كازاخستان وأوكرانيا والصراع على آسيا الوسطى!
موفق محادين
كازاخستان وما شهدته مؤخراً، ليست بعيدة عن مجالات اللعبة الكبرى في آسيا، وفق كتابات بريجنسكي: خطة لعب، ورقعة شطرنج.

كما في كل ربيع أميركي سابق، فإن ما شهدته كازاخستان أكبر من أن يقارب كشأن داخلي، بسبب هذه السياسة الاجتماعية أو تلك. فالبُعد الخارجي هو الإطار العام لكل ذلك، ولا سيّما ما يتصل بالمحاولات الأميركية والأطلسية عموماً، لتطويق روسيا ومنعها من تجديد نفسها عبر الأوراسية الجديدة، واستخدام الخاصرات التقليدية التي سبق لبريجنسكي أن تناولها، مثل أوكرانيا ودويلات البلطيق.

يضاف إلى ذلك أن موقع كازاخستان ومساحتها الواسعة والنفط والغاز ومواردها الأخرى، تضاعف من أهميتها كجغرافيا برسم الضغط على طريق الحرير الصيني أيضاً.

وهو ما يجعل التأكيدات الروسية والصينية، بشأن دور الاستخبارات الأميركية والأوروبية، تأكيدات في محلها تماماً، ولا سيّما أن الانهيار السوفياتي وفّر مناخات مسمومة لتدخّلات أطلسية تركت بصماتها السياسية والاقتصادية، وكذلك الأمنية وامتداداتها، عبر خليط من جماعات الثورة الملوّنة والسلفية التكفيرية.

بسرعة قياسية، وفي غضون أيام قليلة، سقط ربيع كازاخستان الأميركي- الإسرائيلي- التركي- القطري، والذي استخدمت فيه كل الأدوات التي استخدمت من قبل في بلدان عديدة.

فإضافة إلى ما تداولته وكالات الأنباء العالمية نفسها بشأن حجم العمل الاستخباري الأطلسي وراء تلك الأحداث، فقد شارك فيها:

– الإرهابيون التكفيريون وجماعات الإسلام الأطلسي، الناعم والخشن.

– جماعات التشبيكات غير الحكومية، من مواقع إلكترونية وشبكات شبابية إلى المراكز والصناديق التي تعمل تحت غطاء الليبرالية وحرية الصحافة والشفافية ومراكز الدراسات المختلفة وغيرها من عناصر الثورات الملوّنة المشبوهة.

في النتيجة، لم تنحصر الهزيمة المدوّية للأميركيين وحلفائهم في إنقاذ كازاخستان وحسب، بل إن أجراس هذه الهزيمة ستُسمع بقوة في عقر دارهم، إضافة إلى ترجمة ذلك في أوراق قوة جديدة لروسيا خلال مباحثات موسكو- واشنطن حول أوكرانيا وعموم القفقاس وآسيا الوسطى.

إلى ذلك، فإن كازاخستان وما شهدته مؤخراً، ليست بعيدة عن مجالات اللعبة الكبرى في آسيا، وفق كتابات بريجنسكي: خطة لعب، ورقعة شطرنج.

فهذه الجغرافيا السياسية- الإثنية الاستراتيجية، ومحيطها البحري (بحر قزوين ومخزونه النفطي وأهميته الأمنية) جغرافيا معقّدة تستدعي رسم أو استعادة خريطتها الاجتماعية- الإثنية- المذهبية لفهم ما جرى واحتمالاته المختلفة، في ضوء وصل طريق الحرير القديم بطريق الحرير الجديد (الصيني) وبالمشروع الأوراسي الروسي، وكذلك اتفاقية البريكس ونفط قزوين (250 مليار برميل):

أولاً، توزّع اللاعبين الكبار والإقليميين على كل المنطقة وبمستويات مختلفة؛ فالروس إضافة إلى روسيا نفسها، ينتشرون في كازاخستان بما يعادل الكازاخ أنفسهم (40% من السكان لكل منهما) إلى جانب 10% من الألمان والأوكرانيين وغيرهم، كما ينتشر الروس في الجمهوريات القريبة من البلطيق بواقع الثلث تقريباً في لاتفيا وأستونيا، وفي بقية الجمهوريات الآسيوية التي كانت ضمن الاتحاد السوفياتي السابق: في قرغيزيا 21% وبنسبة 8 – 10% في كل من أذربيجان وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان، كما ينتشرون في أوكرانيا بنسبة 20% على الأقل، وفي جورجيا بنسبة 7 – 8 %.

ويتوزّع الفرس، بالإضافة إلى إيران، على أفغانستان (14 مليوناً تقريباً) وطاجيكستان (6 ملايين) وأوزبكستان (فرس سنّة)، كما يتوزع الشيعة والفرق المذهبية المماثلة لهم على باكستان (35 مليوناً تقريباً) والهند (24 مليوناً) وتركيا (نحو 20 مليوناً) وأذربيجان (تُرك بغالبية شيعية) وإندونيسيا (8 ملايين تقريباً) وأفغانستان (8 ملايين تقريباً).

أما الترك، فينتشرون في أذربيجان (غالبية شيعية) وأوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان وقرغيزيا ونحو 20 مليون من الإيغور في الصين.

ثانياً، وفي تفاصيل أكثر حول القوى الآسيوية ذات الصلة:

1- روسيا، ترافق ظهور روسيا مع انتشار المسيحية الأرثوذكسية في القرن الحادي عشر، وترافق صعودها في القرن السابع عشر مع تمدّدها نحو بحر البلطيق وصدامها مع السويد، حيث انتهت مغامرة الملك السويدي، تشارلز الثاني، في الثلج الروسي إلى ما انتهت إليه لاحقاً مغامرات نابليون وهتلر.

كما ترافق تمدّدها نحو البحر الأسود بإلحاقها الهزائم المتتالية بالعثمانيين والسيطرة على ما كان يُعرف بـ تركستان الآسيوية كاملة (الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفياتي السابق).

وقد شكّل التمدّد الروسيّ على حساب السويد وتركيا العثمانية تهديداً للغرب الكاثوليكي، الذي اعتبر ذلك محاولة لبعث الحياة مجدداً في الإمبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطة الأرثوذكسية)، ما حدا ببعض مؤرّخي الحروب الصليبية إلى اعتبار الأرثوذكس، وخاصة روسيا الصاعدة آنذاك، الهدف الحقيقي لهذه الحرب.

أما في الأزمنة الحديثة، وقبيل ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 فقد نظّر لها استراتيجيو الجيوبوليتيك الكبار، مثل راتزل الألماني وماكندر البريطاني وسبيكمان الأميركي، كقلب للعالم (أوراسيا) التي أصبحت البديل الأيديولوجي للاشتراكية في عهد بوتين، ومنظّر الأوراسية الراهن، ألكسندر دوغين، وكذلك نزار باييف الرئيس السابق لكازاخستان الذي اهتم مبكّراً بهذا المصطلح.

وهو ما أطلق المخاوف الإمبريالية، وخاصة الأميركية وعقلها الاستراتيجي بريجنسكي، وحدا به إلى صياغة استراتيجية مضادة لتطويق البعد الأوراسي، وذلك بالتركيز على محورين: أوكرانيا والسعي لدمجها في حلف الأطلسي، والإسلامي عبر الانبعاث العثماني واللعب في الحزام الأخضر الإسلاموي حول روسيا.

ومن المفهوم أن البُعد الأوراسي إضافة إلى محوره الجغرافي، يكتسب أهميته من الحجم القاري لروسيا نفسها، سواء من حيث الموارد التي تجعلها مكتفية ذاتياً كإمبراطورية عظمى، ومن حيث قوتها العسكرية وتكامل البعد البحري فيها مع البعد البري (إمبراطورية برية وبحرية في الوقت نفسه).

2- في ما يخص أوكرانيا، ورغم أنها وروسيا تعودان إلى قواسم مشتركة كثيرة، إثنية ومذهبية وتاريخية، ظلت موضوع توظيف من أعداء روسيا حتى قبل انتصار الثورة الاشتراكية عام 1917.

فإضافة إلى ما كتبه بريجنسكي بشأنها كخاصرة حول روسيا، فإن مقالاً قديماً للأمين العام للحزب الشيوعي الروسي، زوغانوف، يلخّص تاريخ هذه الدولة. فهو يرى أن أوكرانيا لم تؤسّس كياناً مستقلاً في كل تاريخها إلا في العهد الاشتراكي، شأنها في ذلك شأن الجمهوريات الإسلامية السوفياتية السابقة (عكس كل الروايات الغربية).

فقد كانت أوكرانيا مقسّمة بين روسيا القيصرية شرقاً وبولندا غرباً، بل إن الاتجاه المتطرف عند الأوكرانيين لم يظهر ضد الروس في البداية، بل ضد النظرة العنصرية البولندية عندما كانت بولندا تحتل أوكرانيا الغربية، كما نعرف أن مجاميع من الأوكرانيين خلال ثورة أكتوبر الاشتراكية، قاتلوا مع الحرس الأبيض المدعوم من بقايا القيصرية وقوى التدخل الرأسمالي الأوروبي، وعادت هذه المجاميع إلى التعاون مع الغزو الألماني الهتلري، وشكلت ما عُرف ولا يزال بالفاشية الاوكرانية ممثلة بزعيمها باندرا.

وهي الفاشية التي يتبنّاها الأميركان ودول أوروبا الغربية كحالة ديموقراطية ويدافعون عنها ويسعون لدمجها في حلف الأطلسي، ومثلهم في ذلك جماعات الثورة الملوّنة المدعومة من اليهودي الأميركي، سوروس.

3- كازاخستان، يتقاسم الكازاخ مع الروس أغلبية السكان في هذه الجمهورية، إضافة إلى أقليات أخرى من الألمان والأوكران وغيرهما. أما اقتصادها فيعتمد على النفط والغاز والألمنيوم والصوف.

ويعود تاريخها، كما تاريخ كل الجمهوريات السوفياتية الإسلامية السابقة، إلى عهود القياصرة الذين ألحقوها بروسيا، وخاصة إيفان الرهيب في القرن التاسع عشر، وذلك قبل أن تتحول في العهد الاشتراكي إلى جمهورية في إطار الاتحاد السوفياتي.

مع انهيار الاتحاد السوفياتي وإعلان كازاخستان استقلالها، سرعان ما سقطت هذه الدولة تحت سيطرة الشركات الأميركية واليهودية، التي وضعت أيديها على نفطها ومواردها الأخرى المختلفة مثل الالمنيوم بأسعار زهيدة، وازدهرت فيها ظاهرة الدعارة، واتسعت البطالة، وعادت إليها عادة زواج الفتيات الصغيرات.

كما انتقلت العاصمة من ألما آتا (ألماتي) أو مدينة التفاح إلى أستانة، ويشار هنا إلى أن هذه المدينة، وقبل الاضطرابات الأخيرة، سبق أن شهدت اضطرابات مماثلة عام 1986، وقد ترافقت الاضطرابات في كل مرة مع ظهور جماعات مسلحة والاعتداء على الجماعات العرقية الأخرى، مثل القوزاق والأرمن، تحت شعار (كازاخستان للكازاخ).

كما يشار إلى أنه إضافة إلى نفوذ شركة شيفرن النفطية الأميركية، فإن الحضور (الإسرائيلي) فيها كبير جداً، حيث النهب والنشاط الاستخباري للموساد، وزيادة الصادرات (الإسرائيلية) إليها من خمسين مليون دولار في العهد الاشتراكي إلى مليارات الدولارات بعد سقوط هذا العهد.

4- أذربيجان، وعاصمتها باكو (ترك شيعة، إضافة إلى أقليات عرقية، بينها نصف مليون روسي).

يعتمد اقتصادها على النفط والغاز بالدرجة الأولى، إضافة إلى أنشطة السوق السوداء الدولية، ومن المعروف أيضاً أن روسيا في عهد ستالين قامت بضم إقليم كاراباخ المتنازع عليه مع الأرمن إلى أذربيجان.

5- طاجيكستان، عاصمتها دوشانبي، ومعظم سكانها من الفرس السنّة، إضافة إلى أقليات روسية وأوزبكية، ويعتمد اقتصادها على الكيماويات والصوف.

6- أوزبكستان، عاصمتها طشقند، كما تضم مدناً تاريخية مثل، سمرقند، خوارزم، ترمذ، وبخارى، وتضم أقلية روسية بنسبة 9% من السكان، كما تسود هذه الجمهورية ثقافة متعصّبة إزاء الأقليات العرقية والثقافية، مثل الأرمن والقوزاق، ويعتمد اقتصادها على الصوف والقطن والغاز والمعادن، وخاصة الذهب.

7- تركمانستان، وعاصمتها عشق آباد، وتضم أقلية روسية بنسبة 10% وعرقيات أخرى، وكما أوزبكستان، تسودها ثقافة متعصّبة ضد الأعراق الأخرى مثل، الأرمن والقوزاق.

8- أفغانستان، عاصمتها كابول، ويشكل الباشتون 38% من سكانها، إضافة إلى الطاجيك بنسبة 25% وهم فرس سنّة، والهزارة بنسبة 9% وأغلبيتهم من الشيعة.

يعتمد اقتصاد أفغانستان على القمح والمواشي والصوف والسجاد والزعفران والمعادن، وخاصة الليثيوم، الذي يقال إن الانسحاب الأميركي من أفغانستان جرى مقابل استحواذ الشركات الأميركية على هذا المعدن الضروري للصناعات الدقيقة الحديثة.

9- قرغيزيا، وتضم أقلية روسية كبيرة بنسبة 22%، ويعتمد اقتصادها على الصوف والقطن وصناعة الأحذية.

10- القرم، وتضم إضافة إلى التتار أقلية روسيّة كبيرة.

11- الجمهوريات المسيحية، وأبرزها جورجيا وأرمينيا. وفيما سقطت الأولى تحت الثورات الملوّنة التابعة لأميركا وحلف الأطلسي، فإن الثانية تشهد تجاذبات تاريخية معروفة بين أنصار موسكو وأنصار الغرب (فرنسا وواشنطن) الذين فشلوا في المعارك الأخيرة في التصدي للتدخل الأذري- التركي- الصهيوني في إقليم كاراباخ.
‎2022-‎01-‎14