الحرب الأوكرانية ومشهدية الصراع والمصالح!


بقلم.. ربا يوسف شاهين

طبيعة الصراع المحتدم في العالم قائم على عدة فرضيات، تم ابتداعها وفقاً لمتغيرات ظهرت على الساحة الأوروبية، فيما يتعلق بالوقائع التي فرضتها نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتحديداً الحرب العالمية الثانية عام 1939، على الرغم من أن الحرب العالمية الأولى، وعبر صراعاتها، تولت نشوب الحرب العالمية الثانية.

وها هي تُعاد المشهدية لما قبل الحروب العظمى من قبل بعض الدول التي أسست لجميع الحروب السابقة، وبدأت باستغلال بؤر الصراع للأقليات الدينية والمذهبية في كل بقعة من بقاع الأرض.

في سوريا التي ما زالت تُعاني من ويلات الإرهاب، والوجود الاحتلالي في الشمال الغربي والشرقي من الجغرافية السورية، حيث تم استخدام الكرد السوريين، كملف ضاغط ما زال يُستثمر حتى الآن، من قبل الداعم والمستغل كالنظامين التركي والأمريكي، وضمنا الميليشيات التابعة لقسد.

إستراتيجية الحروب تتناقل، ولعل الحرب على سوريا شكلت منعطفاً للدول الغربية المشاركة في صنع هذا الإرهاب، لنقل الجزئية المختصة بحرب العصابات إلى أوكرانيا، والهدف هو إضعاف روسيا الاتحادية، ورئيسها فلاديمير بوتين، لأن من أهم نتائج الحرب على سوريا، تحقيق معادلة قوة وزيادة في عمق التحالف الروسي السوري.

في سوريا كل تفاصيل الحرب الإرهابية، تُعاد هندستها في أوكرانيا، من اتهامات باستخدام المواد الكيماوية من قبل الجيش الروسي، إلى القتل والإجرام بأبشع الأساليب، إلى الفبركات الإعلامية التي تُزور الحقائق على الأرض الأوكرانية، واتهام الجيش الروسي بجرائم حرب.

وما بين سوريا وروسيا قواسم مشتركة في العقلية السياسية التي تحترم القوانين والمواثيق الدولية، ولا ترضى بانتهاك أمن الدول لمجرد حسابات خاصة ببعض من يدعون الديمقراطية، كالولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، ولـ دمشق وموسكو كل الحق في الدفاع وحتى الهجوم في حال الاعتداء على أمنهما وأرضهما.

وكما الحرب على سوريا، فإن الحرب بين روسيا وأوكرانيا تُظهر حجم تباين المصالح الجيو- سياسية في منطقة أوروبا الشرقية، ما بين الرفض والقلق من تداعيات الوقوف المحايد من العملية العسكرية الروسية، فيتم تشكيل جبهة دولية تتوزع على مختلف جغرافية العالم، لتحقيق ضغوطات سياسية ممنهجة وفق أحداث الساعة الراهنة فمثلا:
الكيان الصهيوني الذي يعتبر أهم حليف للغرب في المنطقة، اتخذ موقفاً من الحرب في أوكرانيا، يضمن به العلاقات مع جميع الجهات المتصارعة وخاصة روسيا، لمنع أي انزلاق قد يؤدي إلى خسارة الاتفاق الأمني والعسكري معها، ناهيك عن عدة عوامل قد تؤثر على اليهود من أصل روسي المتواجدون في فلسطين المحتلة، والذين قد يعارضون ما تقوم به إسرائيل من ادعاءات بحق وطنهم الأم. فبحسب GBS إن 53٪ من المهاجرين إلى الأراضي الفلسطينية يأتون من الاتحاد السوفيتي السابق.

وعلى الرغم من محاولة الكيان الصهيوني استغلال الحرب الأوكرانية، لصرف الانتباه عما يجري في فلسطين المحتلة من انتهاكات للمسجد الأقصى والقدس الشريف، وما تبعه من مقاومة شعبية كبيرة في فلسطين وإفشال المحاولات لتدنيس حرم المسجد الأقصى، إلا أن موسكو أدانت موقف الكيان الصهيوني باحتلال الضفة الغربية، وحصار قطاع غزة، حيث قالت الخارجية الروسية “من اللافت للنظر أيضا، أن أطول احتلال في تاريخ العالم منذ الحرب العالمية الثانية تم بتواطؤ ضمني من الدول العربية وبدعم حقيقي من الولايات”.

وبدوره تتغير حدة التصريحات لتغدو متوافقة مع واشنطن فيقول وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد: “هجوم روسيا على أوكرانيا انتهاك خطير للنظام الدولي وإسرائيل تدينه”. وتصوت تل أبيب لصالح تعليق عضوية موسكو في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

وبالتالي في خضم السباق السياسي والعسكري المحتدم لتحقيق المرجو امنياً، يبدو أن العلاقات الإستراتيجية المتغيرة ستشكل واقعا مختلفاً تستطيع به الدول صاحبة الحق السياسي والعسكري من إجبار الكيان على خلع الأقنعة المتلونة، والابتعاد نحو مكانه الحقيقي في حضن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، اللتان أسسا لخراب الشرق الأوسط منذ ما قبل 1920، وكل من يقف بوجه مخططاتهم الاستعمارية الفكرية والواقعية.
‎2022-‎05-‎14