الأزمة الفنزويلية….!
اضحوي جفال محمد*
لا يمكن النظر إلى الأزمة الفنزويلية بمعزل عن الظرف التاريخي المحيط بها، وهو التحول العالمي من نظام سابق إلى نظام جديد. المرحلة الفاصلة بين وضع يتقوض وآخر يتشكل تعتبر مرحلة اضطراب مؤقت لأن القوانين السابقة تفقد قوتها والقوانين القادمة لم تصدر بعد، وهكذا تحاول اطراف كثيرة تحسين وضعها الاستراتيجي بإضافة ما تستطيع إضافته إلى نفوذها وفرضه امراً واقعاً ضمن العالم القادم الذي يجري الان إرساؤه على اساس موازين القوى الجديدة. وعادة تكون الساحات المضطربة مغرية للقوى الكبرى بضمها إلى نفوذها قبل استقرار الحال.
ساحات الاضطراب الآن هي الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية، وهي من اهم المناطق وأغناها، ويحتدم عليها الصراع بين المعسكرين اللذين سيشكلان قطبَي العالم الجديد، المعسكر الأمريكي والمعسكر الصيني، ولكل منهما طريقته ووسائله في الصراع.
أمريكا اللاتينية بالغة الخطورة بالنسبة للأمريكان لأنها تقع على حدودهم، بل وداخل حدودهم، فعدد اللاتين داخل الولايات المتحدة %17 وهم في تزايد، ولأنها أمة واحدة إذا توحدت تشكل ندّا للولايات المتحدة، ولأنها تملك ثروات هائلة، فعلى سبيل المثال يوجد في فنزويلا اكبر احتياطي نفطي على وجه الارض. ثم ان هذه الدول وعبر تاريخها معقل للحركات اليسارية المعادية للغرب الرأسمالي.
لهذه الاسباب يحشد ترامب قواه ضد فنزويلا بطريقة مبهمة تتذرع بتهريب المخدرات او تزوير الانتخابات كغطاء للأهداف الحقيقية. هذا التردد عن غزو فنزويلا لا ينبع من احترام للقانون الدولي وانما هناك عقبات اخرى يقع في مقدمتها الوضع الداخلي الأمريكي، لا سيما الوضع القانوني. فالرئيس الأمريكي وفقا للدستور يحتاج موافقة الكونغرس قبل شن الحرب. قد لا يكون لدى الاغلبية من اعضاء الكونغرس رأي مختلف عن رأي ترامب من فنزويلا ووجوب تغيير النظام السياسي فيها، لكن المشكلة تكمن في طريقة طرح الموضوع دستوريا!. تصوّر ان يقدم ترامب طلباً رسمياً للكونغرس يطلب فيه الموافقة على عمل عسكري بري في فنزويلا! وهنا ندخل في ماراثون من السجالات لا تنتهي، فحتى النواب المتحمسون للغزو سيفتحون باباً واسعاً للاسئلة عن حدود العملية وتكاليفها والمبررات المتوفرة لها وما قد يترتب على الغزو من احتمال ظهور مقاومة شعبية طويلة الامد. ويدخل في الحسابات مواقف الدول اللاتينية الأخرى مثل البرازيل المجاورة والتي قالت صراحة انها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرضت فنزويلا لعدوان.
طرح الموضوع بهذه الطريقة ربما يستغرق المدة المتبقية من رئاسة ترامب المحفوفة بالمخاطر والصراعات الحزبية، ثم انه يحفز بلورة جبهة دولية معارضة تشمل بالإضافة إلى الدول الأمريكية اللاتينية كلاً من الصين وروسيا، وقد يمتد إلى الاتحاد الأوربي بتأثير إسبانيا والبرتغال.
لكل ذلك تمارس الادارة الأمريكية ضغوطها في حدود صلاحياتها الدستورية. يستطيع الرئيس القيام بعمليات مخابراتية ضد النظام القائم في فنزويلا وضد شخص مادورو، ويستطيع توجيه ضربات جوية محدودة، ويستطيع التحرش في البحر، إلى جانب الضغوط السياسية والنفسية والإعلامية، فاذا صمدت فنزويلا لكل ذلك يصبح لزاماً عليه الاختيار بين غزو عسكري مع كل ما ينطوي عليه من تعقيدات او إعلان الفشل، والحالتان صعبتان على الولايات المتحدة… اما نحن المراقبون فما علينا إلا الانتظار.
( اضحوي _ 2290 )
2025-12-04