ابن المقفع والحاكم المطلق ( الحلقة – 3)!
علي رهيف الربيعي*
وسوف نقتصر في استشهادنا هنا على ” رسالة الصحابة” لأن ابن المقفع فيها يعبر عن آرائه بوضوح .
يقول ، إن الفوضى تعم القضاء ، ويعود ذلك إلى كونه ، اي القضاء ، لا يستند إلى قانون محدد ومعترف عليه من الجميع، بل يستند إلى رأي القضاة واجتهادهم الذي يغلب عليه القياس ، ويأتي بمثال يبرهن فيه على أن القياس لا يصلح في كل الأحوال هو :
لو انك سألت أحدهم : أتأمرني ان أصدق فلا اكذب ابدا ؟ لكان جوابهم : نعم ، فلو سألت : ما تقول في رجل هارب ، أراد ظالم ان يقتله، فسألني عن مكانه، وأنا اعرفه، أأصدق ام لا ؟ فلو ساروا على قياسهم الذي وضعوه، لأجابوا بالتزام الصدق مع ان المصلحة والعدالة في غير ذلك، إذن تتطلب العدالة في هذا الحال التضحية بالقياس.
ثم يعرض أمامنا هذه الصورة لفوضى القضاة : تستحل دماء وفروج واموال في ناحية من نواحي الكوفة وتحرم في ناحية أخرى من المدينة، والقضاة صنفان : صنف يقول إنه يلتزم النص يغالي في ذلك حتى انه يسفك دما من غير بينة، ويزعم انه السنة . فإذا قيل له : إن ذلك لم يحدث مثله في عهد الرسول ، قال : فعل ذلك عبد الملك بن مروان ، أو أمير من بعض أولئك الأمراء . وصنف آخر يدعي انه من اهل الرأي ، ” يقول في الأمر الجسيم ، من امر المسلمين، قولا لا يوافقه عليه احد ، ثم لا يستوحش لانفراده بذلك ، وإمضائه الحكم عليه ، وهو مقر انه رأي منه لا يحتج بكتاب ولا بسنة “.
والحل، كما يراه ابن المقفع هو : فلو رأى أمير المؤمنين ان يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة، فترفع في كتاب ، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة وقياس، ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك وأمضى في كل قضية رأيه، الذي يلهمه الله، ويعزم عليه وينهى عن القضاء بخلافه، وكتب بذلك كتابا جامعا ، لرجونا ان يجعل الله في هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ ، حكما واحدا صوابا .. ثم يدون ذلك في كتاب ، وتعمل منه نسخ ترسل إلى الأمصار ، ويلزم القضاة بالحكم به، وإذا جد جديد يضاف أو يحتاج إلى تعديل فعلى الخليفة ان ينظر في ذلك ، وهكذا حتى آخر الدهر “.
ثم ينتقل ابن المقفع، في ( رسالة الصحابة)، إلى الحديث عن أمور تبدو غريبة على ذلك العهد ، فهو يتحدث عن الجند، فيقترح ان تكون لهم أعطيات ثابتة ، وفي مواعيد محددة، ويضيف وجوب وضع قانون للجيش يحدد الحقوق والواجبات، وكل ما يتوجب عليهم معرفته، ويطالب بتثقيف الجند ورفع مستواهم العقلي والأخلاقي، ويمنع قادة الجند من جبي الخراج لأن ذلك يفسدهم.
ثم يتحدث عن شعوب الإمبراطورية الإسلامية ويرى ان تزال من ذهن السلطة فكرة الإنتقام من اهل الشام ، وان يصرف الجزء الأكبر من الضرائب التي يتم جمعها من بلاد الشام على تحسين أحوال الناس فيها . وبالنسبة إلى الحجاز ونجد فقد رأى ان لايغادر ما يجمع من ضريبة فيها أرض البلدين لما يعانيه الشعب من شح الموارد.
ثم يطرق مسألة بالغة الحساسية، وهي فساد حاشية الخليفة وبعض قادة الجند، ويقول، دون مواربة ، إن ذلك يعود إلى الخوف الذي يبثه الخليفة في القلوب. ويرى ان هذا الخوف هو الذي يخلق النفاق، فقد سمع بعض أفراد الحاشية وبعض قادة الجند يقولون : لو ان أمير المؤمنين أمرنا ان نستدير القبلة في الصلاة لفعلنا
ويعلق على ذلك بقوله إن العلاقة بين الحاكم وحاشيته يجب أن تحددها نصوص مكتوبة ، وتقاليد معروفة ، لا الخوف أو النفاق.
يتبع..
2025-09-11
