العامل المكتئب كظاهرة اجتماعيّة في المنظومة الرّأسماليّة!

تعريب: لينا الحسيني

وفقًا لمنظمة الصّحة العالميّة، تُشير التقديرات إلى أنّ الاكتئاب يصيب أكثر من 300 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، وأنّ حوالي 800000 شخصٍ ينتحرون كل عام، وأنّ 78٪ من حالات الانتحار تحدث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. الانتحار هو السبب الرئيسي الثاني للوفاة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا.

يشمل الاكتئاب أعراضًا مثل فقدان المعنى في الحياة، والتثبيط، واليأس، والشعور بالفراغ، والتعاسة، والضيق المنتشر الذي لا يمكن تحديده، وعدم الاهتمام بالرعاية الذاتية والأنشطة التي كانت مجزية في السّابق، والأرق أو فرط النوم، والتعب أو فقدان الطاقة والصداع واضطرابات الأكل وصعوبة التفكير والتّركيز والقلق والشعور بالذنب وعدم القيمة والمعاناة العميقة التي لا يمكن السّيطرة عليها، ما يؤدي إلى التخلي عن العمل أو الدراسة، والنزاعات الزوجية والأسرية، وإدمان الكحول والمخدرات؛ وصولاً الى الانتحار.

يُعد مصطلح الاكتئاب من المحرّمات التي يتوجب مواجهتها سرًا، وبشكل فردي كما لو كان سمة فرديّة!

ليس من قبيل المصادفة أن الاكتئاب وعواقبه، مثل الانتحار، قد أصبح أحد الأمراض الرئيسية في القرن الحادي والعشرين، وأحد الأسباب الرئيسيّة للوفاة، خاصّة بالنسبة إلى قطاع عريض من الشباب العاملين الذين تحطمت آمالهم في التّمتع بحياة كريمة نتيجة ظروف العمل -إن وّجد- المزرية.

للاكتئاب جذور متعددة مثل الوراثة العائلية والتاريخ النفسي. ومع ذلك، فإن العامل الاجتماعي حاسم في إطلاقه وديمومته. كما أوضحت آنا ماريا فرنانديز في كتابها “الشباب ذوو الحياة الرّماديّة”، لا يمكن عزل السياق الاجتماعي الذي يجعل من المستحيل على الشباب التخطيط لمستقبلهم، كما فعلت الاقتصادات النيوليبرالية.

 لا يمكن تفسير مثل هذه الظروف دون فهم نمط الإنتاج الرأسمالي، الذي يسعى إلى زيادة أرباحه من خلال عدم استقرار وإفقار حياة الطبقة العاملة.

 تظهر البيانات، حالات يكون فيها الوضع الاجتماعي سببًا رئيسًا للانتحار، كما حدث في عام 2012 مع ديميتريس كريستولاس، المتقاعد البالغ من العمر 77 عامًا والذي انتحر أمام البرلمان اليوناني. ترك في جيبه كتب فيها:

“لقد قضت الحكومة على أي فرصة لي للبقاء على قيد الحياة. كنت أستند إلى معاش تقاعدي لائق للغاية، حصيلة تعبي وحدي لمدة 35 عامًا. وبالنظر إلى أن عمري المتقدم لا يسمح لي بالرد بطريقة أخرى، على الرغم من أني سأدعم أي زميل يوناني سيقوم بسحب بندقية كلاشينكوف للدفاع عن حقه. لا أرى أي حل آخر سوى إنهاء حياتي بهذه الطريقة. يجب أن أفعل ذلك حتى لا أضطر إلى البحث في القمامة من أجل البقاء على قيد الحياة. أعتقد أن الشباب الذين ليس لديهم مستقبل سيحملون أسلحتهم يومًا ما ويصعونها في أفواه خونة هذا البلد في ميدان سينتاغما، كما فعل الإيطاليون مع موسوليني في عام 1945.

تظهر الرأسمالية أعمق همجية ضد الطبقة العاملة ككل على المستوى الدولي. ولهذا نقول: حياتنا أغلى من أرباحك!

يُنظر إلى الاكتئاب في الطب النفسي من وجهة نظر بيولوجية وفردية وغير تاريخية وغير اجتماعية، تفترض مسبقًا حدوث تغيير كيميائي حيوي في الدماغ.

يساهم هذا المفهوم في حقيقة أن أولئك الذين يعانون من هذا المرض بصمت، ويعزلون أنفسهم عن العالم الخارجي؛ علاوةً على ذلك، فهو يقوّي فكرة أنّها مشكلة فرديّة وليست اجتماعية.

 بشكل عام، علاج هذه الحالات يعتمد على الأدوية التي يصفها الطبيب بسريّة، والتي تراكم أرباح صناعة الأدوية. تهدف هذه الإجراءات فقط إلى تغطية الشمس بالمنخل وتوفير حل ملطف للأعراض، لكنها لا تصل إلى جذر المشكلة.

يتزايد استعمال الأدوية المضادة للاكتئاب في سن مبكرة، سواء في حالة اكتئاب الطفولة أو الأرق أو فرط النشاط، فتجني المنظومة الرأسمالية الأرباح من بيع الدواء، ومن تحويل العمال الى كائنات سهلة الانقياد وأكثر إنتاجيّة.

من الضروري بناء وتقوية روابط التضامن بين العمال، بحيث يكون الأفراد أفضل تسليحًا عقليًا ونفسيًا لمواجهة هذه الظروف. إن أي حل لا يسعى إلى إحداث تحول جذري في المجتمع سيكون عاجزًا في مواجهة المشكلة التي تنطلق من هشاشة الحياة والتي تجردنا من الرغبة ومعنى الحياة.

المصادر:

Ana Ma. Fernández, Jóvenes de vidas grises: psicoanálisis y biopolíticas

Lilia Esther Vargas (comp.), Lecturas de la depresión.

اللّوحة:

Pin on Otto Griebel

Otto Griebel (1895-1972), L’Internationale,1928.

‎2022-‎05-‎01