الدين وتقدم المجتمع!
إكرام لمعي
من وقت لآخر تبرز فى مصر قضية العلاقات بين أتباع الأديان وعلى وجه الخصوص أتباع الدينين الرئيسيين؛ المسيحية والإسلام. وهناك كُثر من الكٌتِّاب والمثقفين الذين يَحرصون على الربط بين الدين ومدى تقدم المجتمع أو تخلفه، لكن هناك مبدًأ أساسيًا فى علم الاجتماع يقول: «إن تفسير الظواهر الاجتماعية من خلال عُنصر مُّتغَّير واحد هو ضَرب من ضروب الغباء». وهذه الجملة تُشبه إلى حدٍ كبير أحد القوانين العامة فى العلوم السياسية، فمن المقولات المشهورة والمتداولة بين المثقفين خاصة من غير معسكر الدين (العلمانيون) فى بلادنا القول بأن أساس النهضة الأوروبية هو تبنى مبدأ فصل الدين عن الدولة والتأكيد عليه، وبهذا التلخيص المُخل يتباهون ويستريحون بل وينَّظرون.

لكن ببعض التأمل ودراسة التاريخ بجدية وأشياء أخرى كثيرة نلاحظ أن هناك عوامل اجتماعية وتحولات اقتصادية وسياسية وثقافية ومعرفية مثلت وتمثل أمورًا حاسمة فى تفسير أسباب التقدم الغربى عمومًا. من هنا نستطيع القول ونحن مطمئنون أن القطيعة بين الدين والدولة أمر فكرى وليس حقيقة اجتماعية بأى شكل من الأشكال، ولعلنا نلاحظ أنه فى أمريكا ودول كثيرة فى أوروبا بل وبلدان من العالم الثالث هناك خلط واضح بين الدينى والسياسى، ويتضح ذلك بدون لبس فى شخص رأس الدولة على الأقل.
وهناك عبارة أخرى انتشرت واقتنع بها كثيرون فى بلادنا هى: أن السبب الوحيد والأكبر فى تقدم الغرب وأنظمته العلمية والثقافية والسياسية والاقتصادية هو رفضهم للدين، وهكذا انتشرت بين الناس واشتهرت جُمَل مثل «الدين أفيون الشعوب» لكارل ماركس فى كتابه «رأس المال»، والحقيقة هذا نوع من الاختزال للتجارب الإنسانية والمجتمعية بل والمعارف الغربية، والنتيجة أننا أسأنا ونسىء قراءة تجارب الآخرين، وبالتالى مثل هذه الأحاديث والفتاوى لم ولن تُثرى تجربتنا إطلاقًا بل بالعكس تعوقها أو تشوهها.
•••
وهكذا جاءت إساءة دراستنا للتجارب الأوروبية وخاصة دور الدين فيها لتبدأ مآساتنا فى قراءة مجتمعاتنا من نفس التوجه أو المنظور. وذلك على الرغم من الاختلافات الواضحة بين تجربتنا وتجربتهم؛ فمثلًا بناء الدولة فى المغرب العربى تختلف تمامًا عن بناء الدولة فى المشرق العربى، وأيضًا قضية علاقة الدين بالمجتمع بين دولة المغرب من ناحية ودولة ليبيا من الناحية الأخرى واضحة وضوح الشمس، وأيضًا تجربة اليمن تختلف عن تجربة السعودية، وتُعتبر حالة مصر حالة خاصة جدًا ومختلفة. فمن الواضح مثلًا أن المغرب العربى سيطر عليه النموذج الفرنسى للعلمانية والحداثة وكانوا أكثر انفتاحًا وقدرة على الفهم وذلك واضح بشدة وعمق فى كتابات عبدالله العروى ومحمد عابد الجابرى وغيرهم من المثقفين، فهؤلاء استوعبوا التجربة الفرنسية وأدواتها التحليلية فى قراءة تاريخ مجتمعاتهم من منظور أكثر صفاءً يُركز أكثر على دولة القانون والعلمانية بصفتها سياقًا أوسع.
•••
من هنا أعود إلى الإشارات والشعارات التى رفعناها فى مصر وأشهرها مصطلح «تجديد الخطاب الدينى» أو غيره من هذه الشعارات التى تُشير إلى أن الخطاب الدينى وحده هو سبب تخلفنا، وأن تفسيرنا السيئ للدين هو سبب تراجعنا، وأننا إذا فَهمنا الدين بطريقة صحيحة سوف يأخذ الدين بيدنا إلى التقدم المنشود. وأنا لا اعتراض لى على هذا التوجه، لكن المعضلة التى أشير إليها هنا أن التركيز على سبب واحد أو عامل واحد أو متغير واحد هو ضرب من ضروب الخطأ فى التحليل، ولو طُبقنا هذا فى العلوم الطبيعية لأنتج كارثة ضخمة بسبب نتائجه. من هنا نستطيع أن نقف أمام ظاهرة تحدَّث عنها علماء الغرب وكتبوا كتبًا تُعالج هذه النوعية من التفكير، وذلك بتناولهم فكرة (إساءة القراءة، وإساءة التحليل)، والتى يَنتج عنها الشيوع والغوغائية فى القراءة والكتابة والتحليل.
ولأننا نفكر بهذه الطريقة فَرضَ علماؤنا ومثقفونا هذا الفكر من خلال تحليل أحداث ١١ سبتمبر عام ٢٠٠١م، وكانت النتيجة دعوة إلى التفتيش فى دروس الكتب الدينية المدرسية فقط، وكان الدين وحده هو الذى يُحرك سلوك البشر، وأول من أذاع هذا الفكر كان بيرنارد لويس والمحافظون الجدد اعتمادًا على فهمهم لطريقة تفكيرنا، وفى هذا اختزال شديد لتفسير ظهور السلوك العنيف عند الأفراد، وكذلك تفسير التطرف.
وبالطبع لم يكن التفسير الدينى الخاطئ وحده هو السبب، لكن المشكلة أن هذا التفسير جَعَلنا نتغاضى عن بقية العوامل المؤثرة فى التغير الاجتماعى، سواء أكان هذا التغير إيجابيًا أم سلبيًا. وأنا هنا لن أتحدث عن اتجاه التغيير ومساحته وطبيعته، لكن أريد أن أتحدث وبوضوح عن العوامل الأخرى التى تعضد ذلك مثل: طبيعة النظام السياسى مثلًا فى بلداننا العربية وكذلك نوعية الاقتصاد السائد، وثالثًا الثقافة السياسية للمجتمع بما فيها التعليم (الدين بالطبع هو مُكون من مكونات الثقافة السياسية) وكذلك بنية المجتمع ذاته، فهذه كُلها عوامل تحدد تفسير التقدم والتخلف فى المجتمعات.
من هنا نقف مذهولين متسائلين: لماذا نحن سُجناء التفسير الأحادى واختزال الظواهر الاجتماعية فى التفسير الدينى؟! وفى محاولة للإجابة أقول: إن السبب الأول هو أن جميعنا يدَّعى معرفة الدين، وبعضنا هم من يتصدرون أو يَدعون معرفة أكبر لأن لديهم تعليمًا دينيًا، أو لأنه كان منخرطًا سابقًا فى حزب دينى. كما أن الحديث فى الدين ليس كالحديث عن أى علم من العلوم الأخرى كالاقتصاد مثلًا، فحديث الاقتصاد يحتاج إلى إلمام بأرقام حقيقية وإحصاءات، أما الحديث فى الدين فكل إنسان على وجه الأرض يقول رأيه، بغض النظر عن مدى معرفته الدينية والاستشهاد بالكتب المقدسة والآيات فهو حديث ساخن عاطفى، يُقسِّم الناس بسهولة إلى معسكرات كلامية، وليست فكرية عميقة، لكنها تعتمد على خطابات وقدرة الخطيب على التأثير بطريقة مسرحية، منهم الأبطال ومنهم السنيدة، وفى هذا المجال تراهم يتقمصون الأدوار المسرحية ويلقون خُطبًا عصماء والضحية هى الشعوب التى تزداد تراجعًا.
•••
إن بداية الحل للخروج بمجتمعاتنا من حالة الظلام إلى النور هى النظر إلى كل المؤثرات التى تنتج التخلف، وليس الغَرق فى متغير واحد، مثل التفسير الخاطئ للدين. التركيز على متغير واحد بصفته مُفسرًا لكل الظواهر سواء كان هو الدين أو الاقتصاد أو السياسة، فكل هذا لا يكفينا لنفسر سبب تخلفنا، إذ لابد من أن نقرأ المعادلة كاملة، بكل متغيراتها، والوزن النسبى لكل متغير، وإدراك أن هذا الوزن النسبى يتغير مع الوقت، فقد يزداد أهمية أو يقل. وإن لم نتجنب اختزال تفسير الظواهر السياسية والاجتماعية فسندور فى متاهة، وأعمالنا تكون قد أحبطت نتيجة للدوران فى المكان ذاته، ضجيج بلا طحن.
فى هذه المرحلة التى يراجع فيها الغرب تراث العلمانية وعلاقتها بالتعددية والديمقراطية، واتساع المجال العام عندهم نتيجة لتعقيدات المشهد الاجتماعى فيما بعد الوباء، ألا يراجع العرب إشاعاتهم المنقولة بشكل مشوه عن الحداثة والعلمانية الغربية وعلاقتها بمجتمعاتهم. إن نصف العلم والاختزال لهو كارثة لنا ولأوطاننا مع بقية الكوارث الاجتماعية الأخرى. وللدول والحكومات والأحزاب والمؤسسات الدينية والعلمانية دور كبير فى الترويج لنصف العلم. وكذلك فى جعل صدارة المسرح الاجتماعى مساحة يمرح فيها البهلوانات ومحدودو المعرفة أو من يتبعون معارف زائفة، فهل نظل على هذا الحال بفعل فاعل أم هناك إمكانية مواجهة قادرة على التغيير والتجديد لكن أصحابها صامتون لسبب أو آخر؟!
‎2021-‎11-‎27