العملُ دواءٌ للعزلة… وعدمُ الاستسلامِ سرُّ النجاة!
بقلم البرفيسور وليد الحيالي
أؤمنُ أنَّ الإنسانَ يولدُ مرتين: أولى بيولوجية تُقاسُ بالعمر، وثانيةٌ معنوية تُقاسُ بما ينجزه من عملٍ نافع. من هذه الزاوية أرى أنَّ الاكتئابَ والشعورَ بالغربة والاغتراب لا يُجابهان بالكلام وحده، بل بالفعل المنتظم؛ بالعمل الذي يُشغِّلُ العقلَ واليدَ والقلب، ويربطنا بسياقٍ أوسع من ذواتنا.
ليس المرضُ قدرًا يُملي علينا الاستسلام، ولا تقدُّمُ العمرِ ذريعةً لرفع الراية البيضاء. المرضُ يُدار، والعمرُ يُستثمَر. إنَّ أخطر ما يفعله اليأسُ أن يحوِّل الإنسانَ إلى مراقبٍ لزمنه بدل أن يكونَ صانعًا له. حين نعمل—أيًّا كان شكل العمل—نستعيدُ سلطةً على يومنا: نخطط، ننفِّذ، نُراجع، فنُزاحمُ الأفكارَ السوداء بمهمّاتٍ صغيرةٍ تُنجَز، ونُبدِّدُ شعورَ العزلة بروابطَ تنشأُ طبيعيًّا داخل منظومة العمل.
الغربة ليست جغرافيا فقط؛ قد يعيش المرءُ وسط أهله ويغترب، وقد يهاجر فيجدُ وطنًا في فكرةٍ أو رسالة. والعملُ هنا جسرٌ مزدوج: يمدُّنا بلغتنا المشتركة—لغة الجدوى—ويمنحُ الأيام معنىً تراكميًّا. كلُّ صباحٍ ننضبطُ على توقيت مهمةٍ محددة، ولو بسيطة، نضيفُ حجرًا صغيرًا في جدار المعنى، ومع الأيام يقومُ البناء.
أؤمنُ بفقهٍ عمليٍّ لمقاومة الانطفاء، مبدؤه: «قليلٌ دائمٌ خيرٌ من كثيرٍ منقطع».
• ساعةُ قراءةٍ مركَّزة أفضل من بحرِ تمنٍّ بلا شروع.
• مَشيةٌ يومية نافعة، ولو على مهل، تهزمُ سكونَ الأريكة.
• واجبٌ اجتماعيٌّ أو تطوُّعي يَجسُرُ المسافةَ بين «أنا» و«نحن».
• تعلُّمُ مهارةٍ جديدة—ولو في سنٍّ متقدمة—يُقنعُ العقلَ أنَّ الغدَ يستحقُّ أن يأتي.
والانضباطُ—لا المزاج—هو الأداة. نُعاملُ يومنا كما يُعامَلُ مشروعٌ مهني: أهدافٌ قصيرةُ المدى قابلةٌ للقياس، مراجعةٌ في المساء بلا جلدٍ للذات، واحتفاءٌ صغيرٌ بكلِّ تقدُّم. بهذا تصيرُ الإرادة عادةً، والعادةُ هويّة.
لا أنفي قيمةَ العلاجِ المتخصِّص ولا أهمّية السند الإنساني؛ كلاهما نعمة. لكنّي أرى أنَّ العملَ هو الحاملُ الأساسيُّ لخطة التعافي: يُحسِّنُ تقديرَ الذات، يَسحبُنا من اجترارِ الألم إلى إنتاجِ الأثر، ويحوِّلُ الزمنَ من خصمٍ إلى شريك. ومع تقدُّم العمر نصيرُ أحوجَ إلى «وزنٍ» يوميٍّ من المعنى؛ فإن لم نضعه نحن، وضعتنا الفراغاتُ في كفِّها.
أؤمنُ أخيرًا أنَّ الكرامةَ تُزرع في التزامٍ يوميٍّ لا يراهُ غيرُنا: أن ننهضَ على مواعيدنا، نُتمَّ ما بدأناه، ونمنحَ من وقتنا للآخرين. عندها فقط تنكمشُ ظلالُ الاكتئاب، وتخفتُ مرارةُ الغربة؛ لأنَّ الإنسانَ حين يجدُ مهمّته، يجدُ وطنه—ولو كان هذا الوطنُ مكتبًا صغيرًا، كتابًا مفتوحًا، أو خطوةً ثابتةً على رصيفٍ طويل.
هذا ما أؤمنُ به: اعملْ، ولا تستسلمْ لمرضٍ ولا لعمرٍ، فالمعنى يُكتَبُ بالفعل، والنجاةُ خُلُقٌ يومي.
2025-08-20