثر. وكأنه يُشرّح ما يملؤنا فراغًا اليوم.
وفي هذا السياق ركز كنفاني على العلاقة بين الحزب والجماهير، ليس فقط مصالح قادته أو قواعده الداخلية، مؤكدا على ضرورة المساهمة في رفع وعي الناس الجمعي اتجاه قضيتهم دون انغلاق على لغة حزبية فارغة من المعنى الحقيقي.
هذا التشوية الممنهج كنتيجة حتميه لواقع مرير نمر به، بلغ في البعض أن يستحضر كنفاني مفترضا موقفه لو أنه ما زال… وكأن المطلوب هو استحضار كل النماذج الوطنية وتشويهها ليزيد التيه… تجاوزوا تبرير خياناتهم بل عمدوا الى تشويه من أنجتهم الحياة من زمن الانبطاح هذا.
وضوح الرؤية شرط النجاة
في مواجهة النكسة، شدد كنفاني على أن التغيير لا يقوم على العواطف ولا على الكلمات الكبيرة، وهنا أنا لا استحضر الهزيمة وإنما أورد ظرفا كُتب فيه ” التغيير واللغة العمياء”
التغيير يحتاج الى استراتيجية واضحة، خطاب صريح، وإرادة لا تخشى دفع الثمن. كل لغة غامضة ليست سوى عائق جديد أمام نهضة الأمة ومشروعها
2025-09-03