حرب القمح..!

ليليان معروف

خلّفت الحرب الرّوسّية الأوكرانيّة الكثير من أشكال الحروب في العالم منها حرب الطّاقة والغاز والنّفط وحرب الفضاء وحرب المياه وحرب العملات وأخيراً وليس آخراً حرب القمح, باعتبار أنّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مُصدّرِي القمح إلى العالم.

لم يمضِ على الحرب الرّوسية الأوكرانيّة ثلاثة أشهر حتّى بدأ ناقوس الخطر يدقّ باب دول العالم، محذّراً من مجاعةٍ قريبةٍ، كاشفاً عن ضعفٍ في الأمن الغذائيّ للكثير من الدّول.

وقبل أن نتحدثَ عن تفاصيل تلك الحرب القائمة واللّاعبين الأساسيّين فيها ،سوف نُصنّف أكبر مُنتجي القمح في العالم حيث تأتي الصّين في مقدّمة المُنتجين بناتج مَحلّي يصل إلى131 مليون طن سنويّاً، تليها الهند بإنتاجٍ يبلغ 93 مليون طن سنويّاً، وتأتي روسيا في المرتبة الثّالثة بإنتاجٍ يبلغ 73 مليون طن في السّنة، وتليها في المرتبة الرّابعة الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، أمّا في المرتبة الخامسة والسّادسة والسّابعة كندا وفرنسا وأوكرانيا على التّوالي بحسب موقع Atlasbig .

وبالتّوازي مع اتّساع رقعة الأزمة الغذائيّة يحظر ثاني أكبر منتجي القمح في العالم تصديره، كما أعلنت الهند في 14 من هذا الشّهر حظر تصدير القمح حيث أدّت موجة الحر الشّديد إلى تقليص الإنتاج لترتفع الأسعار المحليّة إلى أعلى مستوياتها.

وكان المشترون العالميّون يعتمدون على الهند في الحصول على إمدادات القمح بعد أن تراجعت الصّادرات من منطقة البحر الأسود منذ بداية الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة وقبل الحظر، وكانت الهند تستهدف شحن 10 ملايين طن هذا العام، والّذي سينعكس سلباً على الأسعار عالميّاً وزيادة الأزمة الغذائيّة.

وقبل يوم من الحظر الهندي أعلن رئيس اتّحاد مُنتجي الحبوب والدّقيق في جورجيا ليفان سيلاجافا أنّ “مخزونات القمح في البلاد نفدت بالفعل، وأنّ المطاحن ستتوقّف عن العمل في الأيّام المُقبِلة.” وتستهلك جورجيا ما يصل إلى 650 ألف طن من القمح سنويّاً، وتوفّر الجمهوريّة بنفسها 15% فقط من استهلاكها ،وفي نيسان الماضي في خطوةٍ متأخّرةٍ أَعلنَ وزير الزّراعة الجورجي زيادة المساحات المزروعة من 15% إلى 50%.

وفي كوريا الجنوبيّة وبحسب إحصائيّات تمّت في العشرين من الشّهر الماضي، فقد وصلت أسعار القمح في مارس إلى أعلى مستوى لها منذ 13 عاماً، بسبب تداعيات أحداث أوكرانيا واختناق سلسلة التّوريد العالميّة, وارتفاع أسعار النّقل البحريّ.

ومع تواصل الحرب الرّوسية الأوكرانيّة تتواصل حرب القمح مقابل السّلاح بين روسيا من جهة ودول أوروبا من جهة أُخرى, وباعتبار أنّ أوكرانيا أحد أهم المصدّرين للقمح تستغل الدّول الأوروبيّة هذا الأمر, وتشترط على أوكرانيا إمدادها بالقمح مقابل إرسال السّلاح لها, وبحسب وكالة تاس الرّوسية فإنّ أوكرانيا تصدّر كميّات ضخمة تصل إلى عشرين مليون طن من الحبوب والذّرة والمحاصيل الزّيتية والماشية إلى رومانيا، مع السّفن الذّاهبة، وعلى طريق العودة يتمّ إرسال الأسلحة الأجنبيّة والذّخيرة إلى أوكرانيا مقابل المنتجات الزّراعية الّتي تمّ إرسالها رغم النّقص الحادّ بالغذاء في البلاد.

وفي خطوةٍ مُماثلةٍ للخطوة الرّومانيّة اعتزمت ألمانيا في وقتٍ سابقٍ من الشّهر الفائت مدّ جسر للحبوب لضمان نقل الحبوب من أوكرانيا ،وبالتّالي ضمان الأخيرة مدّها بالسّلاح.

ومع حظر هذا البلد لتصدير القمح وإعلان بُلدان أُخرى حالة الطّوارئ الغذائيّة واحتيال أُخرى وابتزازها لأوكرانيا يبدو أنّ المجاعة قادمة لا محالة وتهدّد أكبر البلدان, وهذا ولم نتحدّث عن البلدان الفقيرة والّتي ستكون في مقدّمة المتصدّرين للبلدان الأكثر عوزاً للقمح، وبحسب تقرير لصحيفة “Financial Times”، فمن المرجّح أن ينخفضَ ​​إنتاج القمح العالمي للمرّة الأولى منذ 4 سنوات، وفقاً لتوقّعات الحكومة الأمريكيّة الّتي قامت بمراقبة موسم المحاصيل المقبل عن كثب، ممّا يؤكّد المخاوف من زيادة تعقّد الإمدادات وارتفاع أسعار المواد الغذائيّة ،فيما توقّعت وزارة الزّراعة الأمريكيّة منذ عدّة أيام انخفاض إنتاج القمح الأوكراني ​​أكبر من المتوقّع، بنسبة 35 بالمئة عن العام السّابق إلى 21.5 مليون طن.

وبما أنّنا نتحدّث عن حربٍ ومقامرةٍ برغيف الخبز، فهذا يعني أنّ هناك مُقامرين ولاعبين أساسييّن بهذا الرّغيف, حيث تأتي الولايات المتحدة المستفيد الأوّل في كل حرب، ونظراً لأنّها رابع أكبر منتجٍ للقمح وبعد حظر ثاني أكبر منتج له وانشغال أوكرانيا بالحرب ،فإنّ أمريكا إضافةً إلى عيشها على بيع الأسلحة والحروب من المتوقّع أن تستخدم سلاح القمح مع الدّول المستوردة منها، وتجعله مقابل الخضوع لها ،وهذا ولن نتحدثَ عن ارتفاع سعر القمح المُصدّر من الولايات المتحدة مقارنةً بباقي المُنتجين والمصدّرين, كما أنّ روسيا يمكن أن تستخدم هذا السّلاح أيضاً باعتبارها ثالث أكبر منتج للقمح بعد كل العقوبات أُحادية الجانب عليها, ويمكن أن نقول أنّ أوكرانيا تستخدم فعلاً هذا السّلاح ضد الدّول الأوروبية لا العكس كضمانٍ لإمدادها بالسّلاح أيضاً, ويمكن على سبيل التّوقع لا التّأكيد أنّ الهند الشريك لروسيا من الممكن أنها استخدمت هذا السّلاح أيضا بإعلانها إيقاف التّصدير, ونحن في حربٍ مفتوحةٍ لا يمكننا الحديث بالعواطف فمن تاجر بالدّماء يوماً كالولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول يمكن أن يتاجر برغيف الخبز لكلّ مواطنٍ في العالم.

‎2022-‎05-‎16