عندما يغيب الإحساس بالخجل والندم!
علي محمد فخرو
بدلا من الشعور الدائم بوخز الضمير والندم من جراء ارتكاب غلطة تاريخية كبرى بحق شعب فلسطين البرىء المسالم، وذلك من خلال إعطاء أرض لا تملكها إلى أناس أغراب لم يولدوا فيها، ومن خلال المساهمة فى تهجير من سكنوها عبر آلاف السنين من العرب إلى المنافى، تطل علينا حكومات تلك الدولة الاستعمارية بين الحين والآخر باتخاذ قرارات انتهازية تعاقب الضحية وتكافئ المعتدى المغتصب المرتكب يوميا لكل أنواع الجرائم الإنسانية البشعة بحق شعب محتل مضطهد لا حول له ولا قوة.
ولم تكتف دولة بريطانيا بما فعلته منذ قرن من خلال إعطاء وعد بلفور والمساهمة فى تنفيذ كل جوانبه اللاإنسانية وغير الحقوقية وغير الأخلاقية، وإنما بقيت على الهامش تتفرج على أقبح إنضاج وتضخيم وتطوير لأقبح مؤامرة استعمارية من قبل أختها فى الرضاعة ووريثتها فى ممارسة الاستعمار، الولايات المتحدة الأمريكية.
وهكذا، وبدلا من الضغط على سلطات الكيان الصهيونى للتوقف عن سرقة الخمسة عشر فى المائة الباقية من أرض فلسطين التاريخية من يد سكانها العرب الأصليين، وبدلا من التفرج مع غيرها على ما يرتكب يوميا من جرائم سجن وقتل بحق أطفال ونساء وشيوخ وشباب شعب فلسطين، ومن مزيد من سرقة المياه، ومن اقتلاع للمتبقى من أشجار الزيتون المملوكة من بعض فقراء فلسطين ومهمّشيها، والتى لا تواجه من قبل بريطانيا وغيرها بأكثر من بيانات شجب بليدة مضحكة.. بدلا من كل ذلك تنظم دولة وعد بلفور للكيان الصهيونى فى تصنيف كل أنواع المقاومات الفلسطينية والعربية والإسلامية ضمن الحركات الإرهابية.
أصبح المعتدى عليه، والمسلوبة أرضه، والمواجه يوميا لسياسات الإذلال والضغط والتهجير، والذى ينزف طيلة العام دما وعرقا ودموعا، هو الإرهابى فى عرف من لا يخجلون. وأصبح الذى يمارس الإذلال والقتل والتهجير والسرقة، والنهم الذى لا يشبع، والتمرد على كل المنظمات الحقوقية الدولية، والاحتقار لكل قرار دولى، والاستعانة بشبكات صهيونية دولية لا تهمها القيم الإنسانية والأخلاقية، أصبح هو الضحية.
هكذا وصل الحال بحضارة الأنوار الغربية. لا يكفى أنها فى السابق استعمرت ونهبت ودمرت مجتمعات، وإنما تمضى الآن فى ممارسة توحش حيوانى، تطوره باستمرار، وتلبسه آلوف الأقنعة، وتسنده بشبكات إعلام وعلاقات عامة زبونية مشتراة.
نحن العرب، كل العرب، نواجه كل تلك الرياح والمؤامرات، ويدوس القاصى والدانى على كرامة كل فرد فينا، ويستهزئ العالم بنا وبالسخف العبثى الذى تعيشه مجتمعاتنا، وبانقساماتنا وصراعاتنا ومؤامراتنا ضد بعضنا البعض، وباستباحة ثروات أجيال الحاضر والمستقبل.. نواجه ونكتوى بنار كل ذلك، ولا نرى إلا رءوس دول وهى مطأطأة، وإلا أرادتهم الوطنية والقومية مشلولة، وإلا نقلنا من فضيحة حياتية إلى فضيحة أخرى، وإلا الارتماء فى أحضان أعدائنا وضاربينا بالسياط وقاهرينا بالعيون الحمراء.
نحن العرب، كل العرب، مللنا كل ذلك، ووصلنا إلى مراحل الغثيان، وأصبح بعضنا يفضل الموت على عيش ذل الحياة الذى لا يصل إلى نهاية.
سيجتمع رؤساء تلك الدول بعد أيام. هل نأمل فى أن نرى ونسمع عن كبرياء انتفض، وعن ضمير استيقظ، وعن التزام وطنى وقومى نوقش، وعن معاهدة للنفس بالتوقف عن شرب كئوس الذل وعلقم الإهانات؟
وإذا كان رد الفعل لن يتعدى العجز والتفرج والاستجداء، وتشفى هذا بمصائب ذاك، وترجى الأعداء الكارهين لنا بالشفقة علينا، فإن على الشعوب أن تخرج من شعار «من يهن يسهل الهوان عليه» وتعود إلى شعار رفعة شبابها ذات يوم: «إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر»، فعسى أن تبدأ الأقدار بدق طبول الكرامة والتحرر من الذل والمسكنة والاستسلام الحقير.
وإلا فسيكون الشعار التالى «على وعلى أعدائى يا رب»، وعند ذاك لن يفيد البكاء والندم.
مفكر عربى من البحرين
‎2021-‎11-‎25