هل انتصر كاغواريان؟

حياة الحويك عطية


في الثالث عشر من أغسطس/آب 2006 صدرت صحيفة "غرانما" الكوبية بعنوان رئيسي: "ونهض كاغواريان" (*)، كان الغرب كله يتوقع موت فيديل كاسترو، ولكن الرجل نهض وقرر نقل السلطة إلى أخيه راؤول . تصاعدت الأسئلة التي كانت تشغل العالم منذ عشر سنين: هل ستختلف كوبا مع الرئيس الجديد عنها في عهد البطريرك؟


كارلوس غويتيريز وزير التجارة الأمريكي استل سلاحه مصرحاً: "لقد دقت ساعة الانتقال إلى تغييرات ديمقراطية مع انتقال السلطة" . يليه طوني سنو الناطق باسم البيت الأبيض قائلاً: إن "حكومته مستعدة لأن تقدم أية مساعدات إنسانية واقتصادية ومن أي نوع لكوبا"، وهذا ما أكده جورج بوش الابن، في حين أعلنت "لجنة العمل لأجل كوبا حرة" التي ترأسها كوندوليزا رايس "أنه يجب العمل بكل الوسائل كي لا تنجح استراتيجية انتقال السلطة في كوبا"، ويعود بوش ليؤكد أن "هذا يبرهن على أننا نعمل بحيوية لأجل هذا الهدف ولن نرتاح إلا إذا تحقق"، فيما تقول وزارة الخارجية إن الخطة تتضمن بنوداً يجب أن تظل سرية لأسباب أمنية ولضمان نجاحها .


وجاء الرد على هذه التصريحات ببيان وقعه ووزعه أكثر من ستمئة وخمسين كاتباً ومفكراً وسياسياً أمريكياً وأوروبيا، بينهم العديد من حملة "نوبل"، اختتموه بالقول: "ليس من الصعب أبداً تخيل ماهية هذه المساعدة وهذه الخطة، في ضوء عقلية التدخل العسكري التي تسود الإدارة الأمريكية الحالية، وفي ضوء ما حصل في العراق . وازاء هذا التهديد المتنامي إزاء سيادة أمة وإزاء أمريكا اللاتينية كلها، والعالم، نطالب الولايات المتحدة الالتزام باحترام سيادة كوبا، وعلينا بأي ثمن أن نمنع عدواناً جديداً"

.
في الوقت نفسه كان هوغو شافيز يكشف عن تفاصيل خطة أمريكية لغزو فنزويلا حملت اسم "بالبوا" . احتدت التصريحات وأطلقت فنزويلا تهديدين خطرين: الأول بوقف شراء الأسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية، والتوجه بدلاً من ذلك نحو الصين . توجه لم يتوقف على الكلام، بل تعدى إلى توقيع اتفاق إنشاء مفاعل نووي مع بكين وإرسال فنزويليين إلى الصين للتدرب عليه . وعندما منعت واشنطن إسبانيا من بيع طائرات إلى كاراكاس، ردت الأخرى بأنها ستعطي ما تملكه من طائرات "إف 16" إلى الصين وتأخذ بالمقابل سلاحاً صينياً . التهديد الآخر تعلق بالنفط، حيث هدد شافيز بوقف المصافي الفنزويلية في أمريكا، وردت واشنطن باتهامه بأنه يستعمل أموال النفط لتمويل أنشطة وجماعات مناهضة للديمقراطية .

وبدأت الإعداد لخطة لغزو البلاد، خطة لا تذكرنا إلا بعملية خليج الخنازير ضد كاسترو، وعندما هدد شافيز واشنطن بأنها لن تجد، إذا ما أصرت على مغامرتها الجنونية، بحسب تعبيره، إلا حرباً شعبية، ومقاومة ستمتد مئة عام في كل القارة الجنوبية، ذكرنا بتصريح كاسترو يوم غزو خليج الخنازير: "ليأتي الأمريكيون وسيجدونني أول من يلاقيهم على الشاطئ مع بندقية عادية، لأن العمر محدود، وليكتشفوا أن موتي لن يغير شيئاً من مقاومة الشعب الكوبي" . كما يلتقي مع ما قالته شابة كوبية لصحفي أجنبي قبل أشهر: "فيديل هو كرامتنا، ولكن لم يكن بمقدوره أن يفعل شيئاً من دوننا، لأجلهم ولأجلنا من الأفضل للأمريكيين ألا يفكروا مرة أخرى بغزو الجزيرة إذا ما ذهب فيديل، ولكن لو فعلوا ها نحن جاهزون"

.
الغزوان لم يحصلا . وها هو الرئيس أوباما يعلن بعد ثماني سنوات استجابته لنصيحة راؤول كاسترو يوم تولى السلطة: "أنا واحد من أولئك الذين يعتقدون أنه من مصلحة السلطة الإمبريالية أن تحاول، رغم الخلافات العميقة معها، تطبيع العلاقات بقدر الإمكان أثناء حياة فيديل" . واستطرد فيما بعد قائلاً: "سيصبح الأمر أكثر صعوبة" . وإذا كان ذلك قد يبدو من باب المناورة السياسية، فإنها مناورة قد نجحت بفضل ثلاثة عوامل: صمود كوبا أولاً، أفقها الأمريكي اللاتيني الذي تحول إلى حكومات حليفة لها أو قريبة منها، والتحولات الدولية، خاصة أن الرئيس الجديد راؤول هو الصديق التاريخي للصين والمدعوم منها، إضافة إلى عنصر ثالث لا يمكن إنكاره، وهو توجه الثورة الكوبية نفسها إلى شيء من المرونة السياسية والاقتصادية لعل من نماذجها استقبال هافانا للبابا، وتراجعها، وبمرارة، عن رفض التسويق السياحي والاعتراف عملياً بجاذبية السياحة الغربية ومحاولة تطبيقها في كوبا . فهل سيكون الأفق الجديد انتصاراً لشجرة كاغواريان، أم بداية لتقليمها وتحولها إلى شجرة لا تترفع عن السوق؟


كل الأحلام، البسيط إلى العظيم منها، يتجه مسارها إلى ثلاثة: إما التحطم على صخرة الواقع، وإما التنازل والتراجع المهينين، وإما التحقق الجزئي والتكيف الجزئي مع هذا الواقع، في براغماتية سياسية تتحدد قيمتها بين الميركانتيلية المكيافيلية، والذكاء الصامد المرن، بمدى ما تستطيع أن تحصر تكيفها بعيداً عن الأساسيات، وبقدر ما تنجز تحققها في الحفاظ على الكرامة والسيادة الوطنيتين، على استقلال القرار الوطني وعلى القيم العليا للشعب .

* الكاغواريان شجرة كوبية لها دلالة السنديان أو النخل في تراثنا .

‏23‏/12‏/2014