عواطف مستعارة! ابو زيزوم

قصة قصيرة

لو رأيتموه وهو مكبٌّ على الورقة يكتب رسالة اعتذار لحبيبته لخرجت قلوبكم من الصدور تعاطفاً معه وإشفاقًا عليه. لا حاجة بكم لرؤية الكلمات الملتهبة تسفحها روحه فوق السطور، ففي وجهه النابض بسبائك الألم والأمل ما يغني عن الايضاح. ان للعاشقين علامات ساطعة لا يخطئها قلب اللبيب وناظره. يشع بريقها في كل الاتجاهات. لقد وضع مرفقه على طاولة في حدائق الجامعة وأسند ذقنه على راحة يسراه وانهمك يكتب باللهب كأنما استحالت شجونه مداداً دفاقاً لا يعرف الانتهاء.

اكمل رصف عبراته على الورقة ثم طواها جيداً وأسلمها الى وجهتها. وفي اليوم التالي وقفت فوق رأسه فتاة مثيرة لا يعرفها. كان في النادي يقتعد كرسياً نائياً ويسرّح السمع بأجنحة اغنية حالمة ترفرف كالرذاذ عندما باغته عطرٌ  فواح يقتحم الانف بلا عوائق. رفع بصره فكانت هي الفتاة التي لا يعرفها .. متهللة الوجه الشفيف باسمة العينين ومسدت دهشته بتحية رقيقة تنحدر من معرفة مسبقة!. لم تمهل ذهوله ليأخذ شكل استفهام وسحبت كرسياً قريباً وجلست قبالته ووجهها الجذاب ينثر فوق جوارحه فيضاً من البنفسج يشبه الاحلام. وبعد مجاملات عجلى بدأت تسأله عن مضامين تلك الرسالة المفعمة بأحاسيس دامية. لمس بجلاء مدى تأثرها بتلك السطور التي استخرجتها من فؤاده حالة إلهام يصعب تكرارها. انها مهتمة الى درجة الخضوع بتلك المشاعر الجياشة، ولديها نهمٌ لسماعها من جديد على لسانه. فكلمات الحب من ألسنة المحبين ليست كما هي على القرطاس. الفتاة تريد الوصول الى المنجم الذي صدرت عنه تلك النفائس. فالوسطاء وباعة المفرد لا قيمة لهم عند المستهلك الذواق، انه يرنو دائماً الى المنتج الحقيقي.

وهذا العاشق المتيّم لم يكتب ما كتب خصيصاً لهذه الحسناء التي بات الان يعرف مَن تكون!. انها حبيبة صديق من أصدقائه أتاه باكي المحيّا ليعينه على استرضائها بما اوتي من سحر البيان. فاستجاب له بمروءة ودبج تلك الرسالة التي اوقدت في وجدانها سعيراً من الوجد. وها هي تقصد المنبع معرضةً عمن لا يستطيع تقليدها تحفاً برّاقة من تعابير الغرام. انها تعرض نفسها عليه بكل ما تتوشح من بهاء الحسن.

جميل ان تهبط عليك فتاة بهذا العنفوان من حيث لم تحتسب وتدعوك الى مشروع عشق متمرد دونما عناء. فهل يقبل العرض؟ أليس في ذلك خيانة للصديق الذي استعان به؟. وأطرق يتأمل حساباته والموقف الذي دفعته اليه الفتاة بقسوة رقّتها الآسرة. وليس بين تأملاته موضوع الخيانة والغدر، فما يصده عنها اكبر بكثير من تلك الاعتبارات. ذاك انه حين دُعي لترميم الصلة بين الحبيبين لم يمتشق قلم كاتب العرائض، لم يستحضر جُملاً جاهزة من صندوق ذاكرته، وانما استحضر حبيبته هو المضيئة خلف الاسوار. لقد لبّت نداء خياله وهي العصية في الواقع وأشرقت ملء الخاطر. استطاع بطيفها ان يتقمص الدور الذي يحتاجه الصديق فأثمر سطوراً تذيب الصخر. الرسالة المتوهجة التي كتبها لم تكن أبداً لهذه الفتاة المستكينة بين يديه ترمقه باستعطاف شهي. انها لفتاة اخرى ذات سطوة فتاكة على مجامع قلبه. وليس من الشهامة ان يكون خادعاً. فالصدق الذي تفصدت به الرسالة ما كان له ان يولد لو لم تحضر الى خياله تلك الحبيبة المستحيلة. اذن لا بد من الاعتذار لهذه الحلوة الراجية رغم خشونة الاعتذار.

( ابو زيزوم _ 1181 )

‎2022-‎01-‎22