مقالان.. انتفاضة النقب ورهاب الخوف في حادثة الأغوار وأسئلة أخرى!

بقلم بكر السباتين..
“1”
انتفاضة النقب أسطورة قيد التكوين
قبل الحديث عن المشهد الدامي في النقب المحتل؛ ينبغي التذكير في أن دولة الاحتلال الإسرائيلي شرعت بتنفيذ استراتيجية السيطرة على أراضي الفلسطينيين بالقوة من خلال إطلاق قطعان المستوطنين المستعرة على ممتلكات الفلسطينيين في الضفة الغربية وتدخل جيش الاحتلال إذا ما واجهتم المقاومة الفلسطينية في إطار الفزعات الفاعلة في ظل صمت سلطة التنسيق الأمني رغم أن الضفة الغربية تقع تحت سلطاتها.
ولا يختلف الأمر في النقب فذات الاستراتيجية تنفذ بحذافيرها، ولكن لأن تلك الأراضي خاضعة للسلطات الإسرائيلية مباشرة فقد أنيطت مهمة طرد الفلسطينيين من أراضيهم بجيش الاحتلال بكامل عتاده مباشرة، ليضرب بيد من حديد معتمداً على الإرهاب والتخويف أو القتل بغية تفريغ المكان من أصحابه.
إلا أن المفاجأة خيبت آمال الاحتلال فالجيل الفلسطيني اليوم غير ما كان عليه جيل عام النكبة.. فقد برمج نفسه على المقاومة الفعلية والصمود على الأرض التي يقف عليها ليمتد ذلك عبر منصات الفضاء الرقمي التي كشفت زيف الرواية الإسرائيلية ووضعت الحدث تحت كشافات مواقع التواصل الاجتماعي بالصوت والصورة والتقارير الدقيقة بفعل جهود تضافر فيها كل الفلسطينيين المنتشرين عبر القارات الخمس.
فقد تفاعل العالم مع الحقيقة التي تصدرت المشهد رغم ما تواجهه من محاولات تغييب بفعل الهجمة المضادة التي أنيطت بالصهاينة وعملائهم المنتشرين بيننا؛ لكن الشمس لا تغطى بغربال؛ ما جعل السحر ينقلب على الساحر.. وبصمود الفلسطينيين الأسطوري تنامى رهاب المقاومة في قلوب جنود الاحتلال بعموم فلسطين التاريخية.. ومن الطبيعي أنه إذا سادَ الرّهابُ تضطربُ العقولُ فيتخبطُ الجنودُ في غيهم حتى نفاذ الوعي، وبالتالي الدخول في المواجهات عمياً، بدافع غريزي، ينشدُ البقاءَ وليس من منطلق الإيمان الذي يتمتع به المقاوم الصامد في أرضه.
الصمود الفلسطيني يتبلور رغم حملة المداهمات الشرسة وما تؤدي إليه من اعتداءات مباشرة واعتقالات تقوم بها سلطات الاحتلال بحق المضطهدين من سكان النقب الفلسطينيين العزل دون مراعاة للعمر او الجنس، والذين خرجوا بصدورهم العارية ليتصدوا لقوات الجيش الإسرائيلي المدججة بالسلاح، بغية منعها من سلب أراضيهم بالقوة الغاشمة.
وفي ذات السياق فقد عُرِضَ عشراتُ الشبابِ الفلسطينيين من النقب على محكمة الصلح بمدينة بئر السبع، المحكمة ذاتها التي تنفذ أجندة الاحتلال الاستيطانية وتحكم وفق قانون الغاب الظالم.. في ظل إرهاب الدولة الذي تمارسه الحكومة، متضافرة مع مؤسسات المجتمع المدني الإسرائيلي والمؤسسات الإعلامية التي وجدت لتبرير الرواية الصهيونية وتعزيز أسباب ومبررات الهجوم الأعمى على الفلسطينيين العزل وطردهم تنفيذاً لسياسة التهويد المكشوفة، فالتحريض المستمر على شعبنا في النقب، والذي نسمعه يومياً من خلال وسائل الإعلام وتحريض نواب اليمين، من الائتلاف والمعارضة، تترجمه أجهزة الأمن الإسرائيلية في سياستها العنصريّة تجاه المواطنين العرب في النقب” المحتل.
ولو عرف السبب بطل العجب.. وذلك لأن “النقب” يتبع إدارياً لدولة الاحتلال الإسرائيلي؛ لذلك فإن النفير الفلسطيني في تلك الأرض المحتلة يُعَدُ كسراً لحاجز الخوف، وتجاوزاً لكل الخطوط الحمر، وقد يحفز فلسطينيي الداخل على المقاومة كما حدث إبان المواجهات بين المقاومة وجيش الاحتلال الإسرائيلي في عدوان “أسوار القدس” على غزة الأخير وارتدادات ذلك في العمق الإسرائيلي، ويُعْتَبَرُ ذلك استراتيجياً كما تبينه معطيات الوقائع اليومية للمواجهات، اشتباكٌ ما فتئ مستمراً حتى يومنا هذا على شكل مواجهات يومية مع الاحتلال في الضفة الغربية والنقب واستنفار دائم في القدس والعمق الفلسطيني المحتل عام ثمانية وأربعي “العمق الإسرائيلي”.
في المقابل تنفذ سلطات الاحتلال أجندتها الصهيونية بالتنسيق بين أجهزة الأمن الإسرائيلية التي ترصد ردود أفعال الفلسطينيين إزاء تحرشات مؤسسات التهجير التخريبية، سواء “سلطة أراضي إسرائيل” أو ” الصندوق الدائم لإسرائيل-أو القومي – (كاكال”). لاتخاذ الإجراءات الرادعة بحقهم التي تتراوح ما بين الاعتقال أو القتل بغية تهجيرهم.
وما دمنا ندرج كلَّ ما يحدث في النقب والضفة الغربية والقدس وغزة في إطار الاشتباك المتصل الدائم بين سلطات الاحتلال والفلسطينيين أصحاب الأرض الشرعيين، فإن مرونة المقاومة سيمنحها ميزة من شأنها أن تربك صفوف الاحتلال وتزرع في العقل الصهيوني “رهاب المجهول” في معركة الوجود التي لا بد وتنتصر فيها الحقيقة التي يمتلك الشعب الفلسطيني برمته زمامها.
لذلك لا بد من تعزيز النضال الشعبي والميداني، لمواجهة المشروع الصهيوني فصاحب الحق أقوى وأكثر ثباتاً على الأرض.
“2”
جنود إسرائيليون يقتلون بعضهم ورهاب الخوف
الجندي الإسرائيلي مصاب بٍرُهَابِ الشبح الفلسطيني؛ وهذا يفسرُ الخبر التالي الذي يدل على أن الانتفاضة الفلسطينية المتجددة باتت تشكل كابوساً في معركة الوجود الفلسطينية الإسرائيلية.
وفحوى الخبر أن الجيش الإسرائيلي أعلن عن مقتل ضابطين من وحدة قوات خاصة في حادث إطلاق نار في غور الأردن.
هاجس الخوف صور لكل طرف إسرائيلي بأن الطرف المقابل ما هو إلا شبح فلسطيني يستهدف حياته، ويتخفى وراء اللغة العبرية من باب المراوغة.
وقال الجيش إن جندياً إسرائيلياً قتل الضابطين في تبادل لإطلاق النار بعد الاشتباه بأنهم تعرضوا لهجوم من مسلح فلسطيني.
وهذا يقودنا للانتباه إلى مثل هذه النتائج في حرب الوجود كونها تمثل مؤشرات على نجاح المواجهات المستمرة الفلسطينية في سياق المقاومة المتنامية ضد الاحتلال الغاشم، في كل الجبهات: غزة المحاصرة.. والضفة الغربية التي تتعرض لهجمة مستعرة من قبل قطعان المستوطنين بحماية جيش الاحتلال ومشاركته وفي ظل صمت سلطة التنسيق الأمني.. وسجون الاحتلال التي تشهد معركة الأمعاء الخاوية.
ويمكن إجمال هؤلاء القتلى ضمن جنود الاحتلال في قائمة القتلى عبر المواجهات التي تتسبب بها انتفاضة الضفة الغربية لسببين:
-كون المستهدف الحقيقي كان طرفاً فلسطينياً باغت شبحه دائرة الوهم التي انداحت حول رأس الجندي الإسرائيلي بفعل الخوف الذي يتحكم بعقله المفرغ من الإيمان بقضيته! وإرادته المنهكة، ليصاب بالخيبة.
– ولأن المواجهة الافتراضية كانت ستؤدي إلى ذات المخرجات على الأرض لو كان هذا الشبح مقاتلاً فلسطينياً حقيقيا، لأنه سيكون في قلب معركة يدافع في أتونها عن نفسه وحقوقه بإيمان راسخ لا تزعزعه الخيانات التطبيعية.
لذلك فإن مراجعة الأطباء النفسيين في المعسكرات الإسرائيلية من قبل الجنود الإسرائيليين ظاهرة تستحق الدراسة خلافاً لتنامي جموح المقاومة في عقول الفلسطينيين بدافع إيمانهم بحقوقهم المسلوبة على رؤوس الأشهاد.
14 يناير 2022