فلسطين بحاجة إلى اهتمام فوري لدرء أزمة الغذاء الكبرى
رمزي بارود ترجمة: غانية ملحيس
ترجمة لمقال د.رمزي بارود نشره في موقع” Counter punch “بتاريخ 22/4/2022، يعرض فيه المشكلة الأكثر إلحاحا في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، والتي تفاقمت بسبب الحرب الروسية – الأوكرانية. لكنها عميقة الجذور ، وتتمثل في “النقص الخطير بالمواد الغذائية الرئيسية والارتفاع الحاد في أسعارها” ويخلص بالقول بأن”هذا هو التهديد الوجودي الحقيقي”.

معلوم أن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني يتحمل المسؤولية الأساسية عن الازمات الفلسطينية المتلاحقة، ذلك أنه يحتكم لمبدأ استعمار أرض فلسطين وإبادة وتهجير ما أمكن من شعبها الفلسطيني الأصلاني خارجها، عبر الحروب التدميرية المتتابعة. وتجزئة ومحاصرة من يتبقى من أبنائه بمعازل سكانية متفرقة، تفتقر إلى مقومات البقاء الذاتي، لإجبارهم على مقايضة احتياجاتهم المعيشية بحقوقهم الوطنية.

ومعلوم ،أيضا، أن الشعب الفلسطيني مصمم على بلوغ حقوقه الوطنية والتاريخية الثابتة غير القابلة للتصرف ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير على أرض وطنه. وما تزال أجياله المتتابعة تواصل النضال للعقد الثامن على التوالي لإيمانها اليقيني بتفوق قوة الحق على حق القوة مهما طال الزمن وعظمت التضحيات. ولا يخيفها التفوق الهائل للعدو الصهيوني في موازين القوى، لوعيها المعرفي بدلالات التاريخ الإنساني المدون الحافل بعشرات الأمثلة لانتصار الشعوب المناضلة على مستعمريهم رغم الفوارق الهائلة التي تفصلهم في موازين القوى .

ما يثير قلق الشعب الفلسطينى جمود وعجز نظامه السياسي الفصائلي، وتقاعس نخبه المتغربة عن مواكبة النضال الجماهيري بفعل مسؤول، أقله في مجال إدارة شؤونه الحياتية وتوفير مقومات الصمود المقاوم . والإمعان بالمراهنة على الغير، رغم طول التجربة الحسية الفلسطينية بالتآمر الغربي عموما والأمريكي خصوصا، والتواطؤ العربي الرسمي، وعجز النظام الدولي.

وما يثير خوف الشعب الفلسطينى أن قطبي النظام السياسي الفلسطيني، يفاقمون الوضع سوءا بخياراتهم الخاطئة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وتداعياتها التدميرية . التي تراهن في السياسة على أعداء الشعب الفلسطينى وأصحاب المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني ورعاته في إيجاد الحلول لقضيتهم. وعلى إنصاف النظام الدولي الذي يحتكم لموازين القوى في تحقيق العدالة لشعبهم.

وفي المجال الأمني على التنسيق الأمني الأحادي والتفاهمات الأمنية مع العدو للجم المقاومة الفلسطينية .

وفي المجال الاقتصادي على حفز النمو الاقتصادي بزيادة الطلب الاستهلاكي عوضا عن تشجيع نمو العرض من المنتجات الوطنية الأساسية السلعية والخدمية. وفي السياسات الانتاجية على إعطاء الأفضلية للقيمة المضافة للسلع التصديرية/ الزراعية والصناعية/ على حساب تحقيق الأمن الغذائي وتلبية احتياجات الاستهلاك المحلي. وفي السياسات التشغيلية على أولوية التوظيف الحكومي وانفتاح سوق العمل الاسرائيلية على حساب توسيع القاعدة التشغيلية للاقتصاد المحلي. وفي السياسات التجارية على محاباة الوكالات للشركات الأجنبية على حساب تسويق المنتجات المحلية. وفي السياسات المالية على تمويل عجز الموازنة بزيادة عجز الميزان التجاري. وفي السياسات الضريبية على محاباة الأثرياء والتغاضي عن تهربهم الضريبي، واعتماد الهوامش التصاعدية المحدودة في ضرائب الدخل ، وتقليص الاعتماد على الضرائب المباشرة وزيادة الضرائب غير المباشرة / ضريبة المبيعات / فتساوي بين المكلفين رغم اتساع الفجوات الطبقية وتسارع تناميها. وفي السياسات المصرفية على اعطاء الأولوية للتسهيلات الائتمانية قصيرة المدى للقطاعات التجارية والاستهلاكية والرهن العقاري للموظفين بضمان رواتبهم ، والابتعاد عن الاستثمار متوسط وطويل المدى في القطاعات الانتاجية والبنى التحتية.

وفي المجال التعليمي على إيلاء الأولوية للكم على الكيف، وإغفال مدى ملاءمة مخرجات التعليم لاحتياجات سوق العمل المحلية. وفي السياسات الصحية الاعتماد على شراء الخدمات من الخارج على حساب تطوير المؤسسات الصحية العامة المحلية. وإهمال قطاع النقل العام الذي تحتاجه الغالبية الساحقة من الشعب.

جميع هذه السياسات الخاطئة لا علاقة لها بالاحتلال، وإنما باغتراب القيادات عن الشعب وسوء خياراتها التي تفضي إلى تقليص المناعة الوطنية، وتضاعف كلفة الصمود وترفع أعباء مقاومة الاحتلال.
وفيما يلي ترجمة المقال:
فلسطين بحاجة إلى اهتمام فوري لدرء أزمة الغذاء الكبرى
Palestine Needs Immediate Attention to Stave off Major Food Crisis
رمزي بارود
أخبرني صديق ، الصحفي الشاب في غزة ، محمد رفيق مهاوش ، أن أسعار المواد الغذائية في القطاع المحاصر ارتفعت بشكل كبير في الأسابيع الأخيرة، وأن العديد من العائلات الفقيرة بالفعل تكافح من أجل توفير الطعام على المائدة.

قال: “أسعار المواد الغذائية ترتفع بشكل كبير، ولا سيما منذ بداية الحرب الروسية-الأوكرانية”. تضاعفت تقريبا أسعار المواد الغذائية الأساسية، مثل القمح واللحوم. ارتفع سعر الدجاج ، على سبيل المثال ، الذي كان متاحًا فقط لشريحة صغيرة من سكان غزة ، من 20 شيكل (حوالي 6 دولارات) إلى 45 (حوالي 14 دولار). قد تبدو هذه الزيادات في الأسعار قابلة للإدارة في بعض أنحاء العالم ، ولكن في مكان فقير بالفعل ، والذي كان تحت حصار عسكري إسرائيلي محكم لمدة 15 عام ، من المؤكد أن أزمة إنسانية ذات أبعاد كبيرة وشيكة.

في الواقع ، كان هذا أيضًا تحذيرا من منظمة أوكسفام الخيرية الدولية ، التي ذكرت في 11 أبريل / نيسان/ أن أسعار المواد الغذائية في جميع أنحاء فلسطين قفزت بنسبة 25٪،ولكن الأمر الأكثر إثارة للقلق ، أن احتياطيات دقيق القمح في الأراضي المحتلة قد “تنفد في غضون ثلاثة أسابيع”.

لقد تم الشعور بتأثير الحرب الروسية الأوكرانية في كل جزء من العالم ، في بعض الأماكن أكثر من غيرها. والدول الإفريقية ودول الشرق الأوسط، التي تكافح مشاكل الفقر والجوع والبطالة الموجودة سابقا، هي الأكثر تضررا. ومع ذلك، فإن فلسطين قصة مختلفة تماما. إنها دولة محتلة تعتمد بشكل شبه كامل على سلوك القوة المحتلة “إسرائيل”، التي ترفض الالتزام بالقوانين الدولية والإنسانية. بالنسبة للفلسطينيين ، فإن القضية معقدة ، ومع ذلك فإن كل جوانبها تقريبًا مرتبطة بطريقة ما بإسرائيل.

يخضع قطاع غزة لحصار اقتصادي إسرائيلي منذ سنوات عديدة، ويتم تقنين المواد الغذائية التي تسمح بها إسرائيل للقطاع، ويتم التلاعب بها من قبل إسرائيل كعقاب جماعي. في تقرير منظمة العفو الدولية عن الفصل العنصري الإسرائيلي الذي نشر في فبراير / شباط / الماضي، عرضت بالتفصيل القيود الإسرائيلية على إمدادات الغذاء والغاز الفلسطينية. ووفقا للمنظمة الحقوقية ، تستخدم إسرائيل “معادلات رياضية لتحديد كمية الطعام المسموح بدخولها إلى غزة” ، مما يقصر الإمدادات على ما تعتبره تل أبيب “ضروريًا لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة”.

بصرف النظر عن العديد من مشاكل البنية التحتية الناتجة عن الحصار – نقص المياه النظيفة والكهرباء والمعدات الزراعية، وما إلى ذلك – فقد فقدت غزة أيضا الكثير من أراضيها الصالحة للزراعة في المنطقة العسكرية الإسرائيلية التي أقيمت عبر المناطق الحدودية في جميع أنحاء القطاع.

الضفة الغربية ليست في وضع أفضل بكثير. يشعر معظم الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بالعبء المتزايد – الاحتلال الإسرائيلي ، المصحوب بالتأثير المدمر لوباء Covid-19 ونقاط الضعف الهيكلية داخل السلطة الفلسطينية، المليئة بالفساد وسوء الإدارة. تقول أوكسفام إن السلطة الفلسطينية تستورد 95٪ من قمحها، ولا تمتلك مرافق تخزين على الإطلاق. يتم نقل جميع هذه الواردات عبر إسرائيل ، التي تتحكم في وصول فلسطين إلى العالم الخارجي. بما أن إسرائيل نفسها تستورد ما يقرب من نصف حبوبها من أوكرانيا ، فإن الفلسطينيين ، بالتالي ، رهينة هذه الآلية بالذات.

ومع ذلك ، تقوم إسرائيل بتكديس الطعام، وهي مستقلة إلى حد كبير في مجال الطاقة ، بينما يكافح الفلسطينيون على جميع المستويات. وفيما يجب أن تتحمل السلطة الفلسطينية جزءًا من اللوم على الاستثمار في أجهزتها “الأمنية” على حساب الأمن الغذائي ، تمتلك إسرائيل معظم مفاتيح بقاء الفلسطينيين. مع وجود مئات من نقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية المنتشرة في الضفة الغربية المحتلة، وعزل المجتمعات عن بعضها البعض والمزارعين عن الأراضي الزراعية ، فإن الزراعة المستدامة في فلسطين تكاد تكون مستحيلة.

هناك مسألتان رئيسيتان تعقدان الصورة الصعبة بالفعل:-

الأولى : تتعلق بما يسمى “جدار الفصل” الذي يبلغ طوله مئات الكيلومترات ، والذي في الواقع لا “يفصل” بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكنه ، بدلاً من ذلك ، يحرم الفلسطينيين بشكل غير قانوني من مساحات شاسعة من أراضيهم ، وهي في الغالب مناطق زراعية.

والثانية : تتصل بالسطو المباشر على المياه الفلسطينية من المياه الجوفية في الضفة الغربية. فبينما تكافح العديد من المجتمعات الفلسطينية للعثور على مياه الشرب في الصيف، لا تعاني إسرائيل أبدا من أي نقص في المياه على مدار العام. وتخضع المنطقة المصنفة ج -والتي تشكل نحو 60٪ من إجمالي مساحة الضفة الغربية- للسيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة. على الرغم من قلة عدد سكانها مقارنة ببقية المناطق الفلسطينية، إلا أنها تحتوي على معظم الأراضي الزراعية، وخاصة المناطق الواقعة في وادي الأردن الخصب جدا. وعلى الرغم من أن إسرائيل قد أجلت -تحت ضغط دولي – ضمها الرسمي للمنطقة ج ، إلا أنه تم ضمها عمليا، ويتم طرد الفلسطينيين منها ببطء واستبدالهم بعدد متزايد من المستوطنين اليهود الإسرائيليين غير الشرعيين.

يلحق الارتفاع السريع في أسعار المواد الغذائية الضرر بالمزارعين والرعاة المسؤولين عن سد الفجوات الهائلة الناجمة عن انعدام الأمن الغذائي العالمي نتيجة للحرب. وفقا لمنظمة أوكسفام ، ارتفعت تكلفة علف الحيوانات بنسبة 60٪ في الضفة الغربية ، مما يضيف إلى “العبء الحالي” الذي يواجهه الرعاة ، بما في ذلك “تفاقم الهجمات العنيفة من قبل المستوطنين الإسرائيليين” و “التهجير القسري” ، كما هو الحال في التطهير العرقي الناجم عن سياسات الضم الإسرائيلية.

على الرغم من أن وقف الحرب الروسية الأوكرانية قد يؤدي إلى إغاثة جزئية ، إلا أنه لن ينهي انعدام الأمن الغذائي في فلسطين ، لأن هذه القضية ناجمة عن سياسات إسرائيلية محددة طويلة الأمد.

في حالة غزة ، فإن الأزمة، في الواقع ، ناجمة بالكامل عن السياسة الإسرائيلية التي أوضحها مستشار الحكومة الإسرائيلية السابق ، دوف ويسجلاس في عام 2006 في التصريح الشائن الذي أدلى به ، والذي يشرح دوافع إسرائيل من وراء الحصار على غزة ، ويظل المبدأ الموجه لموقف إسرائيل تجاه القطاع. حيث قال: “الفكرة هي وضع الفلسطينيين على نظام غذائي، ولكن دون جعلهم يموتون من الجوع”.

تحتاج فلسطين إلى اهتمام فوري لدرء أزمة غذائية كبرى. إن الفقر المدقع الموجود سابقا في غزة، والبطالة المرتفعة، يتركانها بلا هوامش لاستيعاب المزيد من الكوارث على الإطلاق. ومع ذلك ، فإن أي شيء يتم القيام به الآن يمكن أن يكون إصلاحا قصير المدى فقط.

يجب إجراء حوار جاد بين الفلسطينيين والدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة وأطراف أخرى لمناقشة مشكلة انعدام الأمن الغذائي في فلسطين وحلها . بالنسبة للفلسطينيين ، هذا هو التهديد الوجودي الحقيقي.

* الدكتور رمزي بارود صحفي ومحرر فلسطين كرونيكل. وزميل باحث أول غير مقيم في مركز الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) ، جامعة اسطنبول. وهو مؤلف لخمسة كتب. وآخر كتاب له “هذه السلاسل ستتحطم: قصص فلسطينية عن النضال والتحدي في السجون الإسرائيلية” (Clarity Press، Atlanta).
‎2022-‎04-‎24