لماذا سأدافع عن تركيا؟

 

د. عمر ظاهر

 

صديقي القارئ، إن كنت متابعا لمقالاتي على هذا الموقع فقد يذكرك عنوان هذا بمقال كتبته من زمن طويل بعنوان "لماذا أدافع عن سورية؟"، وربما بمقال آخر بعنوان "لنقف مع شعب إيران"، وبالتأكيد سيذكرك بأني واحد من المدافعين عن الحقوق الكاملة للشعب الكردي وإن لم أكتب مقالا بعنوان "لماذا أدافع عن كردستان؟"، ولا مكان للشك أبدا في أن كل مقال أكتبه له عنوان خفي هو "لماذا يجب أن تزول إسرائيل؟" وأنت، صديقي القارئ، محق إن قلتَ إننا ندافع عادة عن شعب، أو بلد، يتعرض للعدوان والتآمر، فلماذا ستدافع عن تركيا؟ أنا أعتقد أن الشعب التركي يتعرض هو الآخر إلى مؤامرة، مؤجلة، لا تقل شراسة وهمجية عن المؤامرة التي تتعرض لها سورية، وتعرضت لها إيران. ويا صديقي، لا تغرنك المظاهر، وإن استغربتَ حديثي عن التآمر على تركيا، فتصور فقط لو أن أحدنا تجرأ وقال في عام 1980 إن العراق يتعرض لمؤامرة. يومها كان صدام يهدد مثل "القبضايات" بتقسيم إيران، ويقتطع منها "زين القوس وخضر وهيلة"، وكانت أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا تزوده بالسلاح، وكانت السعودية وبقية ممالك التيوس في الخليج تمول حربه ضد إيران، وكان قاتل أطفال العراق دونالد رامسفيلد يزوره في بغداد ليعبر عن إعجابه بشجاعته! وكان صدام، ويا للمفارقة، يريد أن يرصع واجهة القصر الجمهوري بالذهب لتتلاءم مع مكانة العراق وهيبته! تصور لو أن أحدا قال يومها لصدام إن رامسفيلد سيزوره بعد ربع قرن في السجن ليسخر منه! أنا عندما أفكر في شؤون العرب والأكراد والأتراك والإيرانيين فلا أتحدث على أساس معلومات استخبارية، وتقارير من مؤسسات للدراسات الستراتيجية، ولا حتى من عقل رجل، بل يمنحني الله قلب الأم التي تشعر بنبض أبنائها، وبهمومهم، ويقلقها مصير كل منهم. وهنا أيضا أقول لك إن هذه الأمم الأربع أبناء أب قاس اسمه التاريخ، لا يرون من بعضهم البعض الآن إلا ما ورثوه من قسوته. الصهيوني الأمريكي والبريطاني والفرنسي يكرههم جميعا، ويستغلهم جميعا، ويستخدم كلا منهم ليطيح بالآخرين.

 

أستاذنا الكبير، وكنزنا الثقافي، والإعلامي،والسياسي، محمد حسنين هيكل عبّر في الفترة الأخيرة، وفي أكثر من مناسبة، عن رأيه في أن منطقة الشرق الأوسط ينشط فيها مشروعان ونصف مشروع: مشروع إيراني، ومشروع تركي، ونصف مشروع إسرائيلي. وفي رأيه أن هناك غيابا تاما لأي مشروع عربي. ونحن مهما توسعت معرفتنا فإننا نبقى تلاميذ مبتدئين قياسا إلى أستاذنا هيكل، لكن هذا لا يمنع البتة الاختلاف معه في هذه النقطة أو تلك في المواضيع التي يتناولها. وفي هذا الموضوع بالذات أتجرأ، وأهز رأسي بإشارة "غير متفق"، ففي رأيي المتواضع هناك مشاريع عديدة في المنطقة، ولا بد لي من الإسراع أولا إلى تأكيد وجود مشروع عربي قوي يشعّ نوره من سورية، وهو مشروع عصري، وله من مقومات النجاح أكثر بكثير مما يظن بعض الناس. وغير هذا لا بد من الاعتراف بوجود مشروع تياسة سعودي قطري، جوهره هو نشر الإرهاب، والفوضى في المنطقة بهدف تدمير بلدانها، وشعوبها، وحضاراتها – لا أدري إن كان الأستاذ هيكل يرى المشروع السعودي القطري جزء من نصف المشروع الإسرائيلي، أو مكملا له! ثم هناك مشروع بارزاني يهدف إلى إنشاء امبراطورية بارزان الكبرى التي تتقاسم كل منطقة الشرق الأوسط مع إسرائيل.

وهناك ثلاثة مشاريع أخرى، كبيرة جدا، أولها المشروع الأمريكي الأطلسي الذي يرمي إلى تفتيت منطقة الشرق الأوسط إلى عشرات، بل مئات الكيانات العرقية، والدينية، والطائفية، واللغوية، والعشائرية المتصارعة فيما بينها. وهذا المشروع هو في حقيقته امتداد للمشروع الإسرائيلي، وبالتالي فإن إسرائيل ليست صاحبة نصف مشروع في المنطقة، بل هي صاحبة مشروع ونصف مشروع. إن أي سياسي عربي، أو كردي، أو تركي، أو إيراني يظن أنه خارج حسابات المشروع الإسرائيلي الأمريكي الأطلسي لتفتيت دول المنطقة وتدميرها، فهو أحمق. وفي هذا المشروع الصهيوني بالذات يراد تقسيم الجزيرة العربية ليس إلى أربعة أو خمسة كيانات كما تظهر على بعض المواقع على الإنترنيت، بل إلى كيانات على عدد القبائل، والبطون، والأفخاذ الموجودة على هذه الجزيرة. وأنت تعرف، صديقي القارئ، أن شق المشروع الأمريكي الأطلسي المتعلق بجزيرة العرب ينتظر نضوب النفط هناك، فتفقد المنطقة قيمتها الستراتيجية النفطية، لتكتسب بهذا المشروع قيمة أخرى، فهي ستكون، من ناحية، معمل تفريخ للإرهابيين بطاقة انتاجية تفوق طاقتها الحالية بألف ضعف، بحيث تكون لدى أمريكا وفرة من الفراخ الإرهابية لذبحها في صراعها المستقبلي في إقليم الإيغور ضد الصين، ومن ناحية أخرى فإن الصراعات القبلية على الجزيرة ستكون داعسُ والغبراء لا شيء إلى جانبها، وسوف تؤدي إلى انقراض القبائل جميعها، وبالتالي إلى التخفيف من مشكلة تزايد السكان على الأرض، وإفراغ المنطقة وفتحها أمام هجرات شعوب أخرى. أما ثاني المشاريع الكبرى فهو المشروع الروسي الذي يناقض المشروع الإسرائيلي الأمريكي الأطلسي بكل تفاصيله، فهو يرمي إلى تقوية بلدان الشرق الأوسط، ودعم استقلاليتها، وجعلها حليفة لروسيا، وأيضا إلى تأمين الاستقرار في المنطقة. وأخيرا، صديقي القارئ، هناك المشروع الأهم من كل ما سبق ذكره، وهو مشروعي أنا وأنت والذي يرتكز على أسس متينة وراسخة يقوم عليها اتحاد شعوب المنطقة التي بينها من المصالح المشتركة والروابط ما لا تتوفر إلا لبعض الشعوب في مناطق قليلة في العالم، مثل أمريكا اللاتينية. سيأتي يوم يقوم فيه في منطقتنا اتحاد أكثر قوة ومنعة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وأكثر رفاهية منهما يتمتع فيها العرب والأتراك والأكراد والفرس وكل الأقليات بحياة كريمة، وآمنة، ومستقرة، ومثمرة. نحن سنتخلص من الأب القاسي، التاريخ، ونضعه وراءنا، تماما كما فعل عقلاء الأوروبيين عندما وضعوا وراءهم تاريخهم الدامي، وأنشؤوا اتحاد دولهم. أجيالنا القادمة ستكون حتما أذكى منا.

 

دعني الآن، صديقي القارئ، أجيب عن سؤالي، لماذا سأدافع عن تركيا. المشروع التركي، الذي يتحدث عنه الأستاذ هيكل، له شقان، الأول غير عقلاني يتعلق بحلم استعادة الامبراطورية، وهذا مرض معروف يصيب أبناء كل الأمم التي لها تاريخ امبراطوري مندثر، فكم من عربي ما يزال يهلوس عن امبراطورية يخاطب خليفتها الغيوم قائلا "أمطري حيثما شئتِ فأينما أمطرت تمطرين على أرضي"! أما الشق الثاني من المشروع التركي فهو عقلاني إلى أبعد الحدود، ويهدف إلى تحقيق استقلالية تركيا عن القرار الأمريكي الأطلسي! وهذا الشق الثاني هو ما يستحق الاحترام والدعم، وفيه الخير كل الخير لمنطقتنا لأنه سيجعل تركيا، بالفعل، حجرا من أحجار الزاوية في الاتحاد الذي نطمح إليه. وهو، بالذات، ما يجعل الشعب التركي عرضة للمؤامرة.

 

في الأوساط الصهيونية قلق دائم من وجود دولة تركيا القوية مستقلة تماما عن الإرادة الغاشمة لمحور الشر الإسرائيلي الأمريكي الأطلسي، وهذا المحور يفعل كل ما من شأنه إجهاض النزعة الاستقلالية عند الأتراك، بل إنها في سباق مع الزمن لمنع هكذا استقلالية، فتركيا موضوعة على جدول الأعمال لمشروع التفتيت الإسرائيلي الأمريكي الأطلسي، تماما كما كان العراق، لا يمنعهم من محاولة فعل ذلك إلا حاجتهم إلى تركيا موحدة كخط أمامي في مواجهة روسيا اليوم، كما كانت خط المواجهة مع الاتحاد السوفيتي بالأمس. انظروا إلى هذه الازدواجية في التعامل مع تركيا. تركيا عنصر أساسي في حلف الأطلسي، لكن تركيا غير مقبولة في الاتحاد الأوروبي مع أنها لها من عوامل القوة السياسية، والاقتصادية، والثقافية ما يجعلها أجدر بدخول هذا الاتحاد من العديد من دول "الخردة" التي كانت حتى الأمس القريب في الخندق المعادي للأطلسي، وهي الآن عالة على الاتحاد الأوروبي.

 

المشروع الإسرائيلي الأمريكي الأطلسي فشل، أو يكاد، في شقه المتعلق بتفتيت إيران والعرب، وأحد الأسباب الرئيسية في هذه الفشل هو أن العقل الأمريكي الغبي كان قاصرا عن إدراك حجم طاقة المقاومة لدى العرب والإيرانيين، فاستهان بهذه الطاقة وبالقدرة على استخدامها، مع أنه جمع لها كل خدمه وعبيده من العرب، تحت يافطة "الربيع العربي". أما السبب الرئيسي الآخر في فشل تفتيت إيران والعرب، فهو الرد الماحق الذي جاء من الإيرانيين والعرب عندما دمجوا مشروعهم في مشروع واحد تجلى في التحالف بين سورية وإيران، وبروز حزب الله كقوة ضاربة في المنطقة. أما السبب الرئيسي الثالث في الفشل الإسرائيلي الأمريكي الأطلسي، فهو قيام محور الشر هذا بتحويل جزء كبير من جهوده الستراتيجية إلى مشروع تفتيت تركيا. محور الشر اعتبر أن تفتيت العرب صار في حكم المنتهي، ولا يحتاج منهم إلى كبير عناء لأن العرب أنفسهم يتولون ذلك، فهناك السعودية وقطر المزبلتان اللتان تنتجان الذباب الإرهابي، وهما بنك تمويل الإرهاب، وتدمير سورية لا يستلزم حتى التضحية بجندي أمريكي أو إسرائيلي، فالسعوديون يفطسون هناك لإنجاز المهمة. ولهذا فإنهم سارعوا إلى البدء بمشروع تفتيت تركيا.

 

في نظر محور الشر فإن مصير تركيا في أيديهم هم، وهم كانوا أصلا يريدون تفتيتها في الحرب العالمية الأولى لولا أن روسيا فاجأتهم بثورتها البلشفية ثم بقيام الاتحاد السوفيتي الذي استدعى الإبقاء على دولة تركية قوية عسكريا كخط أمامي في مواجهة الخطر الأحمر. وهم يعملون منذ سقوط الاتحاد السوفيتي على إيجاد بديل عن تركيا يجعلهم قادرين على التعامل معها على أساس آخر غير كونها خط المواجهة. إنهم منزعجون إلى أقصى الحدود من كونهم معتمدين على هذا الدور الأساسي لتركيا في مواجهة روسيا.

 

صديقي القارئ، كي تفهم زعمي بأن تركيا تتعرض إلى مؤامرة إسرائيلية أمريكية أطلسية، تماما كشقيقاتها في الشرق الأوسط، أرجو منك، الآن أو بعد أن تفرغ من قراءة المقال، إلقاء نظرة على خارطة المنطقة المحيطة بالبحر الأسود. تمعّن في موقع تركيا وتماسها مع روسيا، وسابقا الاتحاد السوفيتي، وعد معي بالذاكرة إلى عام 2008 عندما لعبت جورجيا بذيلها إزاء روسيا، وتذكر رد الفعل الغاضب لروسيا تجاه التصرف الجورجي، وكيف أن روسيا دخلت في جورجيا  من أجل حماية أوسيتيا الجنوبية، وجعلتها مستقلة عن جورجيا. ذلك لم يكن حدثا معزولا، لا من جانب جورجيا ورئيسها العميل لأمريكا، ولا من جانب روسيا. ثم تمعن، صديقي القارئ، في الخارطة من جديد، وهذه المرة انتبه إلى أوكرانيا. ستتيقن أن الهدف الأمريكي الأطلسي الصهيوني الأساسي من انقلاب أوكرانيا كان متمما لما حصل في جورجيا قبل ذلك بست سنوات، إذ ترى الحزام الذي يتشكل من جورجيا وأوكرانيا حول روسيا. إن وجودهما في الاتحاد الأوروبي وفي حلف شمال الأطلسي سيجعل الحلف العدواني في وضع يخنق فيه روسيا تماما. ولهذا ستوافقني بلا شك أن فلاديمير بوتين قائد عبقري عدا عن كونه قوميا روسيا مخلصا، فهو باقتطاعه القرم من أوكرانيا قلب المعادلة، فبدلا من أن يصبح محاصَرا من قبل عدوه، صار بفضل القرم محاصِرا له. ولكن، لماذا فتح محور الشر الجبهة الأوكرانية قبل أن ينتهي من الجبهة السورية؟ قد تقول لي إنه فعل ذلك للضغط على روسيا وإجبارها على التخلي عن سورية. بالتأكيد، ولكن ليس فقط لذلك. هناك هستيريا أمريكية أطلسية إزاء تعثر محاولتهم تحويل أوكرانيا إلى قلعة أمامية لحلف الأطلسي. لقد أقاموا الدنيا ولم يقعدوها. أعلنوا حربا اقتصادية على روسيا، وعادت الحرب الباردة. لماذا كل هذه الهستيريا وهم لديهم تركيا التي تؤدي دورها في حراسة أوروبا منذ تسعة عقود؟ هل المسألة تتعلق بمجرد رغبة بتقديم خط المواجهة جغرافيا إلى موقع أقرب إلى الأراضي الروسية؟ قطعا لا.

 

لو أن ضم أوكرانيا إلى حلف الأطلسي كان قد تحقق لمحور الشر فإنه كان سيفرز وضعا ستراتيجيا جديدا ملائما لخططهم الجهنمية، بالنسبة إلى تركيا أيضا. الهدف ليس فقط إحاطة الروس بخط جديد للمواجهة، بل وأيضا التخلص من الاعتماد على تركيا، وسلبها قيمتها الستراتيجية بجعلها وراء خط المواجهة مع الروس، فيصبح مشروع التفتيت فيها ممكنا، دون الخوف على سلامة حلف الناتو، خاصة أنهم كانوا يفترضون أنهم انتهوا من تفتيت العرب. محور الشر الأمريكي الأطلسي الصهيوني يريد تدمير تركيا، عاجلا أو آجلا. وتنبه، صديقي القارئ، إلى أن السعودية وقطر تشاركان في هذا المشروع. الضباع تتآمر عل الذئب.

 

أعتقد جازما أن الساسة الأتراك كان لديهم دائما مثل هذا الهاجس بأن إضعاف مكانتهم في الحلف الأطلسي ستكون له عواقب خطيرة، وهم استجابة لهواجسهم من قبل ظنوا أن وجود أنظمة إخوانية حولهم من الجنوب سيعطيهم أوراقا قوية، وسيجعل وضعهم أمتن وأقوى. وهم يدركون يقينا معنى أحداث أوكرانيا. أنت على حق إن قلت لا، بل إن تركيا بسياساتها غير المتوازنة في المنطقة كانت ترمي إلى تحقيق الشق غير العقلاني من مشروعها – عودة الامبراطورية، فاسمح لي أن اقول .. ألم يكن هذا هو وضع صدام حسين عندما كان يتوهم أنه يعيد أمجاد القعقاع والقادسية بينما كانوا هم يخططون لتفتيت العراق؟ الفارق هو أن صدام كان ساذجا، ولا أظن أن ساسة تركيا سذّج. على أية حال، الاستقلال التام عن حلف الشر حلم مشروع، وأنا سأكون في خندق الشعب التركي المقاتل لتحقيقه، وهو هدف ينبغي لتركيا فصله عن أهواء الحلف الأطلسي وخططه تجاه روسيا. ثم إن مثل هذا الهدف النبيل يفترض التعامل مع دول العرب على أساس احترام استقلالها، تماما مثلما تفعل روسيا، لأن من يريد إسقاط دول العرب هو نفسه الذي يخطط لإسقاط الدولة التركية.

 

أنا سأدافع عن تركيا لأني لا أريد أن أرى في اسطنبول ما رأيته في المدن السورية، مثلما دافعت عن سورية لأني لم أكن أريد أن أرى في المدن السورية ما مزق قلبي في المدن العراقية.

 

‏24‏/12‏/2014