بول بريمر.. أداة الخراب الأولى في العراق بعد صدّام!

عادل الجبوري

بعد مرور 19 عاماً على إطاحة نظام صدام وخضوع العراق للاحتلال الأميركي، ومجيء بريمر للتصدي لمهمة إعادة الإعمار، تبدو الصورة قاتمة إلى حد كبير.

 

في 12 أيار/مايو 2003، وبالتحديد بعد 33 يوماً من إطاحة الولايات المتحدة الأميركية نظام صدام، تولى الدبلوماسي الأميركي بول بريمر إدارة شؤون العراق، بصفته الحاكم المدني أو رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة، وفقاً لأمر رئاسي أصدره الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، خلفاً للجنرال المتقاعد جاي غارنر، الذي تولى المهمة لمدة شهر واحد، وكانت المهمة الأساسية لبريمر تتمثل بإعادة إعمار العراق بعد الدمار والخراب الذي تعرض له جراء الحروب والعقوبات والحصار، وكان آخرها حرب إسقاط صدام.

 

قبل 19 عاماً، وفي مثل هذه الأيام، وصل بريمر إلى بغداد، في ظل توقف شبه تام لمختلف مظاهر الحياة في عموم البلاد، ليتخذ من أحد قصور صدام في داخل المنطقة الخضراء مقراً له، ويشرع بإجراءات سريعة وعاجلة عبر سلسلة قرارات بدت ارتجالية وغير مدروسة، انعكست آثارها وتداعياتها السلبية بعد وقت قصير من اتخاذها والعمل بها، من قبيل حل الجيش والمؤسسات الأمنية المختلفة، وكذلك المؤسسات الإعلامية، وتعطيل القطاعات الصناعية والزراعية الحيوية، ليقر ويعترف بخطأ تلك القرارات بنفسه في مذكراته التي كتبها فيما بعد تحت عنوان “عام قضيته في العراق: النضال لبناءِ غدٍ مرجو-My year in Iraq”، وفي أحاديث حوارية مع وسائل إعلام مختلفة، وفي شهادات استماع أمام لجان مختصة في الكونغرس.

 

ومن بين ما قاله بهذا الشأن: “ارتكبت أخطاء استراتيجية كبيرة في العراق، ما أدى إلى تقويض جهوده لاحتواء المسلحين العراقيين، وأودى بأرواح الكثير منهم إلى جانب قوات التحالف، وأن عقلية ما بعد فيتنام التي كانت سائدة بين جنرالات الجيش الأميركي أدّت إلى حرب غير فعالة مع المسلحين، فما إن تقضي على العدو في مكان ما، حتى يظهر بغتة في مكان آخر”.

 

وقال أيضاً: “إن الإدارة الأميركية كانت تأمل في أن يساعد القبض على صدام حسين في إقناع السنة المعتدلين بالاندماج في العملية السياسية وترسيخ قناعة نهاية البعث لديهم ولدى غيرهم، وكنا نتوقع أن يساعد أيضاً في لجم عمليات اجتثاث البعث”.

 

فضلاً عن ذلك، أقر في العام 2007 أمام جلسة مساءلة في الكونغرس بأنه “ارتكب أخطاء”، وأنه “لو عاد به الزمن إلى الوراء لكان عالج عدة قضايا بطريقة مغايرة!”. وقبل ذلك، أكد تقرير أعدته الإدارة الأميركية في العام 2005، أي بعد مغادرة بريمر العراق ببضعة شهور، إساءة إدارة الأموال في العراق واختفاء نحو 9 مليارات دولار كانت مخصصة لإعادة الإعمار.

 

ويشير بريمر في أحد المواضع إلى أنه “كان من الضروري التعلم من دروس الماضي، تحديداً تجربتي البوسنة والهرسك والصومال، اللتين تؤكدان أن العدد الكافي من القوات على الأرض سيؤدي إلى حماية السكان، وكان من الأفضل أن يأخذ القادة الأميركيون بنصيحة مؤسسة بحثية أوصت بإرسال 400 ألف جندي إلى العراق، بدلاً من 180 ألفاً”!.

 

إلى جانب اعترافات بريمر بأخطائه الكارثية، أكد مسؤولون أميركيون ذلك بوضوح. ويقول السفير زلماي خليل زاد، الذي أنيطت به مسؤولية الملف العراقي في مرحلة المعارضة في الفترة الأخيرة التي سبقت إطاحة نظام صدام “إن إعلان حل الجيش العراقي من قبل الحاكم المدني بول بريمر تم في بغداد، ولم يخضع لنقاش متأنٍّ في واشنطن من قبل الرئيس جورج دبليو بوش والقيادة العسكرية”، بيد أن بريمر فنّد مزاعم زميله خليل زاد، بالقول: “إن الأمر تم بعد موافقة الرئيس السابق جورج دبليو بوش خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي يوم 13 مايو/أيار 2003”.

 

لا شك في أن بريمر، بحكم صلاحياته الواسعة جداً، وعدد القوانين والقرارات والتشريعات (نحو 200 قانون وتشريع) التي أصدرها خلال 13 شهراً امتدت من أيار/مايو 2003 إلى حزيران/يونيو 2004، يتحمل مسؤولية الجزء الأكبر مما حصل فيما بعد من مآسٍ وكوارث وويلات في العراق، جراء المعادلات السياسية القلقة والمضطربة التي فرضها، والفراغ الأمني الذي تسبب به حل المؤسسات الأمنية والعسكرية مرة واحدة، والفوضى الاجتماعية العارمة في ظل غياب سلطة الدولة والقوانين الرادعة، ناهيك بتفشي مختلف مظاهر الفساد في كل مفاصل الدولة.

 

إن ما لا يختلف عليه معظم الزعماء والقادة السياسيين في العراق، إن لم يكن جميعهم، رغم اختلافهم وتقاطعهم حول الكثير من القضايا والملفات، هو “أن حقبة الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر، التي دامت أكثر من عام، شهدت سلسلة تحولات مصيرية تركت آثارها الواضحة على حاضر البلاد ومستقبلها”، أو بعبارة أخرى، يقول البعض بكل وضوح وصراحة، “إن الولايات المتحدة ومندوبها وضعا أسس الفساد وإشاعة الفوضى وتحطيم مؤسسات الدولة”.

 

وبعد مرور 19 عاماً على إطاحة نظام صدام وخضوع العراق للاحتلال الأميركي، ومجيء بريمر للتصدي لمهمة إعادة الإعمار، تبدو الصورة قاتمة إلى حد كبير، وبصمات تلك المرحلة المفصلية ما زالت ماثلة على الأرض، بل وأكثر من ذلك، أفضت البناءات الخاطئة إلى تراكم السلبيات والانحرافات في شتى الصعد والمستويات والجوانب والمجالات، من دون أن يعني ذلك عدم تحمل القوى والكيانات والشخصيات العراقية التي شاركت في إدارة الدولة خلال العقدين الماضيين مسؤولية بعضاً مما حصل.

 

وإذا كانت السياسات والمواقف الأميركية والغربية، وكذلك العربية، هي التي أوجدت مجمل الكوارث والويلات التي حلت بالعراق بسبب نظام صدام طوال عقدين أو أكثر من الزمن، فهي ذاتها تقريباً التي كرست مظاهر الفوضى والاضطراب وغياب الاستقرار في العراق بعد 9 نيسان/أبريل 2003، فالولايات المتحدة الأميركية التي احتلت العراق وفرضت حاكماً أميركياً عليه يتصرف كيفما يشاء، هي التي حلت معظم مؤسساته الحكومية والعسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية، وهي التي أباحت عمليات النهب والسلب لأموال الدولة وممتلكاتها، وأوجدت ثقافة “الحواسم”، وهي التي وضعت معادلات سياسية قلقة استندت إلى اعتبارات ومعايير طائفية وقومية، لم تكن سوى قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة، وهي التي هيأت ومهدت الأرضيات المناسبة للتنظيمات والجماعات الإرهابية المسلحة لتصول وتجول في طول البلاد وعرضها، وهي التي شرعنت ثقافة الفساد الإداري والمالي، لتتعطل الزراعة والصناعة وتتراجع الخدمات الأساسية ويتدهور التعليم، وتنعدم فرص النهوض، وتتلاشى آفاق التقدم والازدهار.

 

ولم يكن ملايين العراقيين الذين فرحوا واستبشروا كثيراً بزوال نظام صدام بحاجة إلى وقت طويل ليدركوا ويستوعبوا أن الولايات المتحدة، التي جعلت نظام صدام يجثم على صدورهم لسنين طوال، لن تتركهم يواصلون فرحتهم، لأنها فتحت صفحة مأساوية جديدة بعناوين ومسمّيات وأشكال ومظاهر أخرى. 

 

بعد أعوام قليلة من الغزو والاحتلال، بات هناك إدراك في الشارع العراقي ولدى مختلف النخب والشرائح بأن الكثير من المشاكل والأزمات التي حصلت كان من الممكن أن لا تحصل لولا سياسات واشنطن الخاطئة. على سبيل المثال لا الحصر، أكدت العضو السابق في مجلس النواب الأميركي لين وولسي، في تصريحات صحافية لها قبل بضعة أعوام، أن “الرأي العام العراقي لا يمكنه أن ينظر إلى مثل هذا العدد الضخم من القوات الأميركية إلا على أنه قوة احتلال مستمر، وما دام ينظر إلى الولايات المتحدة على أنها طرف محتل، لن يستطيع العراقيون تحقيق الوحدة المطلوبة والمصالحة وبذل مزيد من جهود التحول الديمقراطي اللازمة كي يحققوا استقراراً طويل الأمد في البلاد”.

 

ورغم أنَّ القوات الأميركية انسحبت من العراق بصورة كاملة في نهاية العام 2011، وفق الاتفاقية الأمنية المبرمة بين الطرفين في العام 2008، لم تتبدل المعطيات والحقائق على الأرض كثيراً، ولا سيما بعد اجتياح تنظيم “داعش” الإرهابي عدداً من المدن العراقية في صيف العام 2014، وبالتالي تواصلت واتسعت حالة الشد والجذب، لأن واشنطن أصرت على استمرار وجودها العسكري في العراق، فيما أصرت بغداد على إنهائه، لزوال مبررات ذلك الوجود وحججه، ولما تسبب به من مشاكل وأزمات.

 

وفي دراسة لها في موقع “ديفينس وان”، تؤكد الباحثة الأميركية جوليا جريدهيل “أن المغامرات العسكرية الأميركية المستمرة أدت إلى تزايد حدة المشاعر المعادية للولايات المتحدة، وتنامي جهود التعبئة لدى المجموعات الإرهابية، التي تزايدت أعدادها اليوم بمقدار 4 أضعاف عما كانت عليه في العام 2001″، وتقول إن “المقاربة الباهظة التكاليف خلال العقدين الأخيرين أسهمت فقط في تضخيم حجم المنظمات الإرهابية وتوسيعها بدلاً من اقتلاعها”.

 

ليست وحدها الآثار والخسائر البشرية والمادية التي خلفتها حروب أميركا في العراق والدول الأخرى بقيت شاخصة حتى اليوم، وسوف تبقى كذلك إلى أمد غير منظور، بل إن مشاعر الرفض والعداء لأميركا اتسعت وتنامت إلى مستويات عالية جداً، إذ إنَّها لم تقتصر على شعوب ومجتمعات الدول التي تعرضت للحروب، إنما امتدت إلى شعوب أوروبا، والشعب الأميركي كذلك.

 

ولأن واشنطن عملت على تأسيس معادلات سياسية قلقة في العراق تحديداً، ارتكزت على معايير طائفية وقومية ومذهبية، ساهمت في إيجاد مناخات سياسية متأزمة ومتشنجة على الدوام، سادتها الصراعات الحادة على مواقع السلطة والهيمنة والنفوذ، وأريد لها أن تكون بشكل أو بآخر أرضيات لتمرير أجندات ومشاريع التفتيت والتقسيم، كان من الطبيعي جداً أن تتسع مساحات الرفض والاستياء الشعبي والنخبوي لها، ومن الطبيعي جداً أن تقترن صورة بريمر بكل ما هو سلبي وخاطئ ومشوّه، وسيبقى ذلك الاقتران قائماً حتى بعد رحيله، ليس من العراق فحسب، وإنما من العالم بأسره!

‎2022-‎05-‎16