على سطح صفيح ساخن!

سعادة مصطفى ارشيد

اتسم شهر رمضان في السنوات الماضية بالمزاوجة بين عنصري المقاومة والإيمان، الأمر الذي جعله شهرا يتسم بالسخونة وارتفاع مستوى الاشتباك مع الاحتلال، ولعل شهر رمضان في العام السابق كان الأكثر حدة وحرارة إذ هب الفلسطيني ومن كل فلسطين على قلب رجل واحد، من مناطق 1948 للضفة الغربية وغزة، دفاعا عن القدس وأحيائها ومقدساتها، شهر رمضان الحالي وإن كان ما زال في ثلثه الأول، إلا أن التوقعات ذهبت إلى أنه قد يفوق ما سبقه في حدة الاشتباكات من جانب، وفي النتائج السياسية التي ستترتب على ذلك.

بذلت جهود مكثفة من تيار الاعتدال – التطبيع للحؤول دون تفاقم الوضع، ومورست وساطات ثم ضغوط على عواصم وجهات ذات تأثير في المقاومة لإقناعها أوإلزامها بعدم التصعيد، ومنح الإسرائيلي بدوره تسهيلات وحوافز اقتصادية عبر السلطة الفلسطينية، لكن كل ذلك لم يحقق نتائج، فانسداد الأفق السياسي، وما هو مطلوب فلسطينيا لم تعد تفي معه الأساليب ذاتها، أو الوعود التسكينية التي لا تنفذ، وهكذا جاءت التوقعات في محلها، فالعمليات الفدائية في النقب وجسر الزرقا ثم بني براك مثلت مقدمات رمضانية، فيما كانت عملية تل أبيب الخميس الماضي هي الأشد إيلاما للاحتلال والأكثر تأثيرا، فقد ترافقت مع تبجح وزير الدفاع بيني غانتس: إننا دولة قوية جدا وعلى الآخرين أن يخشونا في اشارة منه للمقاومة في الداخل ومحورها بالخارج ولم يكن ابن مخيم جنين ليحسب حسابا لهذا التهديد فكيف الحال بالمحور؟ وهذه الدولة القوية كانت ضعيفة أمام شاب منفرد ولم تستطع حماية نفسها، فهل لها أن تحمي البحرين والإمارات مثلا؟ ثم الأزمة الحكومية التي حولت حكومة نفتالي بينت إلى حكومة تصريف أعمال فاقدة للأغلبية البرلمانية، وفي استطلاع سريع للرأي أجرته إحدى مؤسساتهم جاءت النتيجة أن رئيس الحكومة وقائمة لو ترشحوا للانتخابات فسيحصلون على صفر مقاعد.

المتهم بالوقوف وراء العمليات الفدائية هو مخيم جنين، فهوحاضنة المقاومة والنضال، وحيث تسيطر مجموعات الشباب المقاوم عليه فلا وجود أو سيطرة للسلطة الفلسطينية، مقابل وجود السلاح وجيل جديد مستعد للاشتباك مع عدوه من مسافات صفرية بشجاعة وثبات، لذلك كان لا بد للحكومة الإسرائيلية من توجيه ضربة ثأرية للمخيم، لها هدفان : الأول ضرب المقاومة وبناها وأبطالها، والثاني إرضاء مجتمعهم الغاضب والذي يتهمهم بالعجز والتخاذل، فكان اجتياح المخيم صباح السبت وبقوات كبيرة، واعتقل وقتل وجرح وهدم ليغادره بعد ساعات في ظني أنها ليست النهاية، فما جرى كان أقرب إلى التمرين القتالي وفحص الموقع وقدرات المقاومين من اجل اجتياح قادم للمخيم، قد يكون مثل اجتياح عام 2002،لا بل قد يفوقه.

 

رمضان اللاهب، كما جرت العادة هو شهر عبادة تشد فيه الرحال إلى القدس والمسجد الاقصى حيث يوجد في رحابه عشرات آلاف المؤمنين في كل رمضان، يقضون ايامهم ولياليهم في خشوع ودعاء وتضرع، والمسجد يتعرض منذ احتلال القدس عام 1967 إلى هجمات المستوطنين وتدور حوله مشاريع تصل إلى هدمة وهدم قبة الصخرة من اجل إقامة الهيكل المزعوم، وقد تم تشريع دخول اليهود وإقامة شعائرهم الدينية في باحاته من خلال الاختراق التطبيعي في اتفاقية وادي عربة مع الأردن، الدولة الحارسة وصاحبة الولاية لذلك المكان المقدس، فقد ورد في الاتفاقية نص ملغوم يقضي بحرية العبادة لكل من أصحاب الديانات، وحق كل أصحاب دين في الوصول إلى الأماكن التي يعتبرونها مقدسة، لكن في رمضان هذا سوف تبدأ أعياد الفصح اليهودية مع منتصف رمضان، وسوف يتوافد آلاف من المحتفلين اليهود إلى باحات المسجد الأقصى الذي يرابط فيه عشرات آلاف الفلسطينيين، ذلك أمر ستكون نتائجه دامية، وستدفع غزة الى التحرك على طريقتها، بصواريخها وما تملك من قوة للمشاركة في معركة الدفاع عن المسجد الأقصى، كما حصل في معركة سيف القدس العام الماضي.

 

حكومة الاحتلال التي لم يجمع أركانها إلا عداء رئيس الوزراء السابق نتنياهو، أخذت بالتخلخل على وقع الأزمة الأوكرانية، عندما تباينت وجهات نظر أركانها الثلاثة تجاه الموقف من الحرب الروسية الأوكرانية، فرئيسها ارتأى الحياد فيما وزيرا الخارجية والدفاع ارتأيا الانحياز للربيب الأوكراني، ولكن ما جرى من أعمال مقاومة وما لا يزال شهر رمضان يحمله من مفاجآت، سوف يطيح الحكومة في غالب الأمر، والذهاب إلى انتخابات خامسة خلال ثلاث سنوات، كان نتنياهو المبادر الأول للتبشير بها والاستعداد لها، ولا شك أن رفع شعبية الأحزاب ودعمها في صندوق الاقتراع يحتاج إلى إراقة مزيد من الدم الفلسطيني ومصادرة مزيد من الأرض، ففلسطين على سطح صفيح ساخن.

جنين – فلسطين المحتلة

‎2022-‎04-‎14