مؤتمر الدوحة يزيد من تعري المعارضة السورية وتشرذمها البنيوي وخضوعها الإقليمي!

محمّد نادر العمري

يعود تصدع وضع المعارضة السورية وحدّة أزماتها إلى وجود مروحة من العوامل الذاتية والموضوعية، تأتي في قمتها المحاصصة الطائفية والحزبية.

 

رغم مرور أكثر من عقد من الزمن على سيرورة الحرب على سوريا، وتعقّد طبيعة الصراع، وزيادة القوى الدولية والإقليمية والفواعل الداخلية المتصارعة داخل إطارها الجغرافي، ما زالت الأزمات تتصاعد على مستوى ما يسمى “المعارضة السورية الخارجية” يوماً تلو الآخر، كان آخرها التجاذبات التي شهدها ما يسمى “الائتلاف الوطني”، والتي تمثلت مؤخراً بتبادل الاتهامات بالخيانة والفساد بين رموزه، ما ساهم في انشطاره إلى نصفين، حتى إن تباين المواقف الناجمة عن تعديل نظامه الداخلي بنسخته الأولية أو ما عرف بـ”المسودة” زاد حدة الانشطار، وهي صيغة من التناقضات التي تعمّقت بعد إدخال ما عُرف بحزمة المستقلين الجدد لهيئة التفاوض السورية.

 

يعود تصدع وضع المعارضة السورية وحدّة أزماتها إلى وجود مروحة من العوامل الذاتية والموضوعية، تأتي في قمتها المحاصصة الطائفية والحزبية، ما جعل الأجسام السياسية للمعارضة عاجزة عن إيجاد حلول لمشاكلها الداخلية بشكل رئيسي، إضافة إلى الاصطفافات الإقليمية التي تتمسك بها بعض أطراف المعارضة، من خلال وقوف كلّ طرف إلى جانب محور إقليمي، والالتزام بتوصياته وتمثيل نفوذه وإرادته، وغياب واضح لبرامج عمل – باستثناء إجماعها على إسقاط النظام فقط – وديناميكية تعتبر، وفق المنظور النظري لمبادئ علم السياسة، “أساسيات العمل السياسي” لأيِّ معارضة في أيِّ نظام سياسي داخل النظام الدولي، والذي يعتبر وجودها حالة صحية وضرورية لدفع السلطة إلى تقديم أفضل أداء في كل المجالات.

 

وقد وصل الأمر بالمعارضين السوريين إلى الاختلاف على كل شيء، بما في ذلك المسارات الداعية إلى الحلّ السياسي، مثل مساري “أستانا” و”سوتشي”، وهما مساران برز من خلالهما تأثير الدول المعنية والقوى الفاعلة بالملف السوري في انتقاء قائمات وأسماء الشخصيات المفضّلة لها، وهو ما ظهر في انتقاء وفد المعارضة والصعوبة والتعقيد الذي اعترى تشكيل وفد المجتمع المدني.

 

ولكنَّ الخلافات الموضوعية المتجذرة تعود في جذورها البنيوية إلى قبول المعارضات الخارجية أو جزء كبير منها بأن تكون رهينة تمثيل نفوذ الدول التي منحتها غطاء سياسياً وتعترف بشرعيتها، وهو ما يفسر الاتساع الكمي لعدد الهيئات والمكونات التي شكلت منذ بداية الحرب على سوريا، ويفسر بصورة جلية لا لبس فيها سبب تصدع هذه المكونات وانقسامها على خلفيات إيديولوجية ومصالحية وتمثيلية للمرجعيات الراعية لها.

 

وقد شكّل ما عُرف بمؤتمر الدوحة للمعارضة السورية مؤخراً أكثر الصور التعبيرية في المزاوجة بين الصراعات المتجذرة والتوافقات الهشة والقدرة الكبيرة على استغلال الملف السوري وجزئياته المتعددة من قبل الدول الإقليمية، لتكون حصان طروادة يمكّنها من التدخل في الأزمة السورية بمفردات متعددة، بما فيها المعارضة الخارجية. وبغض النظر عن مشروعية هذه المعارضات ونياتها، فإن المتتبع لما جرى قبيل وأثناء المؤتمر يدرك الحقائق التالية:

 

أولاً، هذه المعارضات لا تمتلك استقلالية في قراراتها وتوجهاتها، وهي تفتقر إلى مرونة تقبل الآخر، وتستند في قوة وجودها إلى عواصم الدول التي تتيح لها حرية الوجود والاجتماعات المضبوطة، وهو ما برز من خلال التسريبات التي شهدتها مرحلة توجيه الدعوات إلى مؤتمر الدوحة، ومسارعة بعض رموز الائتلاف إلى طلب الاجتماع بمسؤولين أتراك، بغية وقف الورشة التي دعا إليها رئيس الحكومة السوري السابق رياض حجاب.

 

وقد جرى هذا الاجتماع في أنقرة بتاريخ 28 كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، وجمع وفداً من قيادة “الائتلاف” برئاسة المسلط مع ممثل من وزارة الخارجية التركي وممثل آخر عن جهاز المخابرات التركية، وأظهر كيف تمثل تركيا المرجعية الواقعية للائتلاف، وكيف ترسم سياسته، وتتدخّل في شؤونه التنظيمية، وتضبط العلاقة بينه وبين أطياف المعارضة الأخرى، وصولاً إلى تسمية من تريد تعيينهم في المواقع القيادية. ومما يؤكّد هذه التبعية المطلقة للائتلاف المعارض لتوجيهات الجانب التركي، هو قبول الأول بنصيحة حضور الورشة.

 

ثانياً، هذه المعارضات تعيش أجواء من التنافس بينها لاحتكار القرار السياسي، وهي في الوقت ذاته لا تتمتّع بمرونة وجود أكثر من معارضة أخرى، ولا تقر بقبول الآخر حتى ضمن التصنيف ذاته، أي المعارض – وفق الادعاءات – وخير دليل على ذلك هو إقدام الائتلاف وغيره من مكونات المعارضة على اتهام رياض الحجاب بأنه يهدف من خلال عقد ورشة الدوحة إلى الترويج مجدداً لنفسه، وتقديم ذاته على أنه قادر على جمع شتات المعارضة، وتقليص دور المكونات المعارضة، من خلال سعيه لاستقطاب مراكز الدراسات والبحوث.

 

هذه الصيغة من التنافس بين شخصيات المعارضة يمكن لمسها من خلال ادّعاء مسلط أثناء اجتماعه مع الممثلين الأتراك أن “هناك معلومات وصلت إلى الائتلاف بأن حجاب يريد تشكيل لجنة متابعة برئاسته، مكونة من كل المنصات، للتواصل مع الدول تحت عنوان الحل السياسي في سوريا”، متعجباً من دعوة “هيئة التنسيق” و”منصة القاهرة” و”منصة موسكو” وبعض الشخصيات “التي يقال عنها إنها مستقلة، أمثال بسمة قضماني، وكل هذه المنصات الموجودة في “هيئة التفاوض”، وهو ما يحرج رئيس “هيئة التفاوض” أنس العبدة، الذي لطالما دعا جميع المكونات لحضور اجتماع “هيئة التفاوض” ولكنهم لم يحضروا”.

 

ثالثاً، استمرار توظيف المعارضة إقليمياً للحفاظ على تأثيرها ودورها في الملف السوري. وعلى الرغم من وجود مسار توافقي تركي – قطري على المستويات الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية، فإنَّ هذه الورشة أظهرت مدى التنافس بين الدول الحليفة لاستثمار ملف المعارضة.

 

وقد تجلّى ذلك باعتراض تركيا بداية، وممارسة ضغوطها على قطر لإلغاء المؤتمر، ومن ثم تأجيله في فترة سابقة، ضمن مساعيها لإفراغه من هدفه الذي شكل دافعاً لحراك تركي تضمن الضغط على شخصيات سياسية قطرية، من أجل عدم إنجاح تحول المؤتمر الذي يعقده حجاب إلى جسم سياسي سوري معارض جديد قد يهدد أجسام المعارضة السابقة، كالائتلاف والهيئة السورية للتفاوض.

 

والسبب الرئيس الذي عرضته أنقره لتعطيل الجسم المعارض الجديد، هو أنَّ حجاب شخصية لا تتفق مع الرؤية الروسية، كما أنَّ لدى رئيس الوزراء السوري السابق تصريحات معادية لموسكو في العديد من المحافل الدولية، وهو ما نجحت تركيا بالترويج له عبر إثارة مخاوفها، معتبرةً أن نجاح المؤتمر سيزيد تأزم الحل السياسي الذي تقوده مع موسكو عبر مسار “أستانا”، في حال ترأس حجاب جسماً سورياً معارضاً، لأنه سيحظى، وفق زعمها، بدعم دولي غربي، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي. كما أنَّ حجاب شخصية مقبولة من السعودية، وهو ما سيدفعه في مرحلة مقبلة إلى الارتماء في حضنها.

 

أما قطر التي استضافت المؤتمر على أراضيها بهدف إعادة دورها وتأثيرها في الملف السوري، فقد خضعت للضغوط التركية. ويعود السبب في ذلك إلى أنَّها تريد البقاء في الوسط وعدم استعداء إيران وتركيا وروسيا من جانب، وتسعى لتجنّب الانخراط في المحور العربي – الغربي المعادي لإيران من جهة ثانية، بعد أن فشل محور السعودية – الإمارات في تغيير موقف سوريا بالتخلّي عن العلاقة الاستراتيجية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتراجع الدور الأميركي في المنطقة، وإعطاء الصراع مع روسيا والصين الأولوية.

 

الواقع السياسي والمتغيرات الميدانية والتطورات الإقليمية والدولية، والأهم من ذلك كلّ مشاهد الدمار والدماء التي شهدتها سوريا، لم تشكّل ظروفاً دافعةً لما يُسمى “المعارضة الخارجية” لخوض حوار جدي ومستقل مع الحكومة السورية، ولم تنجح تلك العوامل السابقة أيضاً بتوحيد مكونات المعارضة وجمعها في خندق واحد.

 

إنّ استمرار وضعها المتشرذم هذا وارتماءها في عواصم الدول الإقليمية لن يقوداها إلى أي نتيجة، وستكون خارج أيّ صفقة سياسية أو تسوية تُعقد في حال وجود إرادة دولية لحلّ الأزمة السورية. ربما ينبغي لهذه المعارضات أن تقتنع بالمثل الذي يقول إنَّ “ثوب العيرة لا يدفي”.

‎2022-‎02-‎13