توازن الردع والوصاية على المسجد الأقصى!

 سعادة مصطفى أرشيد*

استطاعت غزة بإدارة وقيادة الشيخ يحيى السنوار، القضم من ولاية السلطة الفلسطينية على أرجاء من الضفة الغربية، ومصادرة حضورها المتواضع في القدس والضفة، وفي مواجهة حكومة الاحتلال بالتهديد والوعيد الذي أثبت مقدرة ومصداقية، بهذا أدارت غزة والسنوار معادلة توازن رعب وردع، وكان السنوار في خطابه الأخير بليغاً وصوته هادراً في تثبيت قواعد الاشتباك، وعقب اجتياح المستوطنين للمسجد الأقصى ورفعهم الأعلام بحماية الشرطة (الإسرائيلية)، جاء الردّ سريعاً بعملية المزيرعة (إلعاد) التي قتلت ثلاثة (إسرائيليين).

 

غزة والسنوار استطاعا أيضاً ممارسة الوصاية على القدس والمسجد الأقصى والقضم من الدور الأردني، ولكن لاحقاً تمّ قضم كامل الدور الأردني وذلك إثر تصريحات بينيت والتي رفض فيها أيّ دور للأردن في القدس أو في المسجد الأقصى، معتبراً أنّ أيّ قرارات بخصوص (جبل الهيكل) وهو التسمية العبرية للمسجد المقدس، ستتخذ من قبل (إسرائيل) التي اعتبرها بينيت الطرف السيادي الشرعي والوحيد في «عاصمة إسرائيل الموحّدة والأبدية» والتي لن تأخذ في حساباتها أية رغبة أجنبية. الردّ الأردني تأخر قليلاً ولكنه صدر في النهاية ببيانين نمطيين عن وزارتي الأوقاف والخارجية في عمّان، أدان البيانان التصريحات (الإسرائيلية) باعتبارها خروجاً عن تفاهمات سابقة واعتداء على شرعيات وحقوق، لكنها لا تدعمها قوة الأمر الواقع التي لا بدّ أن تحاول فرض كامل رؤيتها، عوداً على بدء، بهذا تكون المعركة حول القدس والأقصى قد أصبحت ثنائية بين غزة و«تل أبيب»، ما لم تجد الأردن آليات للمحافظة على شيء من وصايتها. هذا ولا يزال الأردن يحدوه شيء من الأمل عله يستطيع عند زيارته للبيت الأبيض يوم غد الجمعة ولقائه مع الرئيس الأميركي إقناعه بشيء من مطالبه في القدس، يعترض ذلك ما كانت الإدارة الأميركية السابقة قد اعترفت به وذلك بانّ القدس الموحدة عاصمة (إسرائيل) وأخذت قراراً بنقل سفارتها من «تل أبيب» للقدس، وكذلك قّررت إغلاق قنصليتها في القدس الشرقية الموجودة منذ عام 1844.

 

اثر العملية الأخيرة تصاعدت أصوات (إسرائيلية) تطالب بالثأر والانتقام، كثير منها طالب بقتل السنوار، وذهب من هم أكثر تطرفاً وغضباً للمطالبة بإيذاء أسرته وقصف منزله، ومن هؤلاء شخصيات برلمانية وعامة ومنها صحافيون .

 

سبق (للإسرائيلي) وفي ظروف حرب أن جرّب أسلوب الاغتيال، الذي أدّى إلى استشهاد قيادات كبيرة من حماس كالشيخ أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي، فهل تلجأ إلى هذا الأسلوب في ظروف اشتباك يتمّ الآن وفق قواعد رياضة التنس، ضربة ثم أخرى مقابلة؟

 

هذه الدعوات الانفعالية الغاضبة قد يلبّيها صاحب القرار (الإسرائيلي) رضوخاً للضغط الشعبي وإرضاء للأصوات الانتخابية، إلا أنّ تقديرات الأمن والجيش تذهب في اتجاه آخر، إذ ترى في السنوار قائداً استطاع ممارسة سياسات تعتمد على حسابات ذكية ودقيقة، فبعيداً عن خطابات الحماس وتشكيل صورة قائد جماهيري، فهو يرفض الرضوخ لضغوط تهدف إلى رفع وتائر المقاومة بشكل أكثر عنفاً، واستبدلها في مرحلة سابقة بحشد أعداد كبيرة على الحدود وإطلاق البالونات الحارقة الأقلّ عنفاً وإيذاء ولكن أكثر إزعاجاً، وهو يريد إطلاق الصواريخ بأعداد محسوبة وفق طبيعة الحدث التي قد تصل إلى الرقم 1111 الذي سبق له إعلانه على شكل أحجية في البداية، وهو لن يتردّد في اللجوء إليه ولكن عندما يفقد بدائل العمل بما هو أقلّ من هذا الرقم، أو حتى بدون صواريخ كما جرى في الردّ على اقتحام المسجد الأقصى إذ جاء الردّ بالبلطة في المزيرعة (إلعاد)، تشير بعض التقارير الأمنية المنشورة في الصحافة العبرية أن لا علاقة مباشرة للنخالة والسنوار في العمليات الأخيرة، وأنّ دوريهما اقتصر على التعبئة النفسية لجيل جديد لا التخطيط والتوجيه. السنوار قادر على استيعاب ضرورات الجغرافية في علاقته مع مصر، وعلى الحفاظ على علاقته بإيران لحاجات سياسية وتكنولوجية وتسليحية ومالية، لذلك فهو يسير بثقة وثبات على خيط رفيع .

 

قد تستطيع (إسرائيل) اغتيال الشيخ السنوار، لكن ذلك لن يكون بالأمر السهل إلا أنه غير مستحيل، السؤال الذي يطرح في أوساط صنّاع القرار في تل أبيب: ماذا بعد اغتيال السنوار؟ والاغتيال بالطبع سيقتصر على الشخص لا على المشروع والفكرة، في زمن بعيد قتلت (إسرائيل) الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، فجاء بعده الدكتور رمضان شلح، وعندما توفي أو استشهد ورثه القائد الحالي زياد النخالة الأكثر قرباً من إيران، وقتلت الشهيد السيد عباس الموسوي قائد حزب الله المعروف كشخصية عسكرية وعقائدية متشدّدة، فخلفه السيد حسن نصرالله صاحب العقل السياسي الاستراتيجي الذي استطاع نقل المقاومة نقلات نوعية في السياسة كما في المجال العسكري وأنهى زمن الهزائم وفتح الباب واسعاً لزمن الانتصار، وأصبحت أقواله موثوقة حتى لدى (الإسرائيليين) الذين يثقون بأقواله أكثر من ثقتهم بأقوال رؤساء حكوماتهم ووزراء أمنهم .

 

فهل ستقدم (إسرائيل) على هذه الخطوة؟ وهي لا تعرف من سيرثه، وإنْ كان وريثه سيكون أكثر تشدّداً وقرباً من إيران، أم انه سيذهب باتجاه قطريّ تركيّ، ينسجم مع استدارة أردوغان الأخيرة والتي سيختمها بزيارته القريبة إلى بلاد رابعة (مصر).

 

تأثير الاغتيال سيبقى محدوداً ـ إنْ حصل ـ ولن يضعف منظمة بلغت من العمر والتجربة ما بلغت حماس التي لطالما كانت قادرة على امتصاص ضربات كهذه.

 

قبل الختام وقد استشهدت الصحافية الطيّبة شيرين أبو عاقلة، بعملية اغتيال تمثل جريمة كاملة الأركان صباح أمس الأربعاء، الأمر الذي إنْ دلّ على شيء فإنما يدلّ على أنّ هذا المجرم قد فقد قدرته على الحساب، ويؤشر على حالة الارتباك والعجز في التعامل مع الأحداث، شيرين في ذمة مخيم جنين وفلسطين.

*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة.

‎2022-‎05-‎13