في ذكرى النكبة… الأسطورة التي أغفلها غارودي!

موفق محادين

هذه هي الأسطورة الغائبة التي أغفلها غارودي والعالم، ولم ينتبها إلى دورها وأهميتها البالغة في تضليل الرأي العام الغربي.

 

ربما كان مهدي عامل أوّل من أضفى بُعداً معرفياً على الطائفية، بوصفها أيديولوجيا ما قبل الرأسمالية، في خدمة الرأسمالية، مميّزاً بينها وبين الدين، كمرجعية إيمانية خالصة.

 

ولم تجد مقولة عامل هذه صداها، كما وجدته في الأيديولوجيا الصهيونية.

 

فبالرغم من كل ما قيل عن الصهيونية كتعبير عن البورجوازية اليهودية الكبيرة (اليسار العربي الكلاسيكي) أو عن البورجوازية الصغيرة (أبراهام ليون)، فإنّ الوقائع والمعطيات وبنية الخطاب الصهيوني لا تغادر هذه المقولة، وتجعلها ملائمة وقابلة للاستنتاج أن الصهيونية هي أيديولوجيا ما قبل رأسمالية، سواء في مفاهيمها النظرية الأولى، كما كرّستها كتابات الصهاينة الأوائل ومؤتمر بال، أم في مشروعها السياسي، الذي رافق الإعلام الصهيوني عن قيام الدولة العبرية على الأرض العربية في فلسطين.

 

هذه هي الأسطورة الغائبة التي أغفلها غارودي والعالم، ولم ينتبهوا إلى دورها وأهميتها البالغة في تضليل الرأي العام الغربي، وإعادة إنتاجه في كل مرة، وفق المقاييس السرية لتقارير وملفات وزارة المستعمرات البريطانية، وهي تصمّم محميّة رأسمالية شرق المتوسط، بأيديولوجيا ما قبل رأسمالية.

 

لقد قدّمت الصهيونية نفسها كأفضل ممثل للغرب في الشرق، وكخطوة أولى في رحلة الألف ميل، من أجل شرق ديمقراطي معاصر! وتمكّنت أيضاً من اختراق العديد من الأوساط الثقافية العربية، المثقلة بالتخلّف، والتي لم تدرك بعد أن هذا التخلف يعود في واحد من أهم أسبابه إلى دور الصهيونية في احتجاز مشروع الاندماج القومي، وإعاقة هذا المشروع بالهويات الجهوية القطرية البدائية، التي يجري تسويقها كهويات وطنية مستقلة جداً.

 

فهل تعبّر الصهيونية عن الأيديولوجيا الرأسمالية حقاً، أم هي صورة كاريكاتورية لهذه الأيديولوجيا في مضامينها ودلالاتها ما قبل الرأسمالية؟ وماذا عن القراءات والملاحظات التالية:

 

أولاً: لم تتأسّس “إسرائيل” كدولة قومية بورجوازية خارج الدين الذي كان فصله عن الدولة شرطاً أساسياً من شروط النمط الأوروبي لهذه الدولة. بل تأسّست كداعشية توراتية لليهود، الذين ينتسبون إلى عشرات القوميات والأعراق والأجناس.

 

والدين اليهودي كما سجّله عزرا في السبي البابلي، ليس مثل أي دين آخر. ففي التلمود تتساوى النفس اليهودية مع العزة الإلهية، ويصبح اليهود شعباً مقدّساً مكتفياً بذاته. ولذلك لم يحاول اليهود التبشير بدينهم، لأنهم لا يقبلون خفض مستوى واجبهم نحو تجسيد النموذج الأرقى بجعله واجباً لكل البشر.

 

ولا تزال بنية الخطاب الصهيوني، الذي ينتج العقل اليهودي الجمعي كل صباح، بنية محكومة أو مسكونة بهذه الحالة، التي لا تعتبر دم اليهود ودم الأغيار من القوميات والأديان الأخرى دماً متساوياً، والتي لا تسمح لغير اليهودي بتسلّم أيّ منصب مهم في الدولة، ولا تسمح ببيع الأرض والبيوت والحقول للأغيار، ولا تسمح بإنقاذ غير اليهودي يوم السبت.

 

وهناك عشرات الأمثلة التي يعرضها إسرائيل شاحاك في أعماله المنشورة، التي تكذّب كل ما يقال عن الطابع العلماني للدولة العبرية.

 

ثانياً: لم تتأسّس “إسرائيل”، بصورة طبيعية، كما كل البلدان الأخرى، ولم تعبّر عن مصلحة بورجوازية معينة في بناء دولة سوق خاص بها.

 

وإضافة إلى التأكيدات المعروفة في التاريخ الصهيوني بشأن الدور العام الذي يمكن لليهود أن يلعبوه بين السويس وطريق الهند الشرقية، وأن يمنعوا عودة روح محمد علي إلى مصر ثانية (وفق تحذيرات البارون روتشيلد، وناحوم سوكولوف، وجابوتنسكي…).

 

إضافة إلى كل ذلك، وبالاشتقاق من الوظيفة غير الطبيعية للصهيونية السياسية المذكورة، اشتقت الصهيونية من هذه الوظيفة أيديولوجيا غير طبيعية في ملامحها ما قبل الرأسمالية، من جهة، ومن قدرتها على الاستمرار كذلك، كواحدة من مظاهر الرأسمالية نفسها. ومن ذلك:

 

  • فكرة التطويب المقدّس للأرض، بوصفها حالة خلق جديدة، مماثلة للخلق الأول، وصورة عن الفعل النموذجي، الذي قامت به السماء وجسّدته في هبوط نوح على البرية وبناء مملكة الله الأرضية وسط عالم من الخطايا، فتكون “إسرائيل” معادلاً لنوح، وتكون الكوارث التي سبقت قيام “إسرائيل” معادلاً للعماء الكوني الأول، والوحش المائي الذي يرمز إلى ذلك. ويكون مصرع هتلر، والإخفاق العربي في حرب 1948، معادلين لهزيمة الوحش المائي، وما تستدعيه من قرابين بشرية ضرورية للتطويب المقدس الجديد.

 

  • فكرة الألفية أو العود الدوري، والتي لا يمكن تصور الأيديولوجيا الصهيونية من دونها. فهي الفكرة التي تضفي على الهزائم والكوارث طابعاً مقدساً، بوصفها المسوّغ التاريخي للانبعاث مرة أخرى. وهي الفكرة التي توفّر جسراً أو صلة ما بين أيديولوجيا ما قبل رأسمالية كالأيديولوجيا الصهيونية، وبين الأيديولوجيا الرأسمالية في حقبتها الإمبريالية، كما عبّر عنها “فوكوياما” في نهاية التاريخ.

 

  • فكرة الأمة المزعومة أو الشعب المقدّس، التي تتعالى على التاريخ والسيرورة، وتلغيها بإحالة المعرفة البشرية كلها إلى حدوس صوفية، وما عداها ضرباً من الخطيئة.

 

ومن المفهوم أن الحدوس المقصودة في البنية التوراتية للخطاب الصهيوني، هي حدوس محسومة بصورة ربانية للشعب المختار: (روح الله عند أبراهام كوك، والقدرة العليا عند آحاد هعام، والأسطورة الحية عند هرتزل).

 

ثالثاً: لم تتأسّس “إسرائيل” على أسس ديمقراطية بورجوازية، بل وفق ديمقراطية أخرى، هي الديمقراطية الجرمانية، وما تستدعيه من عرقية خالصة (مفبركة) لتسوّغ علاقة السيد اليهودي (الأنا) بالعبد العربي (الآخر).

 

فالدولة هنا ليست مؤسّسة قائمة على الحق، بل مؤسّسة قائمة على تصوّر أيديولوجي مرتكز على العرقية.

 

والحرية والديمقراطية شرط داخلي لإنتاج فاشية خارجية،  وليستا نموذجاً إسرائيلياً لديمقراطية فريدة في الشرق الأوسط.

 

رابعاً: لم تؤسّس الصهيونية دولة مدنية حديثة، بل أسّست نموذجاً لدولة قديمة ما قبل رأسمالية، هي الدولة-القلعة. وكانت في كل ذلك تعبيراً عن نموذج الدولة الحامية والجغرافيا السياسية التقليدية القديمة، القائمة على التخادم السياسي.

 

وبالارتباط بذلك، لم تؤسّس الصهيونية لمجتمع حديث مؤهّل لإنتاج دولة معاصرة، بل إنّ الدولة هي التي أنتجت المجتمع، وكان بالضرورة وجهها الآخر.

 

فكما ولدت وعاشت الدولة العبرية على الريع الخارجي والعائدات الإقليمية للوظيفة التاريخية، ولد المجتمع اليهودي على شاكلة دولته. واتّسم بطابع ريعي مماثل، وظلّ يعيد إنتاج بنيته وآلياته الداخلية على إيقاع الوظيفة السياسية الخارجية، واستعاد صورة المجتمع الذي شهدته إسبارطة وروما، وكان ينقسم، كما هو معروف، إلى سادة ونبلاء وبيروقراط من جهة، وعبيد منتجين، من جهة ثانية.

 

فمقابل النبلاء والسادة في أثينا، يتولى الأشكينازيم في الكيان الصهيوني المناصب الرفيعة في الجيش والاقتصاد والمجتمع. ومقابل العبيد، يقوم الأغيار من العرب والعمال الآسيويين بالأعمال اليدوية.

 

خامساً: وبالارتباط بالدولة الحامية ومجتمع الدولة الريعي، ظل الاقتصاد الإسرائيلي، بالرغم من عمليات الضخ الخارجي الكبيرة، اقتصاداً شديد الارتباط بالموقع الإقليمي لـ”إسرائيل” داخل لعبة الأمم بين أحواض النفط والطرق والممرات الكبرى، وخطوط التصدّع العالمية.

 

وأعاد إلى الأذهان اقتصادات الدول-القلاع القديمة، التي كانت تعيش وتتغذّى على طرق التجارة وحماية القوافل والغارات المأجورة.

 

فبخلاف الطابع المستقل للعسكرة عن البنية الاقتصادية – الاجتماعية في بلدان الديمقراطية الرأسمالية، تمثّل العسكرة في “إسرائيل” جزءاً لا يتجزأ من بنية الدولة والاقتصاد والمجتمع.

 

وبخلاف الاقتصاد المفتوح في بلدان الرأسمالية الكبرى، التي ترعى الدولة العبرية، تحتفظ هذه الدولة باقتصاد مركزي، ليس له ما يبرّره سوى اعتبارات الوظيفة الخارجية، وما تستدعيه هذه الاعتبارات من شروط اجتماعية داخلية لتعزيزها والتقاطع معها باستمرار.

 

سادساً: لم تؤسّس “إسرائيل” تقاليد أو مناخات وحدة وصراع طبيعية مع أحد، لا مع الأصدقاء وخاصة الولايات المتحدة، ولا مع العرب.

 

فعلاقاتها الخاصة مع واشنطن ليست علاقة قائمة على قانون الوحدة والصراع في إطار الوحدة، كما هي حال العلاقات التي تميّز الدول والقوى الصديقة أو المتحالفة، بل علاقة قائمة على اعتبارات أخرى، تحيل “إسرائيل” برمّتها إلى حالة أميركية داخلية، تجعل أيديولوجيا الأنظمة اليهودية، ما قبل الرأسمالية، مجرد تنويعة خاصة على أيديولوجيا نهاية التاريخ الإمبريالية.

 

وعلاقاتها مع العرب لم تقم، في المقابل، على قانون الوحدة والصراع في إطار الصراع، بل أخذت، وبالضرورة، شكلاً صراعياً من نوع مختلف، لا يستهدف الإخضاع وتقاسم النفوذ الإقليمي، داخل منطقة عربية أصلاً، بل يستهدف الإقصاء والنفي في مستويين مترابطين: نفي الشعب الفلسطيني لا إخضاعه، وتفتيت البنى العربية، وتحويلها إلى كانتونات وجزر معزولة، على غرار دولة البانتوستانات القبلية التي صنعتها جنوب أفريقيا في ما مضى، كأحزمة وأشرطة حدودية حولها.

 

ولدينا هنا أكثر من مفارقة: الأولى أن “إسرائيل” لا تسعى من وراء الاتفاقيات التي وقّعتها مع غير طرف عربي إلى تكريس أيّ من هؤلاء الأطراف والتعايش معهم، بل إلى تحويل التسوية معهم إلى مناخات موضوعية لتفكيك هؤلاء الأطراف أنفسِهم وتحويلهم إلى مكعبات متناثرة وظواهر إسرائيلية داخلية يتحمّلون في الوقت نفسه الأعباء الأمنية والاجتماعية المباشرة في دوائرهم الخاصة، ويعيدون إنتاج هذه الظواهر في المدار الإسرائيلي بأقل التكاليف الممكنة.

 

والمفارقة الثانية أن السياسات الإسرائيلية المذكورة لا تتّسم بالطابع الرأسمالي التقليدي المعروف لدى المتروبولات الدولية والإقليمية، بل بطابع أقرب إلى النمط الإقطاعي، وذلك بفضل الموقع الحاسم للأيديولوجيا الصهيونية التوراتية، داخل الوظيفة السياسية الخاصة للدولة-القلعة، والشعب-الطبقة.

 

صحيح أن مشروع التفتيت الصهيوني للمحيط العربي يقوم على فلسفة السوق وإملاءات البنك الدولي، مقابل مشروع المركزة الإسرائيلية، الذي يقوم على رأسمالية الدولة وقانون الكتل الانتخابية، إلا أن هذه الآليات الرأسمالية تتحرك عملياً ضمن تصورات وبنى اجتماعية ما قبل رأسمالية أو متماهية معها.

 

فالمعادلة السابقة هي التي تجعل دولة اليهود هذه أقلية طائفية كبرى، وسط أقليات عربية صغيرة، متطاحنة.

 

أخيراً…

 

كان متّى يقول: كل ما يؤخذ بالسيف، بالسيف يهلك.

 

وكان البيتار ينشدون: بالدم قامت يهوذا، وبالدم سقطت، وبالدم ستبعث من جديد.

 

فكان السؤال: لماذا لا تزول ثانية، فكل ما ينبعث، بحسب غوته، جدير بالزوال.

 

إلى ذلك، وإضافة إلى مصالح بريطانيا الاستعمارية في إقامة قاعدة عسكرية شرق المتوسط لحماية طريقين مهمّين وتأمينهما، طريق شركة الهند الشرقية، وطريق السويس، فإن الذي نفّذ المشروع الصهيوني فريق بريطاني كامل مرتبط بالصهيوني وايزمان، ويتألف هذا الفريق من كل من:

 

  1. كامبل بنرمان

 

  1. ونستون تشرشل

 

  1. اللورد سايكس

 

  1. الجنرال اللنبي

 

  1. اللورد بلفور

 

  1. شبكة سارة التجسّسية

 

  1. لورنس العرب وشبكة الجواسيس المرتبطة به

 

  1. هربرت صموئيل

 

  1. إيلياهو ساسون.

 

وقد لعب بنرمان دوراً مهماً في التنبيه إلى أهميّة عزل مصر عن مشرق الوطن العربي عبر إقامة كيان يهودي في فلسطين، وكانت تجربة محمد علي الذي وحّد مصر وبلاد الشام ماثلة في ذهنه.

 

وأخذ سايكس على عاتقه تمزيق سوريا الطبيعية إلى أربعة أقاليم، سوريا الحالية، ولبنان، وشرق الأردن وفلسطين، مقدمة لوضع فلسطين بتصرّف الحركة الصهيونية. وجاء بلفور بوعده المعروف تتويجاً لاتفاقية سايكس-بيكو، واستكمل ذلك كل من تشرشل والجنرال اللنبي، الأول بتأسيسه للفيلق اليهودي في القوات البريطانية، والثاني باحتلال فلسطين وطرد الأتراك منها وتسليمها للبريطاني الصهيوني هربرت صموئيل، الذي كان ابنه ضابطاً في الفيلق اليهودي.

 

كما عهد إلى شبكتين للتجسّس وتجنيد المرتزقة توفير الظروف المواتية لإطلاق المشروع الصهيوني كما أداره الصهيوني وايزمان بالتنسيق مع هرتزل وروتشيلد (الصندوق المالي). فإضافة إلى شبكة لورنس المعروفة، لعبت اليهودية سارة وشبكة التجسّس والدعارة التي تديرها دوراً كبيراً في اختراق أوساط عربية عديدة واستمالتها، أما إيلياهو ساسون أو إيلياهو إيلات، فقد عهد إليه بتقديم نفسه كمستشرق بريطاني مهمته دراسة الأحوال العربية المحيطة بفلسطين، حيث أمضى، فعلاً، سنوات عديدة بين الأهالي في مصر وسوريا وشرق الأردن ولبنان، تمكن خلالها من إقامة علاقات واسعة مع زعامات وشيوخ في هذه المناطق، وفّرت له الاطلاع عن كثب على أحوالهم وطرق تفكيرهم ومصالحهم من جهة، كما لعب دوراً في إشاعة ثقافات كيانية تدعو إلى الاستقلال عن سوريا والتخلص من نفوذ أكبر حزب كان يدعو إلى استقلال ووحدة سوريا الطبيعية آنذاك، وهو حزب الاستقلال السوري. وبحسب مذكّراته (إسرائيل وجاراتها) التي تقع في ألف صفحة تقريباً، فقد قدّمت الحركة الصهيونية دعماً مالياً للعديد من الزعامات والقوى (الجديدة) المعادية لوحدة سوريا الطبيعية، وكان يرى أن سيطرة اليهود على فلسطين لا يمكن أن تحدث وتستمر بوجود سوريا الواحدة الموحّدة.

‎2022-‎05-‎16