أهمية شهر نيسان عند اليـهود وإرتباطه ببناء الهيـكل!
رنا علوان
التقويم اليهودي
كان التقويم اليهودي يقوم على أساس حركة الأجرام السماوية من شمس وقمر ونجوم. كما كان يتأثر بعوامل أخرى مثل الفصول الزراعية والأعياد الدينية… ففي كيان تم إنشاءه على اساس ديني على ارض الميعاد بحسب زعمهم ، لم يكن للاعتبارات السياسية أهمية كبيرة… وكانت وحدة الزمن في التقويم الأساسي ، هي السنة لأهداف دينية وإن اختلفت طرق قياسها
وكانت أهم الطرق لقياس السنة بالنسبة لحركة الأجرام السماوية ، هي السنة الشمسية والسنة القمرية… وفى السنة الشمسية كانت نقطة البداية هي الاعتدال الربيعي أو الاعتدال الخريفي… وكان عدد أيام السنة الشمسية 365 يومًا، ولعلهم نقلوها عن مصر مع إضافات مناسبة للناموس ، فهكذا كانت السنة المصرية عند الفراعنة ، كما يذكر هيرودوت… وكانت تتكون من اثني عشر شهرًا ، كل منها ثلاثون يومًا، مع إضافة الفرق عند بداية العام
ونجد في سفري اليوبيل وأخنوخ الأول (من أسفار الأبوكريفا) وكذلك في مخطوطات قمران كيفية حساب السنة الشمسية بدقة…
أما في الحساب القمري الأساسي، فقد كانت الوحدة الأساسية هي الشهر الذي يبدأ بظهور الهلال عند غروب الشمس، فكان اليوم الذي يعقب ظهور الهلال هو “رأس الشهر”، وكان يعتبر يوماً مقدساً (عد 10: 10، 28: 11، مز 81: 3، إش 66: 23، هو 2: 11، عاموس 8: 3، كو 2: 16).1
وكان عيد الفصح يقع في منتصف الشهر القمري عندما يكون القمر بدراً (خر 12: 6، لا 23: 5)، وبه كان يبدأ عيد الفطير (لا 23: 6). وكانت السنة القمرية تتكون من اثني عشر شهراً أيضاً، وكان الشهر يتكون من 29 أو 30 يوماً (إذ أن الشهر القمري تسعة وعشرون يومًا ونصف يوم تقريبًا)… فكان مجموع أيام السنة القمرية هو 354 يوماً، أي أنها كانت تقل عن السنة الشمسية بنحو أحد عشر يوماً… لذلك كان يلزم إضافة شهر ثالث عشر بين وقت وآخر لإعادة التوافق بين التقويمين القمري والشمسي… وكان هذا التصويب يختلف من عصر لآخر. ففي العصور المتأخرة من العهد القديم، كان يضاف شهر “اذار الثاني” لسبع سنوات من كل تسع عشرة سنة قمرية، بترتيب معين حتى لا تتسع الشقة بين التقويمين…
وهكذا تداخل التقويمان الشمسي والقمري في حساب الزمن عند الإسرائيليين، فالإشارة إلى الأعياد تمثل السنة الشمسية التي ترتبط بالاعتدالين المناسبة لثبات مواسم الزراعة، بينما نجد أن الشهور نفسها قمرية… وهكذا كان التقويم العبري تقويمًا شمسيًا قمريًا …فكانت الشهور تحسب على أساس دورة القمر، على أن يصوب التقويم في فترات محددة ليتمشى مع السنة الشمسية… ويبدو أن العبرانيين أخذوا أسماء الشهور في البداية من أجدادهم
شهر نيسان
يُعتبر شهر نيسان أحد أهم الأشهر في التقويم العبري ، حيث يمثل بداية السنة الدينية وعيد الفصح (بيسح) الذي يخلد خروج بني إسرائيل من مصر والعبور إلى الحرية… وهو شهر الربيع والتحرر ، لذلك يشهد طقوسًا دينية هامة كالبقرة الحمراء ، بالإضافة إلى ذكرى المذبـحة النازيـة (يوم هاشـوا)، مما يجعله مزيجًا بين الذكريات التاريخية والدينية…
أهمية شهر نيسان [أبيب] لليهود :
فيه يحتفلون بعيد الفصح (بيسح): يتم الاحتفال به في منتصف الشهر (15 نيسان) تخليدًا لذكرى خروج بني إسرائيل من مصر العبودية، ويستمر لسبعة أو ثمانية أيام…
هو بداية السنة [الدينية] : فشهر نيسان أول أشهر السنة العبرية (في التوراة)، بينما يُحتفل برأس السنة المدنية في “تشري”
عيد الربيع: يقع نيسان في فصل الربيع، ويرتبط ببداية الموسم الزراعي والنضوج…
طقوس البقرة الحمراء: تشير المعتقدات اليهودية إلى أن طقوس التطهر من نجاسـ.ـة المـوتى، والتي يربطها المتطـرفون بدخول الأقصى، تتم في الثاني من نيسان…
ذكرى الهولوكـ.ـوست (يوم هاشـوا): يتم إحياء ذكرى المذبحـة النازيـة في 27 نيسان
يوم هاعاليا: يتم الاحتفال به في 10 نيسان لإحياء ذكرى دخول أرض الميعاد “‘إسرائيل”‘ ، وفقًا لمعتقداتهم
– تسع بقرات والبقرة العاشرة التي تم ربطها بمعركة هرمجدون
على مدى التاريخ ، استطاع اليهود -كما تذكر مصادرهم- التضحية بـ9 بقرات فقط
البقرة الأولى: أعدها النبي موسى عليه السلام، وكان ذلك في الشهر الأول للعام الأربعين من التيه، وهو ما يوافق حوالي سنة 1455 قبل الميلاد… وقد قام بالطقوس نائب رئيس الكهنة “إليعازر”…
البقرة الثانية: أعدها عزرا عام 515 قبل الميلاد…
البقرة الثالثة والرابعة: أعدهما سمعان العادل عام 275 قبل الميلاد…
البقرة الخامسة والسادسة: أعدهما الكاهن الأعظم لبني إسرائيل، يوحانان عام 200 قبل الميلاد…
البقرة السابعة: أعدها اليوعيني بن قيافا عام 70 قبل الميلاد…
البقرة الثامنة: أعدها حننمل المصري عام 37 قبل الميلاد…
البقرة التاسعة: أعدها إسماعيل بن فابوس عام 59 ميلادي…
وقد ذُبحـت البقرة الأولى في “برية قادش” التي تقع في “برية صين” بوادي عربة، بين خليج العقبة والبحر الميت، وتم حرقها كاملة، بما في ذلك، اللحم والعظم والجلد والـ.ـدم والفرث -كما جاء في التعاليم- وتطهر بها اليهـود، واحتفظوا بالرماد بعد ذلك، حتى أثناء السبـي البابلي، وذلك للاستعانة به في التَّطهر، إلى أن تم ذبـح البقرة الثانية بعد نحو 940 سنة…
أما البقرات الثماني الأُخريات، فقد ذُبحن جميعًا وأقيمت طقوس كل واحدة في موضع مختلف من جبل الزيتون، بعد بناء الهيكل الثاني، في عهد الإمبراطور الفارسي “داريوس الأول”، وكان يتم حـرق البقرة في حفرة حجرية طولها 3 أمتار وعرضها 3 أمتار، وتضم 6 كُوَّات حجرية لحفظ الأواني التي جُمع فيها الرماد، وكان الكاهن المكلف يقف أعلى الحفرة على منصة كبيرة لينثر بعضًا من دمـاء البقرة بعد الذبـح نحو باب الهيكل…
وقد حُفظ رمـاد البقرة الأولى في مكان طاهر خارج المحلة، أما رماد البقرات الثماني بعدها فقد وضع في أوان من الحجر، ثم حفظ رمـاد كل بقرة في موضع مختلف عن غيرها، في حفر في الحجر بجبل الزيتون…
البقرة العاشرة
لم يتمكن اليهود من الحصول على “البقرة الحمراء العاشرة” والتطهر بها منذ ما يقارب 2000 عام، فقد كان الحصول على المواصفات المخصوصة في البقرة الحمراء دومًا أمرًا غاية في الصعوبة… وفضلًا عن ذلك، فقد هُـ.ـدم الهيكل الثاني عام 70 ميلادي، وطُرد اليهـود من الأرض المقدسة، وتشتتوا في البلاد…
وللبقرة العاشرة أهمية خاصة عند اليهـود، إذ تشكل دورًا محوريًا في مخطط بناء “الهيكل الثالث”، فهم يعتقدون أنهم “شعب تنجـس” منذ عشرات القرون، وليس لهم خلاص إلا بالتَّطهر برمـاد البقرة الحمراء، ليتمكنوا من “الصعود إلى جبل المعبد”، أي دخول المسجد الأقصى، تمهيدًا لهـدمه وبناء “هيكل سليمان” على أنقاضـه… لذلك تم ربطها بالمعركـة الأخيرة وهي هرمجـدون الذي كثُر الحديث عنها مؤخرًا ، كما يُعد طقس التطهير برمـاد البقرة العاشرة، إشارة لاندلاعها ، وهي التي يعتقد اليهـود أنها مقدمة لظهور المسيح المخلّـص، وتحقق خلاص اليـهود قبل حلول لعـنة العقد الثامن …
البحث عن البقرة
بدأ بحث اليهـود عن البقرة الحمراء، لإقامة طقوس التَّـطهر، منذ قيام كيان الاحتـ.ـلال في أرض فلسطين عام 1948، وعندئذ يتمكنون من دخول المسجد الأقصى، المحـ.ـرّم عليهم وفق فتوى الحاخامية الكبرى لليهـود، إلى حين تطهرهم من نجاسـات المـوتى…
ويدين بالفتوى أكثر من 1.25 مليون نسمة من أفراد تيار الحريـديم المتـدين، ويشكلون حوالي 13% من سكان إسـرائيل، وهم بانتظار تنفيذ طقـس البقرة العاشرة لاقتحـام المسجد الأقصى…
في عام 1996 ولدت بقرة حمراء في مزرعة في “كفار حسيديم”، بالقرب من يافا، وقد وضعت تحت مراقبة الحـاخامات، وبعد سنة فقدت صلاحيتها لإقامة الطقوس، فقد ظهرت شعرات بيضاء على ذيلها
وفي عام 2022، حصل الكهنة في كيان الاحتـلال الغاصـب على 5 بقرات حُمر ، أُعلن أنها تتمتع بالشروط التي تؤهلها لطقـوس “البقرة العاشرة”، ومع دخول البقرات عامها الثالث، مطلع سنة 2024، باشرت المنظمات اليهوديًة بالتعاون مع سلطات العـ.ـدو الإسرائيلـي الاستعدادات للطقوس، التي يجب تنفيذها -بحسب المعتقدات اليهودية- في اليوم الثاني من شهر نيسان وفق التقويم العبري، والذي كان يوافق 10 أبريل/نيسان بالتقويم الميلادي آنذاك
وبالرغم من أن الجماعات الدينية اليهودية المتطـ.ـرفة عقدت مؤتمرًا في مستوطنة “شيلو القديمة”، شارك فيه نحو 100 من الحاخامات من مختلف التيارات الدينية، بهدف مناقشة التحضيرات اللازمة لذبـح البقرة الحمراء وحرقـها… وشارك في المؤتمر “إدارة جبل الهيكل” ووزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، وقسم الثقافة اليـهودية في وزارة الاستيطان والبنية التحتية الوطنية… الا انها لم تتم ، وبحسب زعم البعض فإن ذلك يعود لضرورة تزامن احداث سياسية ودينية تسمح بهـدم المسجد وبناء الهيكل
كما نشر “معهد المعبد” إعلانًا آنذاك يطلب فيه كهنة متطوعين لتدريبهم على طقوس الذبـح والحـرق والتطهير، واشترط في المتطوع أن يكون مولودًا في منزل أو مستشفى في القدس، احترازًا من تدنسه بنجاسـة الموتـى
الجذور الدينية
تُعتبر طقوس التطهر برمـاد البقرة الحمراء، من الفرائض الدينية التي يحتفي بها اليهود، ويولونها أهمية بالغة، وكذلك تُعد من المعتقدات الدينية التي يعتنقها البروتسـتانت والمسيـحية الأصولية التي تستند إلى تعاليم “العهد القديم”، وتؤمن بعودة المسيح إلى الأرض…
وفَرْض شعيرة التطهـر يرجع إلى العهد القديم، إذ تذكر نصوص “الإصحاح الـ19” من “سفر العدد”، أحد الأسفار المنسوبة إلى النبي موسى عليه السلام، أن الرب أمر النبي موسى بالبحث عن بقرة حمراء خالص لونها، للتطهر من نجاسـة الموتى… كما جاء ذكرها في قسم “المشناة” من “التلمود”، والذي هو عبارة عن شروح الحـاخامات على التـوراة، ويعد أحد أهم المصادر الدينية عند اليـهود…
وتتلخص فكرة ذلك المعتقد في أن على اليـهود فرض التطهر برمـاد بقرة حمراء خالص لونها، من نجاسـات الموتـى، التي لها أشكال، فمنها: ملامسة جسد الميـت، أو الوُجود معه في مكان واحد، أو المرور بجنـازة، أو مس أحد القبـور، أو السير فوقه، أو لمس عظم ميـت
ومن لم يتطهر من النجاسـة يظل نجسـًا طوال حياته، وينقل النجاسـة إلى الأشخاص والأشياء التي يلمسها، وأما من لمس إنسانا قد تنجـس بالمـوتى أو لامس حيوانًا نجسـًا، فيبقى نجسـًا حتى المساء
الشروط الواجب توفرها في البقرة
يجب أن تتوفر مجموعة من الشروط في البقرة، لتصبح صالحة للذبـح والتَّطهـر بها، فإذا انتفى أحدها، تصبح البقرة غير صالحة لهذه الطقوس، وهذه الشروط هي:
أن يكون شعرها أحمر خالصًا، لا يشوبه أي لون آخر حتى لو كان شعرتين، فإن داخل لونها شعرتين من لون آخر، أصبحت غير صالحة للتَّطهر…
أن تكون قرونها وحوافرها ورموشها حمراء…
لم تسخر لأي نوع من العمل، ولم يوضع في رقبتها حبل، ولم يمتط ظهرها أو يتكئ عليها أحد، ولم تحمل على ظهرها وزنًا، ولم يصعد على ظهرها حيوان ذكر، وتستثنى من ذلك الطيور…
أن تكون خالية من العيوب والأمراض والتشوهات…
أن تُربى في أرض فلسطين التاريخية” إسرائيل”…
ألا تكون خضعت للتزاوج قط…
أن تكون قد دخلت عامها الثالث عند الذبـح، وذلك بحسب الرأي الأكثر اتباعًا…
وتوفر هذه الشروط لم يكن بالأمر الهين ، فلطالما كلف الحصول على البقرة الحمراء اليهـود أموالا طائلة، وبحسب معتقدهم ، فإن بقرة واحدة تكفي لتطهير الشعب اليهـودي كله، ويمكن كذلك الاحتفاظ برمادها لغرض التطهر به لسنوات طويلة…
طقوس ذبـح البقرة الحمراء
يقوم الطقس على ذبـ.ـح بقرة حمراء وحرقها، ويضاف أثناء الحرق خشب الأرز ونبات الزوفا وصوف مصبوغ باللون القرمزي الداكن، ثم يُجمع الرمـاد ويُدق، ويُوضع في إناء فيه ماء نقي، ويرش به الشخص المراد إزالة نجاستـه، في عملية تستمر 7 أيام، حتى تزول عنه النجاسـة، ويرش الإنسان المتنـجس بالماء في اليوم الثالث، ولا يصبح التَّطهـر مقبولًا حتى يرش في اليوم السابع…
ويشرف على الطقس نائب رئيس الكهنة تحديدا، إذ جاء في التعاليم اليـهودية، أن الرب كلف أليعازر بالمهمة في البقرة الأولى، ولم يكلف رئيس الكهنة هارون… ويستعد الكاهن المكلف مدة 7 أيام، فيقيم في غرفة حجرية في الهيكل -حيث يعتقدون أن الحجر لا يتأثر بالدنـس- وفي هذه الفترة، يجب ألا يأكل أو يشرب إلا بآنية حجرية، ولا يمس شخصا أو شيئا ينجســه…
ويشترط عند الذبح حضور جماعة من الحكماء وجمهور من بني إسرائيل، لا سيما الرجال، وكل من يحضر من الكهنة وغيرهم، عليه أن يستعد للمناسبة عن طريق التعميد بالمياه الطاهرة، ويُرَش الكاهن المكلف بالطقوس بمياه مخلوطة برمـ.ـاد البقرة السابقة…
وتـذبح البقرة على مرأى من الكاهن المكلف، ثم ينثر دمـاءها باتجاه الهيكل 7 مرات، ولا يشارك بالـذبح ولا بالحـرق ولا بجمع الرمـاد ولا برش الماء، بل يقوم بكل واحدة من المهام رجل آخر طاهر…
[فهل سنشهد هذه الطـقوس خلال أيام ؟!؟]
2026-03-19