مع أي طرف يجب أن نقف في الحرب الدائرة حاليًا في أوكرانيا؟

سلام موسى جعفر

من المحتمل أن يستفز العنوان، الذي اخترته لسطوري التي أكتبها الآن، البعض منا، بسبب ظاهرة الاستقطاب العاطفية الحادة السائدة في جميع المواقف. ومن الممكن أيضا أن يعارضه من يحمل وجهة نظر، يُحاول أن تكون مُستقلة. 

الاستقطاب الحاد في المواقف السياسية من هذه القضية أو تلك يحدث عادة بين طرفين متناقضين ويتجابهان من خندقين متضادين. فلا مجال ابدا للتوفيق بينهما.

في الاحداث السياسية الكبرى تكاد المواقف تُتخذ آلياً، فتبدو في أغلبها وكأنها شبه منسجمة وشبه متناغمة داخل كل معسكر، وبسرعة غير مخطط لها. وهذا طبعاً يعتمد على الموقف الفكري للمنتمين الى هذا المعسكر أو الى نقيضه.

على سبيل المثال لا الحصر:

المنتمون الى المعسكر الذي لم يرفض الحصار الاقتصادي والتجويع الذي تعرض له شعب العراق في تسعينيات القرن الماضي، وقفوا بعد ذلك وبشكل آلي الى جانب احتلال بلدهم، وأطربتهم أصوات القنابل التي شوت لحوم العراقيين. وهم أنفسهم لا غيرهم من رفعوا عالياً عقيرتهم بمناسبة او بدونها داعين بوقاحة الى التطبيع مع العدو الصهيوني. وها هم اليوم يدينون بتطرف “الغزو الروسي” على أوكرانيا التي كانت قد أرسلت جنودها لغزو بلدهم العراق في العام 2003.

المواقف السياسية سواء اصطبغت باللون الأبيض أو الأسود هي اصطفافات طبيعية بغض النظر عن عاطفيتها من عدمها.

سبق لي أن قلت ” في الاحداث السياسية الكبرى تكاد المواقف تُتخذ آلياً، فتبدو في أغلبها وكأنها شبه منسجمة وشبه متناغمة داخل كل معسكر” شبه الانسجام وشبه التناقض قصدت بهما احتمال ظهور اختلافات في وجهات النظر، وهي اختلافات صحية إذا لم تصطبغ المواقف الناتجة عنها باللون الرمادي الذي يلون في العادة أنصاف المواقف.

ولأن موضوعي يتمحور حول الموقف من الحرب الدائرة الآن رحاها في أوكرانيا، أرى من الضروري عرض نبذة سريعة عن حيثيات القرار الروسي بشن هذه الحرب. ولا يحتاج الأمر منا التذكير بأن الحرب هي سياسة بوسائل عسكرية. وغالباً ما يتخذ قرارها بعد فشل تنفيذ السياسة بوسائل دبلوماسية، مدعومة أحياناً بالضغط العسكري أو التلويح به. لا أريد اثقال القارئ بسرد استعراضي للأحداث التي جرت في أوكرانيا منذ استقلالها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وسأكتفي بالإشارة الى الانقلاب الذي خطط له الناتو ونفذه القوميون من غرب أوكرانيا المعروفون بتعصبهم وتعاونهم مع النازيين خلال الحرب العالمية الثانية. انقلاب الناتو في العام 2014 كان هدفه الرئيسي محاصرة روسيا وتهديد وجودها على عتبة بابها.

المتابع لسير الأحداث في الفترة التي سبقت الحرب، سيجد أن الناتو رفض قطعياً بحث مطلب روسيا بمنحها ضمانات أمنية مكتوبة وموثقة، وكذلك رفض مطلبها بعدم ضم أوكرانيا الى الحلف. لان الاستراتيجيون الروس يرون تواجد جيوش للناتو في أوكرانيا تهديد وجودي لبلادهم. والملفت للنظر ان الجانب الاوكراني صعد من استفزازاته ضد روسيا عشية الحرب، حتى إني كتبت ذات مرة عن خشيتي ان تكون هذه الاستفزازات فخ أُعد بعناية لتوريط روسيا وإدخالها في مستنقع يُضعفها ويُشغلها عن التعاون مع الصين في حرب يُعد لها ضد الأخيرة.

الحرب تراها روسيا وسيلتها الوحيدة لإبعاد الخطر الوجودي الذي يهددها. فهي عادلة ومشروعة من وجهة نظرها. نظارتي تراها كذلك من وجهة نظر براغماتية. لأن محاصرة روسيا واضعافها سيقود لاحقا الى الانفراد بالصين وبالتالي عرقلة عملية استكمال تشكل النظام العالمي المتعدد الأقطاب، وبقاء القطب الأنغلوسكسوني بقيادة الولايات المتحدة الذي عانت منه كثيرا شعوب بلدان الاطراف منذ انهيار القطب السوفيتي.

اصارحكم بأني خلال تقديري للموقف لا ألتفت الى ما يروجه الاعلام الغربي، فمعاييره مزدوجة. ولا أرى في النزعة القومية لدى قادة روسيا، سبباً يجعلني اتخذ موقفا مناوئا لها، وهي ليست عندي المعيار الرئيسي في التحليل. وكذلك أنا لا أراهن على دعمها لقضايانا بعد انتصارها، فعلاقتها بدولة الكيان العنصري متينة والتأثير الصهيوني على قادتها وسياستها مكشوف للقاصي والداني. ولا أرى كذلك في انتصار الصين أي بارقة أمل لنصرة قضايانا، فما يهمها مصالحها وتجارتها. وأنا لست أعمى فلا أرى نزعة الدولة الرأسمالية الروسية التي تحلم باستعادة الوضع الامبراطوري لها. ما يهمني من انتصار روسيا وبالتالي الصين هو تشكل عالم متعدد الأقطاب وبالتالي اضعاف أمريكا التي انفردت بنا ودمرتنا، لكي تُتاح لنا فرصة نستعيد فيها انفاسنا، ووقت للتفكير بإقامة مشروعنا الخاص بنا.

على هذه الحرب يعتمد تغيير النظام العالمي، فإما انتصار روسي يؤدي الى نظام عالمي متعدد الأقطاب يُخفف علينا الضغط، وإما تكريس نظام القطب الواحد بهزيمة روسيا، ثم الانفراد بالصين. ودليلي على أن هذه الحرب وجودية لكلا طرفيها، روسيا والناتو، أن الغرب برمته قد كشر عن انيابه ويرمي الآن بكل ثقله في حربه ضد روسيا التي تجري بالوكالة كما هو معلوم.

واصارحكم بخشيتي من احتمال أن روسيا قد وقعت في الفخ الاوكراني لاستنزافها قبل الاجهاز عليها، لا سيما أن عناصر منظمات المجتمع المدني في روسيا والنخب الروسية الموالية للغرب قد تمكنت خلال عقود من النشاط العلني من ترسيخ مواقعها في المجتمع الروسي، وها هي الان ترفع صوتها المعارض للحرب حتى قبل أن تظهر تأثيرات الحرب الاقتصادية شبه النووية.

أن مسؤولية الضحايا الأبرياء الذين سقطوا وسوف يسقطوا والدمار الحاصل إنما تقع على عاتق حلف الناتو الذي يواصل حربه ضد روسيا بآخر أوكراني. وأني لعلى قناعة من أن روسيا تخوض حربها ضد هجوم الناتو دفاعا عن وجودها. ولهذا لا أشعر أن من الصحيح تكرار التذكير بتحفظاتي عن هذا التفصيل أو ذاك في كل مرة اتناول فيها موضوع الحرب الروسية. وما دمت واعياً بالخطر الوجودي على روسيا، فلن أقع في التناقض فأتناول النزعة التوسعية لدى قيادتها وأنسى الخطر الوجودي الذي يهددها. لأن الحديث المُكرر عنها يضعني في صف إعلام الناتو، دون أن أقصد، وأنا لا أريد تلويث شرفي وسمعتي فأساهم في الحملة الحالية لشيطنة روسيا. وهي الحملة التي أخذت طابع هستيري تجاوز كل الحدود.

‎2022-‎03-1‎0