أزمة الدولة والوطن والمواطنة والطائفة!
بقلم : خالد صالح عطية
لم يكن السابع من أكتوبر 2023 مجرد عملية عسكرية فلسطينية استثنائية، بل بدا أشبه بحدث تأسيسي يهزّ يقيننا السياسي، ويكشف عمق الاختلال في مفاهيم الدولة والوطن والمواطنة والهويات في التجربة العربية الحديثة. لحظةٌ فرضت على الجميع أن يتأملوا في ما كنا نظنه مسلّمات: أين هي الدولة؟ وما الذي تبقى من فكرة الوطن؟ وكيف اختُزل المواطن إلى تابع؟ وكيف غدت الطائفة سلطة تعلو على الدولة والمجتمع معًا؟
الحدث فجّر ما كان مكبوتًا لعقود: هشاشة الدولة العربية، زيف المواطنة، غربة الوطن، وانبعاث العصبيات ما قبل الوطنية كآليات للنجاة في نظام سياسي مأزوم. وجدنا أنفسنا أمام أسئلة جوهرية، لم يعد ممكناً تجاهلها: لماذا تتهاوى الدولة مع سقوط النظام؟ لماذا تستحيل الطائفة ملاذًا وعبئًا في الوقت نفسه؟ لماذا يشعر المواطن بالغربة داخل وطنه؟
في التجربة العربية الحديثة، لم تتجسد الدولة باعتبارها كيانًا مؤسسيًا ينبثق عن عقد اجتماعي ومواطنين أحرار، بل كانت في كثير من الحالات مجرّد جهاز تسلطي ورثته النخب المحلية عن الاستعمار وألبسته قشرة سيادة شكلية. لذلك بدا انهيار النظام في أكثر من حالة عربية وكأنه نهاية الدولة ذاتها: في سوريا ذاب مفهوم الدولة في شخص النظام، وفي العراق تفككت الدولة لأن سلطتها كانت تقوم على قمع مركزي بدل أن ترتكز على مواطنة جامعة، وفي ليبيا انكشفت هشاشة المؤسسات لحظة زوال الديكتاتور.
هذا الالتباس البنيوي بين الدولة والنظام جعل فكرة الدولة في الوعي الجمعي العربي مشوشة، ودفع الناس إلى الارتماء في أحضان الهويات الصغرى، وفي طليعتها الطائفة. الطائفة التي كان يمكن أن تعبر عن تنوع اجتماعي وثقافي طبيعي، تحولت في هذه البنية إلى هوية قاتلة، تستحضر العصبية بدل الانتماء الوطني، وتستبدل الدولة بمنظومات زبائنية طائفية.
ليست الطائفية فقط انعكاسًا لثقافة مجتمعية مشوهة، بل أيضًا صناعة سياسية متعمدة: الأنظمة رسختها كأداة سيطرة، والهيمنة الخارجية استثمرت فيها كآلية تفكيك. هكذا، صار المواطن رهينة بين أجهزة الدولة القمعية والطائفة التي تحميه منها، فلم يعد فاعلًا حرًا مشاركًا في تقرير مصيره، بل زبونًا أو تابعًا أو حتى لاجئًا دائمًا خارج المعادلة.
الوطن، بوصفه المجال الجامع للحرية والعدالة والمساواة، ضاق إلى مجرد رقعة جغرافية يديرها أمنيون، ولم يعد المواطن يرى فيه أكثر من حصة طائفية أو وظيفة بيروقراطية. الوطن غائب، والمواطن مهمش، والطائفة مستبدة.
على هذه الخلفية، تأتي فلسطين كمرآة كاشفة لا كعبء. الحدث الأخير في غزة ذكّر بأن تراجع حضور القضية الفلسطينية في الوعي العربي ليس نتيجة تسويات عادلة، بل انعكاس لتشوه بنية الدولة والمجتمع في العالم العربي. حين يغيب الوطن كمعنى، والمواطن كفاعل، والدولة كعقد جامع، والطائفة كجزء لا كل، تصبح فلسطين مجرد شعار أو مناسبة موسمية بدل أن تكون بوصلة أخلاقية ووجودية.
المسؤولية هنا لا تقع على الأنظمة والنخب وحدها، وإن كان لهما النصيب الأكبر، بل هي أيضًا أزمة وعي مجتمعي ارتضى الزبائنية والطائفية كبدائل عن المواطنة. أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من القاعدة إلى القمة: إعادة بناء المؤسسات لا الأشخاص، تفكيك الطائفية كمنظومة سياسية، استعادة فكرة الوطن كمساحة جامعة، وتحويل المواطن إلى فاعل لا تابع.
الطوفان لم يأتِ بالإجابات، لكنه أعاد طرح الأسئلة بحدة. وإذا كانت النخب جديرة بدورها، فعليها أن تخرج من مواقفها الدفاعية، وتباشر نقدًا جذريًا لهذه المفاهيم، في أفق تحرري حقيقي. المعركة ليست فقط مع العدو الخارجي، بل مع بنية وعينا المشروط بالطغيان والطائفة.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل نحن مستعدون لمواجهة هذا الواقع بجرأة، وبناء معنى جديد للدولة والوطن والمواطنة؟
2025-07-19
