الحضور والغياب في “وحدة الساحات” والانتخابات الأمريكية!
محمد أبوعريضة
بالتأكيد، قرار اغتيال شخصية بحجم السيد حسن نصر الله، لم يُولَد قبل يومين، ولم تكن فكرة خطرت ببال نتنياهو فجأة وهو يركب الطائرة في رحلة الذهاب إلى نيويورك ليلقى كلمته “الوقحة” أمام من تبقى من مندوبي الدول تحت قبة الهيئة الأممية، ولم يكن خطة رُسِمت معالمها، كما تدعي الإدارة الأمريكية، في أقبية الاستخبارات الصهيونية، ولم يعلم بها “أوستن”، كما أدعى، إلا والطائرات التي تحمل القنابل الارتجاجية الأمريكية تتجه إلى ضاحية المقاومة الجنوبية، ولم يكن قرار الاغتيال بعيدًا عن مراكز صنع القرار في الدول الأوروبية المنخرطة، منذ السابع من تشرين الأول الماضي، في العدوان على شعبنا الفلسطيني في غزة والضفة، بخاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا. بل كل هؤلاء شاركوا في جريمة الضاحية الجنوبية، ناهيك عن بعض الأجهزة في دول عربية بعينها، لكن الأهم أن تكلفة عملية الاغتيال، منذ أول مخبر شارك إلى آخر قذيفة ارتجاجية سقطت على “حارة حريك”، دُفِعت من فائض ثرواتنا في مدن الملح.
لكن لماذا الآن وليس قبل شهرين أو بعد شهر؟
1: قبل أي دورة للانتخابات الأمريكية، اعتاد الحزب الذي يكون في السلطة – الجمهوري أوالديموقراطي -، القيام بخطوة كبرى يكون لها صدى إعلامي واسع النطاق، وتأثير مباشر على جمهور الناخبين قبيل الانتخابات بفترة وجيزة، لإحداث “فرقعة” عظمى على شاكلة الأفلام الهوليودية، لتعديل اتجاهات التصويت لدى الناخب الأمريكي، والفوز في الانتخابات. بإمكان من يرغب في التأكد العودة إلى تاريخ الانتخابات الأمريكية.
2: إذن اغتيال سماحة السيد قرار أمريكي بامتياز، وما كان لنتنياهو وحكومته الغارقة في وحل غزة، والمجتمع الصهيوني المنقسم على ذاته عموديًا، أن يتحمّلوا تبعات مثل هذا القرار وحدهم، فـ”طوفان الأفصى” وما تبع ذلك من تداعيات، أثبتت أن الكيان الصهيوني أداة أمريكية، يستخدمها كما يريد، أو “دمية” أو عروس “مُولِّد”، على رأي الأخوة المصريين، خيطها مربوط بيدي محرك الدمى في واشنطن، وإلا لما احتاج الكيان الصهيوني، إذا كان قادرًا لوحده على المواجهة، كل هذه الأساطيل والذخائر والأسلحة والأموال تأتيه من الغرب المتوحش، ليصمد في مواجهة آلاف المقاتلين في غزة ولبنان.
3: لكن لماذا اغتيال سماحة السيد، وليس أي شخصية أخرى، أو أي عملية عسكرية محدودة، يمكن أن تُحدِّث الدوي الإعلامي المطلوب؟
أنا أعتقد أن كلمة السر تكمن في “وحدة الساحات”، فحزب الله وعلى رأسه سماحة السيد الشهيد خير من جسّد هذا الشعار على أرض الواقع. فالولايات المتحدة والكيان الصهيوني لم يخفيا أهدافهما تجاه غزة منذ اللحظة الأولى، فحكومة الاحتلال حددت أهدافها بعد السابع من تشرين الأول، وبدء عدوانها على غزة بـ:
1: القضاء على حماس.
2: استعادة المخطوفين “الأسرى”.
3: تجهير فلسطينيي غزة.
صحيح أن هذه الأهداف كانت تتغير، والكيان الصهيوني يخفض السقف أحيانًا، وفقًا لواقع المعارك، غير أن تل أبيب لم تغير أهدافها، وإن ناورت سياسيًا لتدوير زوايا أزماتها.
أما أمريكيًا، فأهداف واشنطن كانت واضحة، وأعلنتها الإدارة الأمريكية بشكل واضح في قمة العشرين بالعاصمة الهندية “نيودلهي” بشهر أيلول 2023، أي بعد شهرين من “طوفان الأقصى”، وهو: ممر الهند الاقتصادي، وكما جاء في الاخبار حينذاك: بأن قادة “العالم” كشفوا، خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في أيلول، عن خطط لإنشاء ممر اقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وقد وقّعت السعودية والاتحاد الأوروبي والهند والإمارات العربية المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة مذكّرة تفاهم التزمت بموجبها العمل معًا للمضي قدمًا بالمشروع.
إذن هو ممر اقتصادي من الهند وحتى قطاع غزة ومن ثم إلى أوروبا، وهذا يذكرنا بشركة الهند الشرقية، التي كانت درة القوة الاستعمارية البريطانية على مدى مئتي عام. لكن السؤال: لماذا واشنطن مستعجلة في تنفيذ هذا المشروع، وهو ما يبرر هجميتها وصلفها في التعامل مع العدوان على غزة؟
مشروع الممر الاقتصادي الهندي، محور الحديث، هو نقيض المشروع الصيني “الحزام والطريق”، الذي قطعت بكين شوطًا كبيرًا في تنفيذه، وهي على وشك الإعلان عن انتهائه. إذن واشنطن مستعجلة في تنفيذ الممر الهندي لمواجهة الصين، لكن ينبغي تمهيد السبل لمنع أي معيقات، وغزة جزء من هذه المعيقات، لأن مشروع “نيوم” في السعودية جزء رئيس من هذا الممر، ووجود فلسطينيين غير مُروَّضين في غزة، يهدد سلاسة تحقيق الأهداف. ناهيك عن أن منطقة غزة مهمة، بوصفها ستكون محطة مهمة في الممر الهندي.
طيب، ماذا لو لم يحدث “طوفان الأقصى”، هل كانت الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني سيعدمان الوسيلة لاختراع مبررات وذرائع للعدوان على غزة؟
طبعًا الجواب كلا، فتجربة التلفيق في ملف أسلحة الدمار الشامل في العراق، والعدوان على هذا البلد العربي العظيم، واحتلال عاصمة الرشيد، وتجربة تلفيق الأسلحة الكيماوية في سورية حاضرة في الأذهان، وقبلها وبعدها تلفيقات وتلفيقات، ومن أراد الاستزادة في: كيف تفكر وتخطط واشنطن، ليقرأ كتاب “يوميات القاتل الاقتصادي” لـ “جون بيركنز” وترجمة د. بسام أبو غزالة.
العكس هو الصحيح، فـ”طوفان الأقصى” جاء لمنع تنفيذ أهداف واشنطن، ومن أبرزها التطبيع السعودي الصهيوني، الذي كانت خطواته تسير بسرعة الصاروخ، والمنطقة جاهزة لاستقبال هذه الخطوة “الكارثة”.
في ظل محاولات الاستفراد بغزة، وتنفيذ واشنطن أهدافها، رفع محور المقاومة شعار “وحدة الساحات”، وكان حزب الله بقيادة سماحة السيد الشهيد من جسد هذا الشعار بامتياز منذ يوم الثامن من تشرين الأول 2023. وكانت كلمات الشهيد في آخر خطاب ألقاه واضحة: عودة مستوطني شمال فلسطين إلى مستعمراتهم مقرون بوقف العدوان على غزة.
اغتيال سماحة السيد حسن نصر الله قرار أمريكي بامتياز، لتحقيق أكثر من هدف من الآن عينه، أبرزها فوز الحزب الديموقراطي بالانتخابات المقبلة.
2024-09-30
