افكار بين شقي الرحى
شيء عن التسلطية المبرقعة بالديمقراطية!
ا.د.عامر حسن فياض
لفهم السياسة هناك حاجة ملحة للعودة الى الريادة التنظيرية لأبرز الاطاريح السياسية. والسياسة في ابسط معانيها واعمقها هي كل ما يتصل بالسلطة سواء كانت فنا كما يراها (لينين) او علما ومهنة كما يراها (ماكس ويبر) . كما ان السلطة سواء كانت قوة او نفوذ او تاثيرا او امر او طاعة او خضوع كما يراها (ناصيف نصار) هي سياسة .. فلا سلطة بلا سياسة ولا سياسة بلا سلطة ..
ومفردة التسلطية التي عرفت بوصفها الظاهرة الحاوية ، تاريخيا، لكل عبارات التفرد والاستبداد والدكتاتورية والشمولية وصولا للشعبوية وجدت عبر التاريخ ، بيد ان جذر التنظير للتسلطية ، بشكل علمي مدروس يعود الى المفكر الفرنسي (دي لابوسيه).
ففي كتابه الذي نشر سرا في منتصف القرن السادس عشر والذي حمل عنوان “خطب حول الاستعباد الارادي” يذكر (لابوسيه) ان المستبد هو انسان عادي من البشر لا يولد مستبدا ، ولا عبقري ولا خارق، بل تصنعه جماعات الرعايا والاتباع وزبانية السلطة فتصبح له بمثابة قاعدة يترجل عليها المتسلط ولولا هذه القاعدة وبدونها يسقط المتسلط ويتلاشى كما يتلاشى الصنم الكبير والثقيل عندما تسحب من تحت اقدامه قاعدته ، لكنه طالما ظلت هذه القاعدة سوف يمارس سياسات تعزز تسلطيته فيلجأ الى سياسة التجهيل ليحارب العلم والعلماء ويرفع من شأن الجهل والجهلاء .. ويلجأ الى سياسة الهاء الشعب بالمهرجانات والمناسبات والمسابقات وتوزيع النياشين والمكرمات ..ويلجأ الى السياسة الابوية الرعوية ليوحي للأتباع والرعايا والزبائنية بأنه الاب الذي ينبغي ان يطاع حتى لو كان على خطأ .. كما يلجأ الى سياسة اغداق العطايا والامتيازات على ابناء القاعدة الاجتماعية التي يترجل عليها ليبقى متسلطا عليهم وعلى غيرهم . وبهذه السياسات يعم الفساد وتتصلب المحاصصة الجهوية الضيقة ويتسيد الجهلاء ، ويحتكر المتسلط الحقيقة، وتتسع الهوة في توزيع الثروة بين قلة غنية غنى فاحش وكثرة فقيرة فقر مدقع، ويصاب الانتاج بالعقم ويزدهر الاستهلاك بالخصوبة .
وبقدر تعلق الامر بالعراق فأن المجتمع السياسي العراقي كان وما يزال مجتمع تسلطي حيث ان العراق الملكي كان مجتمعا تسلطيا متخلفا متثوب بثوب الديمقراطية ، وفي العهود الجمهورية اصبح مجتمعا تسلطيا مثوبا بثوب العسكرية ليصبح بعد عام 2003 مجتمعا تسلطيا متبرقع ببرقع الديمقراطية… والتبرقع بالديمقراطية في المجتمعات التسلطية المتخلفة اما ان يؤدي الى الفوضى عندما يتعرى من برقع الديمقراطية وتظهر حقيقته التسلطية العارية ، او ان يؤدي الى مرحلة الانتقال للديمقراطية عندما يتخلص تدريجيا من جسده التسلطي لحساب بناء جسد ديمقراطي شكلا ومضمونا . وتلك هي مألات المرحلة الانتقالية في المجتمعات المتخلفة .. بمعنى ادق ان التخلي عن ثوب الديمقراطية وبراقعها وعند عدم حسن استخدام ادوات الديمقراطية الانتخابية مع اشاعة خطاب الكراهية لنتائجها سيذهب بالعراق الى واحد من الرهانين احلاهما اكثر مرارة من الاخر وهما رهان الفوضى الاقتتالية على الطريقة الهوبزية (الواحد ضد الاخر) او رهان التسلط الاقلوي القمعي على الطريقة العسكرتارية ..
وعندما يكون الجسد المجتمعي تسلطي والبرقع السياسي ديمقراطي تصبح الفيدرالية انفصال وليس اتحاد ، وتصبح الانتخابات ترشيحا فرديا سهلا للأقوياء والاغنياء وتصويتا جماعيا قطيعيا غير واع عند البسطاء من فئات الرعايا والاتباع و الزبائنية من جهة وتصويتا صعبا عند المواطنين الذين يشكلون الفئة الاضعف في خارطة الافراد العراقية .. وعندما يكون الجسد المجتمعي تسلطي في التفكير والسلوك ويكون البرقع السياسي ديمقراطي تصبح التعددية السياسية بشقيها (التعددية الحزبية وتعددية الرأي) تعددية تقطيع لا توحيد وتعددية فوضى بلا نظام .. كذلك يصبح مبدأ التداول السلمي للسلطة حلال على المتنفذين بالسلاح والمال والسلطة وحرام على المحرومين من السلاح والمال والسلطة !! كذلك تصبح المواطنة والوطنية خبر كان وتصبح الجهوية التعصبية في اعلى مكان !!
‎2021-‎11-‎27