كازاخستان والبطن الرخو قراءة في الثورة الملونة!
نسيم قبها
كان طبيعيا لأحداث كازاخستان ذات الموقع الجيوسياسي المهم والغنية بالثروات، أن تحظى باهتمام عالمي واسع ، عقب اندلاع الإحتجاجات الدموية الأخيرة ، والتي اندلعت بسبب قرار حكومة الرئيس قاسم توكاييف في رأس السنة الجديدة برفع أسعار “البوتان والبروبان”، الذي يعرف “بوقود الفقراء” نظرًا لرخص سعره. وهو الأمر الذي أدى إلى انتشار الاحتجاجات الطافحة بالغضب من فساد الدولة المستشري وعدم المساواة في الدخل والمصاعب الاقتصادية التي تفاقمت جميعها بسبب جائحة كورونا. إذ تحولت المظاهرات إلى بوادر ثورة شعبية ضد النظام والمطالبة برحيل الرئيس السابق نور سلطان نزارباييف القائد الفعلي لكازاخستان، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى في صفوف المتظاهرين ورجال الأمن. وقد استغل الرئيس توكاييف تحول المظاهرات إلى أعمال شغب و”قيام أعداد من قوات الأمن بالتخلي عن مواقعهم ولباسهم العسكري والانضمام للمتظاهرين”؛ لإعلان “حالة الطوارئ” وتطهير بعض القيادات المشكوك بولائهم، وطلب مساندة روسيا لاستعادة السيطرة على الأوضاع.
ففي خطاب للشعب ادعى الرئيس توكاييف أن المظاهرات تدل على “تدخل أياديَ خارجية” وأن المظاهرات “أعمال ارهابية”.
وفي إجراء سريع لاحتواء الموقف أعلنت الحكومة في 5 كانون الثاني/يناير عن استقالتها، وجرى إقالة عدد من مسؤولي مجلس الأمن القومي، وإقالة الرئيس السابق نزارباييف من المجلس لتهدئة المتظاهرين. في حين طالبت أميركا بعدم استخدام العنف ضد المتظاهرين تمامًا كما كانت تطالب في “الربيع العربي”.
ومن جهتها طالبت الخارجية الروسية بضرورة “التوصل لحل سلمي”، و”عودة الأمور لوضعها الطبيعي”، وقال المتحدث باسم الكرملين أنه “يجب ألا يكون هناك تدخل خارجي”، ويقصد “تدخل أميركي”، موضحًا بأن القوات الروسية أرسلت إلى كازاخستان لمساندة السلطة بعدما “استهدفها الإرهاب العالمي”. حيث لبّت دول “معاهدة الأمن الجماعي” طلب الرئيس الكازاخستاني إرسال قوات لحفظ السلام والاستقرار في بلاده، ومساعدة حكومته على التخلص من “الإرهابيين”، بحسب زعمه . علمًا بأن أكثر المناطق استهدافًا للمصالح الاقتصادية كانت مدينة ألما آتا، والتي تعد معقل الجالية الروسية في كازاخستان.
ومن تتبع الأحداث وأسبابها وانطلاقها وظروفها وما يتصل بها من مصالح وتشابك في العلاقات يمكن القول بأن الأسباب الموضوعية للانتفاض في وجه النظام الفاسد متوفرة تمامًا كحال بيلاروسيا وأوكرانيا وجورجيا، ومثل البلاد العربية قبل “الربيع العربي” مع فارق أن التحضير للثورات الملونة والثورات العربية كان مسبقًا ومنظمًا وموجهًا عبر التدريب والتوجيه والإسناد الإعلامي، ورأس حربته في البلاد العربية هو الأعلام الموجه ، بخلاف الوضع في كازاخستان والذي تشي الأحداث بأنها محض احتجاجات ومطالب معيشية تم توسيعها سريعًا بفعل النقمة الشعبية، والتحريض الموجه من الخارج لخدمة أهداف آنية تتعلق بالضغط الأميركي على الصين، إذ تربط كازاخستان وحدها الأسواق الكبيرة في الصين وجنوب آسيا بأسواق روسيا وأوروبا عن طريق البر والسكك الحديدية وميناء على بحر قزوين. وتُعد ملتقى مشروع التجارة الصيني الضخم المعروف بالحزام والطريق، وتتعلق أيضًا بالنزاع الروسي الأميركي في الملف الأوكراني، ومحاولات أميركا انتزاع النفوذ في دول المجال الحيوي الروسي، ومحاصرة روسيا وإبقائها في حالة توتر مع الغرب، وبخاصة مع بدء المحادثات الروسية الأميركية وحلف الناتو بشأن الأزمة الأوكرانية، المقرر إجراؤها، وهذا بالإضافة إلى تداعيات الأحداث في كازاخستان على العلاقة الروسية التركية، باعتبار أن زعزعة الاستقرار في كازاخستان يوفر لتركيا بوابة للعبور لامتلاك ورقة تفاوضية جديدة مع الروس، وتداعياتها أيضًا على أسعار الغاز في أوروبا وإمداداته، حيث أن كازاخستان تمثل مصدرًا للغاز الأوروبي من خلال إعادة تصديره من روسيا، ولذا فإن توتر الوضع في كازاخستان يفزع الروس، كما يُفزع الأوروبيين ويرغمهم على الاصطفاف مع أميركا في محادثاتها مع روسيا بشأن أوكرانيا .
ورغم أن الموالين لأميركا مثل وزير الطاقة الكازاخستاني السابق مختار أبيازوف الذي نشط في التحريض على النظام من مكان إقامته في كييف المكتظة بالمخابرات الأميركية، إلا أن ذلك لا يعني أن تدفع الولايات المتحدة الأوضاع في كازاخستان إلى الفوضى العارمة طويلة الأمد؛ وذلك لأن النظام الكازاخستاني أكثر صرامة مما هو عليه في أوكرانيا، ولا يمكن ضمان قلب نظام الحكم لصالح القوى القومية والليبرالية الموالية للغرب والمعادية لروسيا، التي لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء تهديد بهذا الحجم. وهذا بالإضافة إلى اعتبارات تتعلق بمصالح أميركا وحاجتها إلى 16% من اليورانيوم من روسيا وإلى ما يقارب ربع حاجتها من اليورانيوم من كازاخستان لتشغيل مفاعلاتها النووية في توليد الكهرباء،
وتشغيل الغواصات النووية وحاملات الطائرات، وتخشى من انهيار النظام وتداعياته على مصالحها، حيث أدت الاضطرابات التي حدثت الأسبوع الماضي إلى ارتفاع أسعار اليورانيوم ثمانية بالمئة. إذ أن كازاخستان تحتل المرتبة الأولى عالميا لإنتاج اليورانيوم بحصة تبلغ 41 بالمئة من الإنتاج العالمي، بالإضافة إلى أن شركة شيفرون الأميركية تملك نصف حقل “تنغيز” للبترول، والذي يُنتج ثلث ناتج البلاد من النفط، حيث تعتبر كازاخستان تاسع أكبر مصدر للنفط في العالم. ما يعني أن ثمة مصالح أميركية روسية مشتركة وتفاهمات مسبقة حول كازاخستان وتقاسم ثرواتها المذهلة بتواطؤ حكامها ، ويؤيد ذلك تعاطي الرئيس الكازاخستاني السابق نور سلطان نزارباييف مع أميركا التي أمّن مصالحها طوال حكمه رغم علاقته المتينة بروسيا. حيث وصف جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأميركية، في العام 2019، العلاقات مع كازاخستان بأنها “الأكثر نضجًا والأكثر تقدمًا في آسيا الوسطى”. ويؤيد التفاهم بين روسيا وأميركا في كازاخستان أيضًا أن الأخيرة قد تميزت بالاستقرار السياسي منذ نحو 30 عامًا، رغم الثورات الملونة التي ضربت المجال الحيوي الروسي بدعم وتوجيه أميركي، ولم تقترب من كازاخستان الأشد خطورة على مصالح روسيا ومجالها الحيوي. مما يعني أن ثمة واقعًا فرض نفسه في كازاخستان ويسعى الروس والأميركان إلى استغلاله كل لصالحه.
ومن المتوقع أن تُقمع الاحتجاجات ويعاد إنتاج النظام بصورة تبقي الكعكة الكزاخستانية بين فكي روسيا وأميركا مع بقاء التشققات الداخلية في النظام. فكما يبدو فإن الأحداث قد اشتعلت بفعل النظام الفاسد والوضع الاقتصادي المتردي والتنافس المافيوي على السلطة، وسوء توزيع الثروة بصورة إجرامية، إذ يبلغ الناتج القومي الكازاخستاني نحو 170 مليار دولار بينما يعيش أكثر من مليون شخص من السكان تحت خط الفقر. ولهذا هبت روسيا لنجدة النظام الكازاخستاني دفاعًا عن النفس؛ لخطورة الوضع على موقفها التفاوضي مع الولايات المتحدة وعلى مصالحها الاقتصادية والأمنية ومجالها الحيوي برمته، ولاغتنام الفرصة لتعزيز وجودها العسكري لتأمين النظام وتحصينه ضد القوى الليبرالية الموالية للغرب، والقوى القومية و”الإسلامية” التي يتوجس بوتين من انتقال “عدواها” إلى الداخل الروسي. في حين سارعت أميركا بتنشيط عملائها لركوب موجة الاحتجاجات تحوطًا لتفاقم الأمور، واستغلال الأزمة وتحويلها إلى فرصة لتقوية التيار القومي المعادي لروسيا والقوى الليبرالية الكازاخستانية ذات التوجه الغربي، وتعميق نفوذها في كازاخستان وتسخيرها عند الحاجة في سلسلة بؤر التوتر على حدود الصين وروسيا وقطع طريق التعاون بينهما، وبخاصة بعد أن استثمرت الصين مئات المليارات من الدولارات في اتفاقياتها مع روسيا لتحصينها ضد العقوبات الأميركية عام 2014. وهو الأمر الذي لفت إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل شهرين بوصفه للعلاقة مع الصين بأنها “وصلت إلى أعلى مستوى في التاريخ.
‎2022-‎01-‎14