الإيمان بالغَيبة ومسؤولية البناء!
رقية الدراجي
إنَّ الإمامَ المهدي المنتظر (عجّل اللهُ فرَجَه) يمثل الامتداد الطبيعي لمسيرة الرسالات الإلهية وخاتم خط الإمامة الذي حفظ الدين من التحريف والانحراف، فالإيمان به ليس قضية مؤجلة إلى زمن الظهور، بل هو ركن أساس في بناء الوعي في زمن الغَيبة، لأنَّه يحول الاعتقاد إلى مسؤولية عملية تضبط السلوك وتوجه الإنسان نحو الالتزام الحقيقي بالقيم.
وعبر هذا الوعي يدرك المؤمن أنَّ علاقته بالإمام (عجّل اللهُ فرَجَه) علاقة التزام يومي، وليست مجرد ارتباط عاطفي عابر على الإطلاق، بل تعكس فهمه العميق للمسؤولية.
فكرة الإمام (عليه السلام) تعيد فهم التاريخ بوصفه مسارًا ينتهي بقيام العدل، لا دائرة مغلقة من الظلم المستمر والمتكرر، فهذا الفهم يمنح المؤمن ثباتًا في مواجهة الأزمات، ويجعله يتعامل مع التحديات بكونها مراحل مؤقتة ضمن مشروع إلهي أكبر، فيواصل أداء واجبه بثقة ووعي دون يأس أو اضطراب، كما يدفعه إلى قراءة الأحداث بميزان المسؤولية لا بميزان الانفعال وردود الفعل السريعة، ليكون عمله متسقًا مع المبادئ.
والارتباط بالإمام (عليه السلام) ارتباط بالمستقبل الموعود، لكنه يبدأ من إصلاح الحاضر بشكل دائم ومستمر، فالمؤمن مطالب بأن ينسجم سلوكه اليومي مع هدف إقامة العدل، فيجعل الصدق والإنصاف وتحمل المسؤولية منهجًا ثابتًا، ويبتعد عن كلِّ ما يناقض القيم التي يؤمن بأنَّها ستتحقق في زمن الظهور، وهذا يفرض عليه مراجعة مستمرة لمواقفه واختياراته في مختلف شؤون حياته العامة والخاصة، مع الحفاظ على الاتزان والوعي الكامل في كلِّ تصرفاته.
في زمن الغَيبة يظهر الامتحان الحقيقي، حيث لا يكفي الادعاء، بل يجب أن ينعكس الإيمان في العبادة والأخلاق وأداء الحقوق بشكل واضح وجلي، فالمنتظر الصادق يعمل على إصلاح نفسه وتقويم سلوكه، ويجتهد في نشر الوعي الصحيح، لأن الغَيبة تعني زيادة المسؤولية لا غياب التكليف الشرعي، فلذلك يكون الالتزام اليومي والانضباط الأخلاقي علامة واضحة على صدق الانتماء للقضية المهدوية، ويعكس استعداده لتحمل المسؤوليات الكبيرة.
فالانتظار الواعي مشاركة عملية في الاستعداد للمرحلة القادمة عبر بناء إنسان ثابت على القيم وقادر على تحمل الأمانة، ومستعد لتحمل تبعات الموقف حين تتطلب الظروف ثباتًا وتضحية ومسؤولية، ويظل وفيًّا لمبادئه طوال حياته.
2026-03-30