“الحلفاء” حائرون:
بعد فنزويلا، ترامب يريد السطو على غرينلاند
مدفوعاً بنشوة إذلال فنزويلا بعد اختطاف رئيسها، بدأ ترامب خطوات تنفيذية لانتزاع جزيرة غرينلاند من الدنمارك، واضعاً حلفاءه الأوروبيين أمام مأزق وجودي غير مسبوق
سعيد محمد *
مستنداً إلى نشوة الانتصار السهل الذي حققته إدارته في فنزويلا، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عازماً الآن على (ابتلاع) جزيرة غرينلاند – التابعة لمملكة الدنمارك -، وقد كلف بالفعل فريقه بوضع الخطط التنفيذية لتحقيق ذلك في مدى منظور، ما وضع حلفاءه الأوروبيين في قلب مأزق وجودي غير مسبوق.
العملية العسكرية الأمريكية الخاطفة في كاراكاس، ونجاح القوات الأمريكية في اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما إلى الولايات المتحدة بعثت برسالة واضحة إلى حلفاء واشنطن قبل الخصوم: الإدارة الأمريكية الحالية لن تكون مقيدة بالقوانين الدولية التقليدية أو الأعراف الدبلوماسية، وهو ما عبر عنه ستيفن ميلر، نائب كبير موظفي البيت الأبيض، بصلف ظاهر – أثناء حديث له إلى شبكة “سي إن إن” – مشيراً إلى “أحداً لن يحارب الولايات المتحدة عسكرياً بشأن مستقبل غرينلاند”، وبأن “العالم الواقعي يحكمه منطق القوة المحض”.
تصريحات ميلر تزامنت مع نشر زوجته، كاتي ميلر، خريطة لغرينلاند مغطاة بالعلم الأمريكي مع عبارة “قريباً”، ما يعكس عقيدة سياسية جديدة لدى نخبة الإمبراطورية في واشنطن ترى في السيطرة المباشرة على نصف الكرة الغربي ضرورة قصوى لتمديد الهيمنة.
الأوروبيون الذين دعموا بشكل أو آخر عدوان ترامب على فنزويلا أدركوا سريعاً تهديدات ترامب بشأن غرينلاند يجب أن تؤخذ على محمل الجد. وقد تنادى زعماء الدول الكبيرة بمن فيهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، لإصدار بيان أكدوا فيه أن “غرينلاند ملك لشعبها”، وأن القرارات المتعلقة بها هي شأن خاص بالدنمارك وسلطة الحكم الذاتي في الجزيرة فحسب.
ورغم وضوح بيان التضامن الذي وقعت عليه أيضاً إيطاليا وبولندا وإسبانيا، إلا أن الكواليس الدبلوماسية تشهد انقساماً وقلقاً عميقين بحكم اعتماد أوروبا المستمر على واشنطن في ملفات أمنية حيوية، أبرزها الضمانات الأمنية والدعم العسكري لأوكرانيا، ما يضع القارة أمام معضلة الموازنة بين دعم سيادة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي والناتو (الدنمارك)، والحفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة كشريك استراتيجي لا سيما في مواجهة روسيا.
ونقلت صحف لندن عن مسؤول أوروبي رفيع المستوى قوله إن القادة الأوروبيين يعلمون أن “الأمريكي لم يعد حليفاً لهم”، لكنهم يأملون في أن تكون مخاوفهم خاطئة على نحو ما.
في واشنطن، تسارعت الخطوات العملية لضم غرينلاند، وأطلع وزير الخارجية ماركو روبيو المشرعّين الأمريكيين على أن الرئيس يميل إلى خيار “شراء” الجزيرة بدلاً من غزوها، لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت تركت الباب مفتوحاً أمام جميع الاحتمالات، مؤكدة أن الرئيس لم يستبعد الخيار العسكري، وأن “استخدام الجيش الأمريكي يظل خياراً متاحاً دائماً للقائد الأعلى”.
وتستند حجج واشنطن في السعي إلى الاستيلاء على الجزيرة إلى نقطتين رئيسيتين: اعتبار غرينلاند جزءاً من منظومة الدفاع عن نصف الكرة الغربي لمواجهة تهديدات مزعومة من سفن روسية وصينية – وهو ادعاء نفته الوقائع التي تشير إلى أن الوجود العسكري الوحيد هناك هو أمريكي بالأساس -، والسعي للسيطرة على المعادن الأرضية النادرة الحيوية للصناعات التكنولوجية.
وتشير تحليلات بناء لمعلومات استقتها أجهزة أمن أوروبية، إلى أن استراتيجية واشنطن للاستحواذ على الجزيرة قد لا تعتمد بالضرورة على غزو عسكري مباشر في البداية، بل قد تتبع نهجاً متدرجاً يبدأ من تعزيز تواصل واشنطن المباشر مع سكان غرينلاند متجاوزة كوبنهاغن بهدف استغلال التطلعات الاستقلالية لدى شريحة من السكان (تشير استطلاعات الرأي لعام 2025 إلى أن 56% يؤيدون الاستقلال عن الدنمارك) لإقناعهم بأن شراكة مع الولايات المتحدة هي البديل الأفضل عن التبعية للدنمارك. وفي هذا الاتجاه عين ترامب حاكم لويزيانا جيف لاندري مبعوثاً خاصاً للجزيرة، في خطوة لم تكن مفاجئة. تالياً وكخطة بديلة عن الاستحواذ المباشر قد يدفع الأمريكيون غرينلاند نحو توقيع “ميثاق ارتباط” مع الولايات المتحدة، مشابه للوضع القائم مع جزر مارشال وميكرونيزيا. بموجب هكذا ترتيب، تتولى واشنطن الدفاع والخدمات مقابل حقوق عسكرية حصرية. ويسعى نواب مؤيدون لترامب في الكونغرس الأمريكي لإقناع الساسة المحليين في غرينلاند بأن هذا الخيار سيمنحهم استقلالاً شكلياً عن الدنمارك ورفاهية اقتصادية، رغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى رفض 85% من السكان الانضمام للولايات المتحدة.
وفي مزاج الصفقات، تمتلك واشنطن ورقة ضغط هائلة على العواصم الأوروبية، وهي ورقة أوكرانيا. ويخشى دبلوماسيون أوروبيون من سيناريو يطرح فيه ترامب معادلة صفرية: ضمانات أمنية أمريكية قوية لإنهاء الحرب في أوكرانيا مقابل “تسهيلات” أوروبية تسمح لواشنطن بمد نفوذها في غرينلاند، ما يضع أوروبا أمام الخيار المر: التضحية بسلامة أراضي حليف (الدنمارك) لمنع سقوط أوكرانيا.
على أن السيناريو الأسوأ والأكثر رعباً للأوروبيين يظل تحركاً عسكرياً مباشراً. ويمتلك الجيش الأمريكي بالفعل قاعدة “بيتوفيك” الفضائية في شمال غرينلاند، ومع ضعف القدرات الدفاعية الدنماركية في القطب الشمالي، فإن أي عملية إنزال جوي أو بحري ستكون محسومة عسكرياً خلال ساعات. ويحذر خبراء أمنيون أوروبيون من سهولة تكرار “سيناريو شبه جزيرة القرم”، حيث تفرض القوات الأمريكية سيطرتها الميدانية وتعلن الجزيرة أرضاً أمريكية، واضعة الجميع أمام أمر واقع.
هذه الأزمة تضع حلف شمال الأطلسي (الناتو) أمام اختبار وجودي لم يشهده منذ تأسيسه عام 1949. حيث تنص المادة الخامسة من ميثاق الحلف على أن أي هجوم على أراضي دولة عضو هو هجوم على الجميع. رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، كانت حاسمة في تحذيرها: “إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة عضو في الناتو، فإن كل شيء سينتهي”، موضحة بأن القواعد الديمقراطية للنظام الدولي والناتو سينهاران فوراً، ما يعني عملياً تفكك المنظومة الأمنية الغربية برمتها.
كوبنهاجن – الحليف المخلص تاريخياً للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية – حاولت احتواء الموقف عبر التأكيد على التزامها بزيادة الإنفاق الدفاعي في القطب الشمالي (تخصيص 4.2 مليار دولار لنشر وحدات عسكرية جديدة ورادارات)، وأبدت انفتاحاً على توسيع دائرة التعاون التجاري مع الشركات الأمريكية لاستغلال ثروات الجزيرة، لكن يبدو أن البيت الأبيض غير معني كثيراً بحلول وسط.
وفيما ينتظر العالم خطوة ترامب التالية، تصبح غرينلاند، الجزيرة الهادئة المتجمدة عند أقصى القطب الشمالي، النقطة الأكثر سخونة على خارطة الجيوبوليتيك الدولي.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-01-08