الحرب الأوكرانية: الدبلوماسية تراوح مكانها، وكييف قلقة من تراجع أولوية الإمدادات من واشنطن!سعيد محمد
شهدت الحرب في أوكرانيا تطورات متسارعة توحى بدخول الصراع هناك مرحلة جديدة تتسم بتعقيد المواقف الدبلوماسية وتصعيد الأعمال العسكرية، فيما كييف لا تزال تعيش أجواء الصدمة من قرار البنتاغون المفاجئ بوقف إمدادات السلاح إليها.
سعيد محمد*
أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين محادثة هاتفية (الخميس) استمرت لما يقرب من ساعة، تناولت الأوضاع في أوكرانيا وقضايا أخرى مثل إيران، والشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن ترامب أشار إلى أنه أثار مسألة “الإنهاء المبكر للعمل العسكري” في أوكرانيا، إلا أنه صرح لاحقاً بأنه “محبط جداً” لأنه “لم يحقق أي تقدم على الإطلاق” مع بوتين بشأن تسوية تنهي الحرب المستمرة في عامها الرابع. ومن جانبه، أكد يوري أوشاكوف، المستشار في الكرملين، أن الرئيس الروسي كرر خلال المحادثة موقف بلاده بالرغبة بحل تفاوضي، لكنها لن تتراجع عن أهدافها الأصلية في الصراع، والتي تشمل “معالجة الأسباب الجذرية” للحرب – في إشارة إلى توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والدّعم الغربي لكييف -.
على أن الملفت للنظر كان ما جرى عقب المكالمة على الصعيدين العسكري والدبلوماسي على حد سواء. ففي غضون ساعات قليلة من انتهائها، شنت روسيا هجومًا مكثفاً بالطائرات المسيرة على العاصمة الأوكرانية كييف، ما أسفر عن إصابة 20 شخصاً، وتدمير عدة مبانٍ سكنية، ومواقع بنية تحتية للسكك الحديدية واندلاع حرائق في ست أحياء على الأقل. وقد وصف الجيش الأوكراني هذا الهجوم بأنه أحد أكبر الهجمات الجوية التي شنتها روسيا على الإطلاق، حيث تضمنت 550 طائرة مسيرة وصاروخاً، منها سبعة صواريخ باليستية. كما وشنت القوات الروسية هجوماً جوياً على بولتافا بوسط أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 47 آخرين، وتضرر مكتب التجنيد العسكري بالمدينة. وكان الجيش الروسي قد أعلن عن سيطرته على قرية ميلوف في منطقة خاركيف شمال شرق أوكرانيا، ما يفتح جبهة جديدة على خط المواجهة الممتد لأكثر من ألف وثلاثماية كيلوميتر.
وعلى إثر هذا التصعيد طالب وزير الخارجية الأوكراني، أندري سيبيها، بفرض المزيد من العقوبات على موسكو، وطالب حلفاء نظامه بتقديم المزيد من الأسلحة الدفاعية للجيش الأوكراني لتمكينه من التصدي للهجمات الجوية الروسية.
في سياق موازٍ، أكدت وزارة الدفاع الروسية مقتل الجنرال ميخائيل غودكوف، أحد أبرز قيادات البحرية الروسية، في هجوم صاروخي أوكراني على مقر ميداني في منطقة كورسك، وقتل أيضاً مسؤول محلي سابق في إقليم لوهانسك الملتحق بروسيا وذلك بتفجير عبوة ناسفة، في استمرار لسلسلة اغتيالات يعتقد أن جهاز المخابرات الأوكرانية يقوم بها.
تزامنت هذه التطورات الميدانية مع القرار المفاجئ من وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) بوقف بعض شحنات الأسلحة الأمريكية الحيوية إلى الجيش الأوكراني. وبررت الإدارة الأمريكية هذا القرار بإجراء “مراجعة للقدرات” لضمان توافق المساعدات العسكرية الأمريكية مع أولوياتها الدفاعية الخاصة، وسط مخاوف من انخفاض مخزونات الجيش الأمريكي. وقد شملت الشحنات الموقوفة صواريخ لأنظمة الدفاع الجوي باتريوت، التي تعتمد عليها أوكرانيا بشكل كبير لاعتراض الصواريخ الباليستية الروسية والطائرات المسيرة، وبعضها وصل بالفعل إلى القواعد العسكرية الأمريكية في بولندا المجاورة تحضيراً لنقلها عبر الحدود إلى أوكرانيا.
القرار الأمريكي كان له مفعول الصدمة على كييف وحلفائها الأوروبيين الذين يبدو أنهم لم يبلغوا بالقرار الأمريكي مسبقاً. وقد استدعى وزير الخارجية الأوكرانية، جون جينكل، القائم بالأعمال لدى السفارة الأمريكية بكييف وأعرب له عن “استياء أوكرانيا العميق”، وشدد على أهمية المساعدات العسكرية الأمريكية، محذراً من أن “أي تأخير في دعم القدرات الدفاعية الأوكرانية لن يؤدي إلا إلى تشجيع المعتدي الروسي على مواصلة الحرب وأعمال الإرهاب بدلاً من البحث عن السلام”.
وحاولت واشنطن على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية التقليل من أهمية القرار وأعلنت أن التوقف عن شحن الأسلحة “محدود النطاق”، إلا أن كييف تريد الحصول على توضيحات دقيقة حول إمكانية استئناف الشحنات من حيث المبدأ وفي أي إطار زمني. وقد أعرب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من مقر إقامته في مدينة آرهوس بالدنمارك حيث يقوم بزيارة رسمية عن أمله في التحدث مع ترامب “اليوم (أي الجمعة) أو في الأيام التالية” لمناقشة خلفيات قرار البنتاغون. وأكد زيلينسكي في تصريحات له على الأهمية “الحاسمة” لحصول أوكرانيا على صواريخ لأنظمة باتريوت، مشيراً إلى أن حلفاءه الآخرين لا يمكنهم إمداد نظامه بها، وأعرب عن استعداد بلاده لشراء 10 أنظمة باتريوت بقيمة 15 مليار دولار إن تعذر الحصول عليها كمساعدات، مشيراً كذلك إلى عزم بلاده على تصنيع الأسلحة بذاتها من خلال شراكات مع جهات أمريكية وأوروبيّة. وكانت كييف قد وقعت للتو اتفاقاً مع شركة “سويفت بيت” الأمريكية لتصنيع طائرات مسيّرة مضادة للمسيّرات الروسية في أوكرانيا، وتقول إنها ستنتج بالفعل مئات آلاف المسيرات هذا العام وحده، مع إمكان التوسّع بشكل كبير في العام المقبل.
قرار البنتاغون أثار موجة استغراب في أجواء نخبة واشنطن المتعاطفة مع النظام الأوكراني، حيث انتقد مشرعون ودبلوماسيون سابقون البنتاغون لوقفه شحنات الأسلحة التي سبق التعهد بها لأوكرانيا. ويرى البعض أن هذا القرار يعكس تحولاً في أولويات الإدارة الأمريكية، ربما بسبب تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتضاؤل اهتمام ترامب بالصراع الأوكراني الذي لا يرى إمكانية فيه لحصد مكاسب سياسية سريعة، كما أشار خبراء إلى أن الموارد الأمريكية ربما تتجه مرحلياً إلى إسرائيل التي استنفذت جزءاً كبيراً من مخزونات أنظمة دفاعها الجوية في التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية لا سيما وأن الحرب لم تحسم بعد مع إيران رغم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وأيضاً لتعزيز الدفاعات الأمريكية حول قاعدة العيديد في قطر وقواعد أخرى عبر الخليج ما سيؤثر حتماً على إمدادات الأسلحة لأوكرانيا.
ويقر مسؤولون أوكران بأن الدعم الأمريكي قد لا يكون مضموناً على المدى الطويل، ما لم تحدث أمور دراماتيكية تدفع بالرئيس الأمريكي لتغيير نهجه الحالي، فيما تكهن مراقبون بأنه يريد الضغط على كييف كي تقدّم تنازلات تسمح باستئناف جهود التوسط للتوصل إلى تسوية.
– لندن
2025-07-07