اللغة والفكر والثقافة وتجليات جنيف

 

د. عمر ظاهر

 

عبارة "صراع الحضارات" ستكون غليظة، وفيها الكثير من الفظاظة إن نحن استخدمناها لوصف ما جرى ويجري في جنيف بين وفد الجمهورية العربية السورية من جهة وبين وفود الدول الراعية للإرهاب وممثلي قطعان الإرهاب أنفسهم من جهة أخرى، فإذا اعتبرنا وليد المعلم ممثلا لحضارة سورية التي تمتد جذورها سبعة آلاف سنة في عمق التاريخ، هذبت خلالها أخلاق وسلوك عشرات الفاتحين، وعلمتهم الفنون، وأكسبتهم الأدب والعلم، ومنحتهم فرصا ذهبية لإقامة الحضارات، فأية حضارة يمثلها سعود الفيصل؟ لا مجال للنقاش فحتى حين أتيحت للجزيرة العربية فرصة لإنشاء حضارة بفضل الإسلام اختار المسلمون الأوائل الشام عاصمة لهم، ولم يختاروا مكة، أو المدينة، أو الطائف، فبمجرد أن وصلت رائحة الحضارة إلى أنوفهم عرفوا أن مكانها الشام، ثم اختار من جاء من بعدهم بغداد، واختار غيرهم الأندلس، وبقيت الجزيرة العربية (حاشى قبر رسول الله محمد بن عبدالله وأهل بيته الطاهرين وصحبه الكرام) مجرد مراع للأباعر والتيوس، يأكل الناس فيها قوت يومهم بفضل دعاء النبي العراقي إبراهيم، والقصة معروفة.

 

وربما تكون عبارة "صراع الثقافات" أكثر دقة لوصف الحالة، فهناك على مسرح الصراع في جنيف من يمثل القتل والاغتصاب وجهاد النكاح، ألا وهو سعود الفيصل، وهناك من يمثل خيانة الوطن، الخادم الذليل الجربا، وهناك من يمثل الدولة السورية بثقافة الحرص على وحدة شعب سورية، ووحدة تراب سورية، وليد المعلم. وكل هذه، أي القتل والاغتصاب وجهاد النكاح، وخيانة الوطن، وكذلك حب الوطن أنماط ثقافية مختلفة، وهنا فهي في صراع مرير.

 

نتحدث هذه الأيام كثيرا عن الثقافة والمثقفين، وهذه، في الحقيقة، بشرى سارة للعرب، فنحن بحاجة ماسة إلى إشباع موضوع الثقافة بحثا ونقاشا، فقد وضعنا أصبعنا على مكان موجع في وجودنا، خاصة أن رائد تطوير الثقافة العربية نارام سرجون قد أطلق ما يمكن أن نسميه ثورة القرن العربي حين تحدث عن مشروع مارشال الثقافي. نارام سرجون عودنا أن نراه في المقدمة، في الصف الأمامي في الهجوم وفي الدفاع، وها هو، كما قلت لأحد أصدقائي، يضع الكلمات في أفواهنا، بينما نحن ما نزال مشغولين بالبحث عنها لنضعها على رؤوس الأفكار. نحن لا ننتظر مشروع مارشال الثقافي من سورية بعد النصر المؤزر وحسب، بل نتطلع إلى أن نرى الشام وقد أصبحت قبلة من في رؤوسهم عقول.

 

في عالم الغرب الذي سبقنا بقرون في الحديث عن الثقافة والبحث فيها، يقولون إن عبارة "ثقافة" (culture) شائكة في معانيها، فلا تكاد تستطيع أن تعطيها تعريفا وافيا، وربما تكون عبارة "طبيعة" (nature) هي الوحيدة التي تفوقها في تعقيدها. حقا، ما هي الثقافة، وما هي الطبيعة؟

 

نحن لا نرتضي بهذا التعقيد والتعجيز، ويمكننا أن نعرّف الثقافة في خطوطها العريضة بأنها مفهوم تتداخل فيه الطبيعة بكل سعتها، والمجتمع بكل مؤسساته، والنفس البشرية بفجورها وتقواها في تشابك دقيق يجدل كل المكونات قي ثلاثة عناصر تشكل بدورها كلا واحدا لا يمكن أن نجزئه. وهذه العناصر الثلاثة هي: أولا) فهم الإنسان للعالم من حوله، وثانيا) تحديد علاقته بهذا العالم من حوله على ضوء فهمه إياه، وثالثا) التعامل مع العالم من حوله على ضوء فهمه، وتحديد علاقته به. وبهذا تكون ثقافتنا في آخر المطاف هي طريقة تعاملنا مع العالم المحيط بنا انطلاقا من فهم معين له، ومن تحديد علاقتنا به، وهنا لا تبقى علاقة إنسانية، ولا سلوك إنساني، ولا معتقد، أو دين إلا ويدخل في نطاق الثقافة، فكل ما يفعله الإنسان سواء كان الأمر متعلقا بالزواج، أو تربية الأطفال، أو التعامل مع الجيران، أو مع الخصوم السياسيين، أو مع أتباع الديانات الأخرى، كلها سلوكات لها خلفية في فهمه للعالم المحيط به، وعلاقته به. فالشخص الذي يلجأ إلى الشرطة والمحاكم عندما يواجه مشكلة مع إنسان آخر في المجتمع يفعل ذلك انطلاقا من تقديره بأنه يعيش في مجتمع يسود فيه القانون، وأنه تحت حماية قوانين ذلك المجتمع والدولة، بينما في غياب الدولة ومؤسساتها فإن الشخص يلجأ، في حالة مواجهة مشكلة، إلى عشيرته، ويمشي في الشوارع وهو مسلح، ويحتفظ في بيته بسلاح لأنه يرى العالم عدوانيا، ويرى علاقته وثيقة بالعشيرة وليس بالدولة، ويرى السلاح ضرورة لا بد منها.

 

وبطبيعة الحال فإن هذا التشخيص لعناصر الثقافة الثلاثة يطرح سؤالا منطقيا عن العنصر الأول، أي فهم العالم من حولنا. كيف يفهم الإنسان العالم المحيط به، أو كيف يعي هذا العالم؟ يمكن في هذا أن نتطرق إلى نظريات عديدة منها أن الإنسان يفهم الأشياء، أو يعيها بالفطرة، ومنها أن الإنسان يفهم العالم من حوله عن طريق التجربة، الفردية أو التاريخية، وغير ذلك، ولكن على مستوى علمي رفيع أخبرتنا نظرية المادية الديالكتيكية أن وعي الإنسان هو انعكاس للعالم من حوله، فهناك عالم موجود خارج وعينا، ووعينا، أو فهمنا، لهذا العالم هو انعكاس للعالم الخارجي. ودون أن ندخل في سجالات فلسفية يمكن أن نقول ببساطة إن هذه النظرة تتطابق مع الاعتقاد بالفهم بالفطرة، لكن المادية الديالكتيكية كشفت لنا على أية حال، مشكورة، نصف الحقيقة، فالعالم المحيط بنا موجود خارج وعينا، ولا يمكن لأي إنسان، إلا إذا كان سعود الفيصل، أن يدعي أن العالم من حولنا هو انعكاس لوعينا نحن. سعود الفيصل وحده يمكن أن يتخيل الجربا رئيسا لسورية ويخاطبه بـ"فخامة الرئيس" في جنيف، متخيلا أن العالم يعمل على طريقة "افتح يا سمسم".

 

وحين نقول إن المادية كشفت لنا نصف الحقيقة، فلأنها تجاهلت أمرين مهمين، هما أولا) أن ظواهر العالم المحيط بنا تتكون على الأقل من طبقتين، إحداهما هي "الواقع" أو الظاهر الذي ينعكس في وعينا، والأخرى هي "الحقيقة" أو ما تختفي وراء الظواهر والتي ينبغي لوعينا أن يجهد ويكتشفها بنفسه. الواقع والحقيقة ليستا الشيء نفسه، وليستا متطابقتين، بل إن الحقيقة تختفي في أغلب الأحيان وراء الواقع، فمثلا كان وعي الإنسان على مدى آلاف السنين يعكس الواقع الذي يتبدى له في أن الشمس تغيب وتشرق وكأنها تدور حول الأرض، بينما الحقيقة كانت غير ذلك، فالشمس ثابتة بالنسبة إلينا، والأرض هي التي تدور أمامها. الأمر الآخر هو أن المادية الديالكتيكية تحدثت عن وعي مثالي سليم، كجهاز لاقط حساس (أو عالي التنظيم) مزروع في رأس كل إنسان، بينما هذه ليست الحال، فهناك فئات من البشر لا ينعكس الواقع في وعيهم على الإطلاق، خاصة الواقع الاجتماعي والسياسي، بل هم يعيشون، لأسباب مرضية خلقية أو اجتماعية، حالة خدر، وكسل في الرأس تنقطع فيها علاقتهم بالواقع، وإن هم أفاقوا من الخدر، ونظروا إلى العالم من حولهم أسقطوا عليه رغباتهم، وأحلامهم، وتخيلاتهم، وكمثال ساطع على ذلك سعود الفيصل الذي يبدو جليا أنه يعيش حالة غياب كامل للوعي، وذكّرنا في كلمته في جنيف بقصة ذلك السكران الذي رآه الناس واقفا في مجرى بالوعة عاريا وقد وضع ملابسه فوق رأسه، فسألوه ما به، فقال إنه يريد أن يعبر النهر، ويخشى على ملابسه من البلل.

 

غالبا ما يكون الفارق بين العالِم وغير العالم أن غير العالم يفهم، أو يعي، الواقع فقط، بينما العالِم لا يكتفي بوعي الواقع بل يبحث عن الحقيقة أيضا حتى يدركها. وبهذا نرى أن سعود الفيصل لا ينتمي لا إلى فصيلة العالِم، ولا إلى فصيلة غير العالِم، لأن وعيه لا ينعكس فيه الواقع أصلا، فكيف يمكن أن يبحث عن الحقيقة ليدركها، فهو يرى الجربا رئيسا لسورية، ويخاطبه في مؤتمر دولي بعبارة "فخامة الرئيس"، شأنه شأن ذلك السكران الذي حسب مجرى البالوعة نهرا.

 

وغير المادية الديالكتيكية جاءت موجة من النظريات حول فهم الإنسان للعالم من حوله، ركزت جميعها على دور اللغة في تشكيل هذا الفهم، ووصل الأمر ببعض النظريات إلى تصوير وعينا للعالم من حولنا باعتباره تركيبات لغوية، فخارج وعينا عالم موضوعي لكنه غير قابل للفهم، وكل ما نفعله هو أننا نعرّف ظواهره عن طريق تركيبات لغوية،ونتصرف على أساس ما نتفق عليه من معنى في تلك التراكيب اللغوية، وبهذا فإن أي شيء خارج وعينا يمكن أن نفهمه بطرق مختلفة حسب ما نستخدم من مفردات لغوية وتركيبات قواعدية لوصف ذلك الشيء، خاصة في المجالات الاجتماعية، والسياسية، فمثلا عبارة مثل "غسل العار" عند قتل فتاة اغتصبها أحدهم، عبارة عن تركيبة لغوية تغطي على واقع تم فيه قتل إنسانة تعرضت للعدوان من رجل (بدلا من تقديم المساعدة النفسية لها لتتغلب على ما لحق بها من أذى)، كذلك هناك شخص اعتدى على حرمة جسد إنسانة وتسبب في قتلها، ولم ينل إلا عقابا بسيطا، وهناك قاتل سفاح يمشي بين الناس مرفوع الرأس لأنه غسل عاره، وهناك من يحترم هذا القاتل لأنه غسل عاره وحافظ على شرفه. هنا يصبح قتل الضحية ومكافأة القاتل أمرا مشروعا بين من تتحكم في عقولهم هذه التركيبة اللغوية، بينما يمكن فهم هذا الواقع بطريقة أخرى بتراكيب لغوية أخرى. كذلك الحال مع تراكيب لغوية من قبيل "الثورة السورية" التي يطلقها بعض الذين يعانون من خلل لغوي على ما يرتكبه أمثال سعود الفيصل من الوهابين من قتل وذبح واغتصاب في سورية، وعلى خيانة الوطن والعبودية لسعود الفيصل كما يفعل الجربا.

 

وفي السياسة يتلاعب البعض عمدا بالواقع عن طريق التراكيب اللغوية، فكلمة "فوضى"، مثلا، سلبية في معناها لأنها تشير إلى انعدام النظام، ويمكن أن تخيف الناس العاديين، بينما عبارة "فوضى خلاقة" يراد منها أن تجعل المرء يتفاءل، ويشعر بالأمل بأن حالا أفضل ستنتج عن هذه الفوضى. ولا نعتقد أن سعود الفيصل ينتمي إلى فصيلة المتلاعبين بالتراكيب اللغوية لخلق شعور مختلف لدى المستمعين إليه، فهو مقطوع الصلة حتى بالواقع، فلا يعرفه حتى يحاول خلق غيره، ويعيش رأسه حالة خدر أزلي أبدي. إنه ينتمي إلى الفصيلة التي قال عنها القرآن الكريم {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ}. والكل يعرف أن جربا لن يتعامل معه أحد كرئيس قادم لسورية حتى وإن استخدم سعود الفيصل كل التراكيب اللغوية التي تعلمها في مدح البعير، فقد جرى من قبل فرش البساط الأحمر لبروفيسور السوربون برهان غليون، ثم رمي به جانبا كأنه عقب سيجارة، ثم لفه النسيان. وهذا ينطبق على صاحب سعود الفيصل، الأجرب، أيضا لأن عبارة "فخامة الرئيس" أطربته وكأنها انعكاس للواقع في وعي سعود الفيصل الخدران، وإلا فكيف يسمح الإنسان لنفسه بالسكوت عندما يناديه أحد بما ليس هو؟ هل لأنه لا يفهم اللغة التي يسمعها؟ إذن، عليه أن يقبل أيضا أن يناديه الناس "أحمد الأجرب" بدلا من "أحمد الجربا" حتى إن لم يكن مصابا بالجرب.

 

وبالمناسبة، فالإنسان يمكن أن يتدخل بقوته ومقدراته ليغير واقعا ويخلق واقعا آخر، لكنه، إن كان له حس سليم، لن يتحدث عن الواقع الآتي قبل أن يأتي، فمثلا كان من ضمن خطط الأمريكان قبل غزو أفغانستان تعيين حامد كرزاي رئيسا لأفغانستان، وكانوا مصممين على ذلك، وواثقين من أنهم سيفعلون ذلك، لكنهم لم يخاطبوه بعبارة "فخامة الرئيس" إلا بعد أن أصبح رئيسا. الناس العاديون لا يلقون الكلام على عواهنه، وإلا سيجعلون من أنفسهم أضحوكة للآخرين. ولكن كيف يمكن أن يعي سعود الفيصل أنه في وعي الآخرين يشكل أضحوكة زمانه إذا كانت صورة الجربا تنعكس في وعييه هو كرئيس لسورية؟ ولو افترضنا جدلا أن تعيين رئيس جديد لسورية أصبح بقدرة قادر يحصل بقرار من آل سعود، أفلا يكون من المنطقي أن ينتظر سعود الفيصل، إن كان له وعي بالواقع، أن يدخل الجربا القصر الرئاسي في الشام أولا فيخاطبه بـ "فخامة الرئيس"؟ ولكن أي منطق نسأل عنه بعيرا؟ ثم أي إنسان هذا (والإشارة هنا إلى الأجرب جربا) الذي يتقبل (بلا كرامة) أن يجري تعيين رؤساء سورية من الرياض؟ هل سورية محافظة سعودية حتى يتم تعيين أمير لها من قبل سعود الفيصل؟ ثم كيف يصدق جربا أن هذا يمكن أن يحدث والبيت الأبيض الأمريكي الذي يعين معظم حكام العالم العربي بنفسه يئس من فعل ذلك في سورية؟ هل يعاني الجربا اضطرابا لغويا يجعل من انعكاس الواقع في وعيه مشوشا تشوبه الرغبات، والأحلام، والتخيلات، وتصنعه التراكيب اللغوية؟ أم أنه مصاب بالدوار فيرى، على عكس سيده سعود الفيصل، البحر السوري المائج في وجهه مجرد ساقية سيعبرها بقفزة واحدة وبعبارة "فخامة الرئيس" من فم سعود الفيصل، وكأنها عبارة "افتح يا سمسم"؟

 

سعود الفيصل لا أمل فيه، ولن تفلح في أصلاح مخه الخربان لا نظريات فلسفية، ولا لغوية، ولا حتى طبية/نفسية. لكن نحن بحاجة إلى مشروع مارشال ثقافي حتى نتجنب في المستقبل ظهور جربان جدد في سورية، أو في العراق، أو ليبيا.

 

ولنعد إلى موضوع اللغة. علاقة اللغة بالفكر والتفكر (لاحظ هنا استخدام مفردة "التفكر" بدلا من "التفكير")1 جرى بحثها، وما يزال، على مستويات علمية مثيرة للجدل، وكان الإغريق أول من فعل ذلك قبل ثلاثة آلاف سنة ليجري تناول الموضوع مرة أخرى بدءً من القرن الثامن عشر على أيدي المفكرين والفلاسفة الألمان، وبشكل خاص ويلهلم هامبولت (1767-1835) الذي رأى وجود علاقة وثيقة خاصة بين اللغة والفكر وبين الثقافة، وقد استمر تناول الموضوع فاتخذت أفكار هامبولت شكلا أكثر وضوحا على أيدي من أطلقت عليهم عبارة "الهومبولتيون الجدد" ومن بين أكثرهم شهرة الأمريكيان إدوارد سابير (1884-1939) وبنيامين لي وورف (1897-1941) اللذين وضعا ما صار يطلق عليها "فرضية سابير-وورف" في النسبية اللغوية والتي تزعم أن لغة أي شعب من الشعوب، مفرداتها وقواعدها، تؤثر على طريقة تفكر أفراد ذلك الشعب، وهي التي تحدد بالتالي الأفكار التي يكون متاحا لهم تكوينها، وبعبارة أوضح فإن طريقة تفكر الإنسان العربي وفكره محكومان باللغة العربية، وطريقة تفكرالإنسان الفرنسي وفكره محكومان باللغة الفرنسية، والروسي باللغة الروسية، فلا يمكن للإنسان العربي أن يتفكر مثل الإنسان الفرنسي، ولا يمكن للروسي أن يتفكر مثل العربي، ثم إن الفكر الذي تتيحه كل لغة هو الذي يرسم ملامح ثقافة المتكلمين بتلك اللغة.

 

وكملاحظة جانبية نذكر أن الصهاينة قفزوا على ظهر هذه الفرضية بكل سرور، مثلا عبر أبحاث رافائيل باتاي (1910-1996) الذي أيد الفرضية بشكل مطلق زاعما أن تجديد اللغة العبرية وتطويرها أتاح لليهود تحقيق قفزات فكرية وثقافية بينما العرب متخلفون بسبب اللغة العربية المتخلفة حسب زعمه.

 

فرضية سابير-وورف دار حولها، وما يزال، الكثير من الجدل، فمن جهة لا يمكن نفي صحة وجود علاقة بين اللغة والفكر والثقافة، وفي بعض المناحي تماما كما يزعم الرجلان، ومن جهة أخرى فإن كل تداعيات الفرضية العلمية، والسياسية، والاجتماعية مرفوضة، ولا تقف طويلا أمام النقد، فمثلا لو كان الأمر كذلك بأن اللغة تحدد ما هو متاح لنا من أفكارنا، فإن هذا يعني أننا نعيش في عوالم فكرية منعزلة بعضها عن بعض، ويستحيل التفاهم والتواصل بينها، وهذا أمر تنفيه الترجمة، على الأقل، فليس هناك شيء تقوله في لغة لا يمكن ترجمته إلى أية لغة أخرى، بشكل أو بآخر، فكثير من الأفكار مشتركة بين الشعوب. ثم إن تماس اللغات يؤدي مع مرور الوقت إلى تبادل التأثير بينها سواء كان في تسرب المفردات فيما بينها، أو تبني الأفكار ومن ثم التشابه في سمات ثقافية، كما هي الحال، مثلا، بين العربية، والفارسية، والكردية، والتركية. ثم إننا نجد أن بعض سمات الثقافة يمكن أن تكون قارية، أي آسيوية، أو أوروبية، أو أفريقية، مع أن سكان أية قارة يتكلمون لغات مختلفة. كذلك نجد ثقافات مختلفة ضمن كل مجتمع مع أن كل المنتمين إليه يتكلمون نفس اللغة، فثقافة الطبقة الوسطى في أي مجتمع ليست نفس ثقافة الطبقة الدنيا، وثقافة الوسط الفلاحي ليست مثل ثقافة الوسط العمالي، وثقافة سعود الفيصل بدائية قياسا إلى ثقافة وليد المعلم مع أنهما يتكلمان اللغة العربية. ويمكن بكل تأكيد أن تكون الثقافة قومية، عربية، أو تركية، أو صينية، وتشكل اللغة عاملا أساسيا قي نشوء تلك الثقافة القومية - مع وجود بعض علامات الاستفهام، فالفرنسيون ، مثلا، كانوا يتحدثون الفرنسية قبل ألف سنة، وقبل خمسمئة سنة لكنهم لم يبنوا مجتمعا مرفها، ومنظما، وغنيا، وثقافة راقية إلا بعد أن أصبحت فرنسا دولة استعمارية تمص دماء الشعوب الأخرى. والحال هي نفسها مع شعوب كثيرة على وجه الأرض تغيرت ثقافتها مع استمرار لغتها.

 

هناك نظريات وأبحاث تؤكد على كونية ظاهرة اللغة، مثل أبحاث الأمريكي نعوم تشومسكي. وبالطبع ليس هناك بعد من قال الكلمة الفصل في أصل اللغة ولا في علاقتها بالبيولوجيا، فاللغة ليست ظاهرة اعتباطية النشوء، بل ترتبط بجهاز متكامل في التركيبة التشريحية للإنسان، عدا عن وجود المركز اللغوي في المخ. هذه الأمور الخَلقية لا مكان لتفصيلها هنا.

 

إن من الغريب أن تلتقي المادية الديالكتيكية مع فرضية سابير-وورف في مسألة علاقة اللغة بالفكر، فهذه المادية، ودون أن تشارك فرضية سابير-وورف السمة العنصرية البغيضة، ترى العلاقة بين اللغة والفكر بنفس الطريقة، بزعمها أن الإنسان يستخدم اللغة أثناء التفكر، وبهذا فإن تلازم اللغة وعملية التفكر يؤدي إلى نفس ما يزعمه الأمريكيان، سابير- وورف، وإن لم تقل المادية الديالكتيكية ذلك.

 

أغلب الظن أن الإشكالية التي يقع فيها الكثيرون في بحثهم في العلاقة بين اللغة والفكر تتمثل في هذا الوهم الكبير بأن الإنسان يستخدم اللغة أثناء التفكر. ينبغي لنا أن نؤكد على أن هذا وهم، فالإنسان لا يستخدم اللغة أثناء التفكر، ودعونا نسوق بعض الملاحظات البسيطة:

أولا) عملية التفكر هي العملية الذهنية التي تولد فكرة جديدة، أو توصل إليها، وقد تكون الفكرة إبداعية، أو حلا لمشكلة، أو غير ذلك. هذه الفكرة الجديدة تأتي كومضة في الدماغ لا تستغرق إلا جزءً يسيرا من الثانية، وربما أسرع من البرق، بينما استخدام اللغة عملية بطيئة نسبيا، ولا يمكن أن تسير العمليتان، أي تولد الفكرة واستخدام اللغة، يدا بيد، أو متوازيتين، ومترابطتين

ثانيا) ينبغي عدم الخلط بين التفكر وبين المناجاة، فالأخيرة حالة يتكلم فيها الإنسان في دواخله، وهو يتخيل أنه يتحدث مع شخص آخر في موضوع ما، ففي هذه الحالة ليست هناك عملية تفكر بل حديث افتراضي يلعب فيه الإنسان دورين، دوره هو ودور محدثه، وليس القصد منه توليد فكرة جديدة، بل تجسيد ما يرغب الإنسان في قوله أو في سماعه. ولكن لا يستبعد تولد فكرة جديدة على هامش هذا الحديث الافتراضي

ثالثا) إننا نلاحظ في حالات عديدة أننا بعد أن تنشأ لدينا الفكرة الجديدة نبادر إلى صياغتها، وحتى كتابتها ثم لا نلبث أن نغير الصياغة لأننا لم نحسنها في المرة الأولى. ولو كانت عملية التفكر مصحوبة بعملية لغوية لخرجت الفكرة ومعها صياغتها التي صاحبتها

رابعا) تأتينا أحيانا كثيرة فكرة لحل مشكلة ما بينما نحن مشغولون بشيء آخر تماما، نتحدث في موضوع مختلف، أو نستمع بشغف إلى حديث عن أمر لا علاقة له بتلك المشكلة، أو حتى نحن في حالة مناجاة حول موضوع لا علاقة له بالفكرة الجديدة

خامسا) يمكن أن تكون فكرة ما موضوع مناجاة يقوم بها شخص متخيلا أنه يناقش الفكرة مع شخص آخر، أو مع أشخاص آخرين، كما أن مناقشة فكرة ما مع الآخرين لا يمكن أن تحصل دون استخدام اللغة، ونحن نعرف كم من سوء فهم يمكن أن يحصل أثناء هذه المناقشة لأن الفكرة لن تظهر أو تأخذ شكلا مفهوما حتى تجد صيغة لغوية واضحة

سادسا) يعرف الذين يمارسون التأمل أن أروع الأفكار وأنقاها، وأصفاها تنزل عليهم، وهم يركزون بصمت مطبق على أمر أو شيء ما

 

ما هي، إذن، العلاقة بين اللغة والفكر؟ ما هي العلاقة بين اللغة والفكر من جهة والثقافة (فهم العالم من حولنا، وتحديد علاقتنا به والتعامل معه) من جهة أخرى؟

 

الحقيقة هي أن اللغة ليست قالبا لا يدخل فيه الفكر إلا إذا كان على مقاسه، ولا بالعكس، أي قالبا ينزل على الفكر فيقولبه، وليست اللغة جسم الفكر كما يحاول المعجبون بفرضية سابيير-وورف إعادة صياغتها بطريقة أكثر ذكاءً. إن ما يلعب الدور الحاسم في فهمنا للعالم من حولنا هو استخدام اللغة (تقول فرضية سابير-وورف بذك أيضا بشكل غير مباشر)، حجما، وكما، ونوعا، فبدون تسمية الأشياء في العالم خارج وعينا، وبدون وجود تسمية للعلاقات بين الأشياء بعضها ببعض لا يمكن لنا أن نفهمها، فلا بد أن تكون لنا كلمة للحجر وأخرى للأرض وأخرى لموضع الحجر من الأرض حتى نفهم علاقةً ما بين الحجر والأرض، مثلا (الحجر على الأرض). كذلك لا بد من مفردات أو إشارات تعبر عن الموجودات غير المادية، الحب، الكره، البخل. باختصار لا بد من خزين هائل من المفردات أو الإشارات للأشياء وللحركات (المشي، الركض، التكلم، القيام، الجلوس، إلخ) ولوصف العلاقات بين الأشياء تحت تصرفنا ليبدأ فهمنا للعالم. وهذه متوفرة في كل اللغات. اللغة، إذن، أشبه بمخزن هائل من المفردات، أو الإشارات، أهم ما يميزه أنه يحوي من كل شيء نقيضه، ففيه مفردة "العبودبة" ومفردة "الحرية" وفيه مفردة "النبل" ونقيضتها "السفالة"، وفيه "الصدق" وفيه "الكذب"، وفيه "الحق" وفيه "الباطل"، وهكذا. وكذلك ففي هذا المخزن الهائل عدد لا نهائي من الصياغات الممكنة باستخدام المفردات. إن كل مفردة يمكن أن نستخدمها مع قسم كبير من المفردات الأخرى، يمكن استخدامها مع مفردتين، ومع ثلاث مفردات ليكون عدد الجمل أو العبارات التي تدخل فيها المفردة الواحدة فلكيا. نستطيع مثلا أن نستخدم مفردة "ابن" في "يا ابني"، وفي "يا ابن العم"، وفي "يا ابن الأوادم" وفي "يا ابن العاهرة". ونحن مخيرون فيما نختار استخدامها من المفردات، ومن الصياغات، مثلا عندما نغضب من شخص.

 

ما يؤثر على طبيعة أفكارنا مسبقا ليست اللغة بصفتها المطلقة، بل ما نختار التمرن على استخدامه من هذا الكم الهائل من المفردات والعدد اللانهائي من الصياغات الممكنة فيها. هل نختار التمرن على استخدام الحرية، والنبل، والصدق، والحق، أم التمرن على استخدام العبودية، والسفالة، والكذب، والباطل؟ إن سعة ومستوى ما نتعلمه من اللغة، ونتمرن على استخدامه لا تشكل قالبا له مقاسات معينة، وثابتة تتيح لنا هذا الفكر ولا تتيح غيره، بل تشكل إطارا (مطاطيا) قادرا على استيعاب أي فكر كان في الاتجاه الذي نريد. الإطار الواسع والقابل على المزيد من التوسع يتيح لنا الحرية في اختيار طريقة التفكر، واتجاهاته، ولكن لحظة ينطلق التفكر فإنه يستقل تماما عن اللغة، ويتبع قوانين خاصة به ما نزال نجهلها، ثم حين تأتي الفكرة الجديدة كومضة، نجدها ترتمي في أحضان اللغة وتتقلب فيها بحثا عن ثوب تخرج به، بحثا عن صياغة مناسبة ضمن ما تعلمه الإنسان وتدرب عليه.

 

الفكر هو ابن اللغة وأبوها، ينشأ في رحمها (أو إطارها) ويخرج إلى العالم في ثوبها، ثم يقودها إلى سعة أفق أكبر. اللغة التي يتعلمها الطفل، ويتمرن عليها ترسم طريقة تفكره، وطريق فكره. إن الإنسان الذي ينشأ ويتمرن على استخدام لغة نظيفة، وديناميكية، وراقية، ومنطقية، ونقدية، لا يُحتمل أن ينشأ في رأسه فكر يحتاج في صياغته إلى لغة متردية، ووضيعة، وبائسة. كذلك فإن الفكر الرديء لن يحتاج إلى لغة راقية ومهذبة وعليا لتصوغ نفسها، بل تحتاج إلى لغة رديئة، وهي في الأصل نتاج تعلم لغة رديئة والتمرن عليها. هل نريد دليلا؟ لا بأس. إن العالم الفيزيائي الذي يعج عالمه اللغوي بمفردات الفيزياء وتعابيرها التي استخدمها على مدى سنوات بكل أبعادها يكون إطار فكره فيزيائيا رحبا، ومهيأ لاستقبال الأفكار في مجال الفيزياء، وتتولد فيه لذلك  أفكار لها، بالدرجة الأولى، علاقة بالفيزياء، وتحتاج صياغة تلك الأفكار إلى لغة الفيزياء التي يتقنها، وكذلك العالم الرياضي، ينتج أفكارا رياضية تحتاج إلى إطار لغوي رياضي واسع، وإلى صياغات صالحة للرياضيات. أما إذا كان الشخص أميرا من آل سعود، سواء أكان وزير خارجية مثل سعود الفيصل، أو ملكا مثل عبدالله، تم تلقينه على مدى عقود من الزمن بمفردات وصياغات تبنية معدودة لا يمكن إلا أن تتيح له إلا إنتاج فكر من التبن، ويعود فيصوغ تلك الأفكار في ثوب من التبن. والفيزيائي والرياضي قد يتكلمان ما نطلق عليها اللغة العربية، وهي لغة سعود الفيصل أيضا، أليس كذلك؟ مع الأسف، نعم.

 

إن نظرة بسيطة على المناهج الدراسية في المدارس السعودية كفيلة بإقناعنا بأن الثقافة الوهابية المشبعة بالقتل والاغتصاب والهذيان الأخلاقي لها جذور متينة في اللغة التي تتبناها تلك المناهج والتي ستسبب صدمة ثقافية لأي طفل أو تلميد مدرسة في أي بلد عربي آخر. إنها مناهج تحشو فكر الأطفال بمفاهيم إرهابية لا تمت إلى الفكر الإنساني بصلة. إنها مناهج تختار عمدا كل المفردات والتعابيراللغوية التي تخدر العقل، وتقطع صلته بالواقع. المدارس السعودية هي عبارة عن مصانع لإنتاج نوع من البشر لا علاقة لرؤوسهم بالواقع في العالم المحيط بهم، بل هم أسرى تراكيب لغوية تصور العالم لهم كميدان لممارسة القتل، والإرهاب، والاغتصاب، وكل أنواع العنف والموبقات. ولو أن أساطين المادية الديالكتيكية قاموا بدراسات ميدانية في مجال اللغة، مثلما فعل سابيير-وورف، لغيروا نظرتهم إلى العالم وانعكاسه في الوعي الإنساني، فعلى صخرة الواقع اللغوي الموجود في السعودية تتحطم كل النظريات، والفرضيات اللغوية، إلا فرضية سابيير- وورف، فهناك يجد من يعادي العربية ضالته بأن العربية هي لغة الإرهاب. فلا غرابة إذن أن نرى سعود الفيصل يمارس الإرهاب حتى في عقر دار مواثيق حقوق الإنسان، والقانون الدولي، جنيف، فيشير فيها وهو في حالة خدر، وهلوسة جهادية، إلى صعلوك نكرة باعتباره رئيس دولة. سعود الفيصل هو نتاج نسخة إرهابية من العربية لها صنو في العبرية، وفي الانجليزية، وفي الفرنسية، وفي لغة جون كيري الذي ارتضى لنفسه، بلا خجل، الاستماع إلى سعود الفيصل وهو يهذي واضعا ملابسه على رأسه في بالوعة أحمد الجربا. يا لحقارة جنيف حين تحتضن الإرهابيين والحشاشين وقتلة الأطفال.

 

على أية حال، لهم ما شاءوا من مسوغات الإرهاب، ولنا أن نختار اللغة التي نريدها. إن اللغة السليمة تؤسس لفكر سليم، والفكر السليم يؤسس لثقافة راقية لأنه يقوم على فهم عميق وسليم للعالم من حولنا، ويساعدنا على تحديد سليم لعلاقتنا بالعالم المحيط بنا، مما يجعلنا قادرين على التعامل معه بعقلانية.

 

يمكننا أن نمرّن الناس في أية لغة في العالم على الاستخدام السليم للغة، مثلا، بدلا من أن نقول "على الصغير أن يحترم الكبير"، تلك العبارة التي تساعد على تكوين إطار لفكر لا يستقيم مع المنطق السليم، وتكرس علاقة تحكمية تنتهي بثقافة تحتقر الصغير، يمكننا أن نفعل العكس فنمرّن أنفسنا على القول "على الكبير أن يحترم الصغير"، وننتهي بثقافة مغايرة لا مكان فيها لاضطهاد الطفل لأنه صغير، بل فيها مكان للاحترام المتبادل، فالكبير هو من يعلم الصغير الاحترام باحترامه، وليس بإلقاء المواعظ عليه بضرورة احترام الكبير بينما الكبير يضطهده. ويمكننا أن نعوّد الطفل في مدارسنا على أن يسأل "لماذا؟" عند سماعه عبارة وعظية مثل "على الصغير أن يحترم الكبير"، بدلا من أن نلقنه عبارة "نعم سيدي"! "لماذا" هي كلمة السر في إجبار المقابل على تقديم توضيح، أو تبرير لكل ما يقوله، وتجعل الطفل يتعود على عدم القبول بالعبارات الصادرة من الكبار باعتبارها آيات منّزلة، تجعله يتمرن علىى احترام عقله، واحترام الكبير الذي يحترم حقه في الحصول على تبرير لما يُطلب منه، ويقدم له توضيحات منطقية، فيكتسب هو أيضا منطقا نقديا. ونحن نعرف أن كلمة "لماذا" محظورة في التعامل مع الكبار الأقوياء في عالمنا العربي سواء أكانوا في الأسرة، أبا، أو أخا كبيرا، أو غيرهما، أو كانوا في الدولة، بل إن أحزابنا السياسية، الحاكمة منها  والمعارضة، وضعت قواعد للتعامل في صفوفها، تحظر استخدام "لماذا" إلا بعد أن تفقد معناها. في حزب البعث، مثلا، كانت القاعدة التي تحظر استخدام "لماذا" اسمها "نفّذ ثم ناقش"، وفي الحزب الشيوعي كانت تسمى "الظروف السرية للنضال التي تعيق مساءلة القيادة فعلينا العمل بما تقول، وكفى". أما في الأحزاب الدينية فلا معنى للسؤال"لماذا" لأن كل شيء مبرر، ومقرر بآيات وسور، وأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان.

 

اللغة لا ذنب لها. إنها هبة من الله لنا لتجعلنا بشرا قادرين على التفكر، وأروع ما فيها أننا يمكننا أن نختار منها ما نشاء، ونطوعها كما نريد، لأننا، إلى جانبها، عندنا إرادة تجعلنا قادرين على تطويع كل ما في الطبيعة، بما فيها اللغة.

 

نعم اللغة، ليس اللغة بصفتها المطلقة، بل كيفية استخدامنا لها، هي أساس كل شيء، هي واضعة إطار التفكر، وهي بانية الثقافة، وهي بانية الحضارة. وهي المسؤولة عن مصائبنا، ولهذا فإننا حين نتلقى بشرى بمشروع مارشال ثقافي عربي لا نملك إلا أن نقول: سبحانك اللهم تؤتي العلم من تشاء وقد آتيت أهل الشام منه بغير حساب، فلنا إذن أن نقول بملء أفواهنا إن حجر الأساس في مشروع مارشال الثقافي العربي يجب أن يكون جامعــــــــــــــــة للغة العربية وعلومها في الشام تتولى شؤون البحث، والتطوير، والثورة في اللغة العربية، وتحرير الإنسان العربي بتحرير فكره، بتحرير لغته ، بحيث لا تكون هناك مؤسسة علمية في اللغويات في العالم إلا ولها في الشام نظيرتها، اللسانيات الصرفة، اللسانيات وعلم النفس، اللسانيات وعلم الاجتماع، اللسانيات والخطابة، اللسانيات والسياسة، اللسانيات والدين، اللسانيات والتربية، اللسانيات والأخلاق، السانيات والتأويل، وغيرها، وغيرها.

 

العرب بحاجة إلى هكذا جامعـــــــــــــــــــة للدراسات العربية بقدر حاجتهم إلى جامعات تكنولوجية، لأن اللغة العربية هي السلاح الستراتيجي العربي الأول والأخطر، وهذا السلاح، كما نرى مسلط الآن على العرب أنفسهم، فإساءة استخدام العربية تشوش فكرهم، وتربك تحديدهم لعلاقتهم بما حولهم، وتجعلهم يتعاملون مع العالم من حولهم ومع أنفسهم بطريقة غريبة. إنها ليست العربية، بل سوء استخدام العربية. لا نقول فقط إنه لا ينبغي لأحد في سورية مستقبلا أن يكون وزيرا، أو مديرا عاما، إن لم يكن عنده دبلوم بدرجة امتياز من تلك الجامعة (معذرة للأستاذ وليد المعلم والأستاذ بشار الجعفري فهما من مؤسسي هذه الجامعة، ومهندسيها، وأركانها هذا ما رأيناه دائما في مجلس الأمن، واليوم في جنيف)، بل نقول إن المدرسين في أية مادة علمية، وكذلك الدبلوماسيين، يجب أن يحصلوا إضافة إلى شهاداتهم على دبلوم من هذه الجامعة، فبلا لغة سليمة لن تكون هناك معرفة حقيقية ولن تكون هناك تربية سليمة، ولا تعامل دبلوماسي سليم. هذا ولا ننسى أن سورية هي البلد العربي الوحيد الذي قام منذ عقود بتعريب الدراسات الجامعية العلمية. وفي هذا الموضوع نفسه نتنبه إلى المبادرة الرائعة التي أطلقتها سورية قبل فترة قصيرة حول إدخال تدريس اللغة الروسية ولغات غيرها في النظام الدراسي العربي السوري (وسيتناول كاتب هذه السطور هذا الموضوع في مقال منفصل). إن أملنا بسورية، وإيماننا بمستقبلها ودورها الريادي له كل المبررات.

 

لا شك في أن هناك من سيسأل عما جعل غيرنا، ومن قبلنا، يمسكون بناصية لغتهم فصاروا يستخدمونها بشكل خلاق، فلا تجد بينهم من يحوّل لغته إلى ثغاء مثلما يفعل سعود الفيصل. أليست الثقافة هي التي مكنتهم من ذلك؟ أليس جدب الصحراء وأموال النفط السوداء مسؤولة عن الفقر اللغوي، والبؤس الفكري لآل سعود؟ أليست ثقافة الجربا هي المسؤولة عن كونه طرطورا يطرب لما يسمع من هراء؟ وإن كان الأمر كذلك فإن الثقافة سابقة على الفكر، واللغة تعكس الثقافة، وليس العكس. بالتأكيد، فكما أن الفكر هو ابن اللغة وأبوها فإن الثقافة هي بنت اللغة والفكر وأمهما. فرقي اللغة يولد رقيا فكريا، ورقي الفكر يولد رقيا ثقافيا، ورقي الثقافة يعود فيزيد اللغة رقيا، والفكر سموا، وهكذا دواليك. والعكس صحيح فاللغة السقيمة تولد فكرا سقيما، والفكر السقيم يولد ثقافة سقيمة تكرس بدورها اللغة السقيمة والفكر السقيم، وتزيدها سقما (لينظر الإنسان فقط إلى ثقافة قطع الرؤوس وجهاد النكاح، والسبي، والجواري، والإماء وعلاقتها الوثيقة بلغة الفتاوى الوهابية الهمجية، واللغة الرديئة التي تصاغ بها لأنها تنبت في إطار لغوي مريض). إن الشعوب التي عانت قبلنا من الدورة السقيمة للغة والفكر والثقافة خرج فيها أمثال نارام سرجون ليقطعوا بمشاريع مارشال ثقافية خاصة بهم الدورة الشريرة في النقطة الحساسة، اللغة. لن يغير الله في قوم حتى يغيروا استخدام لغتهم.

 

اللغة العربية هي كما قال فيها الشاعر المرحوم حافظ إبراهيم:

أنا البحر في أحشائه الدر كامن --- فهل سألوا البحار عن صدفاتي

 

تماما، اللغة كالبحر في أحشائه الدرر، وفي قاعه الأعشاب، وفيه الكواسر، والخيار لنا

 

استمعوا إلى المرحوم المونولوجيست العراقي عزيز علي في أحد مونولوجاته الرائعة في خمسينيات القرن الماضي. يقول:

يا جماعة والنبي من حقوق الانسان

بالعرف والأديان

يعيش حر الفكر، حر الراي، حر اللسان

يعيش آمن مطمئن البال كائن من كان

 

أليس هذا من درر الكلام؟ أليس هذا كلاما عربيا؟ فكر نظيف يصاغ بلغة عربية نظيفة لأنه نشأ في إطار لغة نظيفة.

 

أو ليس كلام سعود الفيصل من أوله إلى آخره وحلا، وأعشابا ضارة من قاع نفس البحر؟

 

واستمعوا إلى واحد من أحاديث الخرف القرضاوي الذي قسم المسلمين إلى سنة، ونصيريين، وراح يحرضهم على قتل بعضهم البعض، وانظروا كيف يضمّن عباراته كواسر البحر العربي التي تسم كل فتاواه الإجرامية: "نحن نطلب من أمريكا أن تقف موقفا رجوليا في سورية، كما فعلت في ليبيا". أكان في ما فعله الأمريكيون والفرنسيون في ليبيا رجولة؟ كيف انعكست الوحشية والهمجية التي مارسها حلف الناتو وأزلامه الليبيون في ليبيا في وعي القرضاوي كأعمال رجولية؟ هل يمكن أن تكون في أية لغة في العالم صياغة أوسخ وأكثر وحشية من هذه؟ وهل هناك في أية لغة متكلم بها أوسخ من هذا القرضاوي؟

 

القرضاوي شأنه شأن سعود الفيصل والجربا ليس وعيه انعكاسا للعالم الموضوعي من حوله، بل هو هلوسات بلغة أكلها السوس تمرن عليها هو وسعود الفيصل حتى أصاب السوس عقليهما، وجعلهما يتمرغان في أوحال الأعشاب الضارة يمضغانها ويغرقان في غيبوبة أبدية.

 

في جنيف يدور اليوم صراع بين لغة وليد المعلم التي تهدر كالشلال، وتصب على المنابر فكرا صلبا كصلابة حقائق الرياضيات والفيزياء، ورومانسيا كشعر نزار قباني، وتنشر ثقافة حب الوطن، ومكافحة الإرهاب الوهابي الصهيوني، وبين لغة سعود الفيصل السقيمة التي تنبت فكرا ظلاميا يتهالك على رزم الدولارات التي يوزعها على من حوله في الأوحال، وألقاب الفخامات التبنية التي ينثرها ثاغيا في عالم يتفتح على التكنولوجيا، والرياضيات والفيزياء "افتح يا سمسم".

 

 

1) لمناقشة الاستعاضة عن كلمة "التفكير" الشائعة بكلمة "التفكر" راجع: تأملات في فلسفة اللغة: خصوصية اللغة العربية وإمكاناتها، تأليف عمر ظاهر، إصدارات دار الرافدين بيروت 2008.