كردستان …. الثورة قادمة !

عارف معروف
ثورة شباب كردستان لن تنحصر في حدود احتجاجات الطلاب في السليمانية ، ولن ينهيها صرف مستحقاتهم ، الضئيلة ، اذ ان مايحركها من عوامل وتخمرات اوسع مدى واعمق من ذلك بكثير …
فمنذ ثلاثين عاما حصلت كردستان العراق على ما هو اوسع من الادارة الذاتية بكثير واقل من وضع دولة مستقلة بقليل ، ومن كان في اعوام التسعينات من القرن الماضي في العاشرة من عمره اضحى ، اليوم ، رجلا في الاربعين وقد شهد ويشهد ان معظم آماله وآمال اجيال الشباب الكردي ، بحياة حرة كريمة قد تبخرت . واذ كانت سياسة التخويف من العدو المتربص قد نفعت لعقدين من السنين في تشتيت الانتباه ، ثم اعقبتها سياسة القاء اللوم في الوضع الاقتصادي الجامد على الحكومة الاتحادية وتلكؤها في صرف مستحقات كردستان منذ 2003 حتى اليوم ، فالجيل الحالي يكاد لا يذكر دكتاتورية صدام ولا مجرمي البعث ولا اقبية الاستخبارات والامن العامة ، ومن يذكر ذلك من الاجيال التي سبقته يرى ان معظم جحوش وعملاء تلك الاجهزة ومرتزقتها من الكرد قد ” اندمجوا ” بالسلطة الكردية واصبحوا مكوّنا عضويا في اجهزتها ، اما ورقة القاء اللوم على الحكومة الاتحادية في ضنك العيش وعدم صرف مستحقات رواتب موظفي كردستان فقد سقطت هي الاخرى ويعرف شباب الكرد ، مثل غيرهم ، ان سلطات كردستان تأخذ المستحقات وتزيد عليها ما تهربه او تصدره من نفط كردستان وما تحصل عليه من المنافذ الحدودية التي تحت يدها ، بل وحتى التخويف من ” داعش ” او ” الميليشيات ” الشيعية لم يعد يجد ردة الفعل الاولى ولا الآذان الصاغية كما كان ….
فالشباب الكردي يعيش منذ عشرة سنوات ، على الاقل ، ازمة متفاقمة …ازمة مستقبل مشكوك فيه وافق مسدود ، فالبطالة المستشرية ومعدلات الفقر الحقيقي المتصاعدة ، وانعدام الامل لدى الشباب والخريجين منهم والطلبة بوجه خاص متفاقمة ، ولا يسترها بهرج الابراج السكنية والفلل” ومعظمها استثمارات خارجية ” دون حاجة فعلية ولا طلب مناسب ، التي لا يرى منها فقراء الكرد سوى الصور المبهرة وبنى لا تعنيهم بشيء ولا تغير من واقع معيشتهم شيئا ، رغم اهميتها ودلالتها بالمقارنة مع جنوب ووسط العراق !
مقابل ذلك يعرف شباب الكرد ومثقفيهم الثروات الاسطورية التي تتنعم بها العوائل الحاكمة واتباعها ، والتي تتأتى من استغلال الحصة المالية ” الكردية ” التي يتوجب على الحكومة الاتحادية دفعها اذعانا للامر والتنظيم الامريكي للعراق ” الجديد ” ، ومن بيع او تهريب نفط كردستان لصالح هذه العوائل ومن مبالغ الدعم الخارجي ومن استثمار المنافذ الحدودية ومن المبالغ الضخمة التي تدفع من العراق لاعداد هائلة من موظفين وهميين …الخ !
واذا كان مؤسسو هذه العوائل ، ” رموزا او مناضلين قوميين تعلقت ببعضهم آمال الكرد وشبابهم في فترات معينة فان ابناءهم لم يعودوا كذلك ، فالنضال لا يورث ، وابناءهم وعوائلهم بدأوا بالتفكك والصراع من اجل السطوة والثروة ، وهم ليسوا في وارد تقديم حلول حقيقية لمشاكل الكرد او تطلعات شبابهم الى مستقبل افضل ، اولئك الشباب الذين بدأوا بطرق باب الهجرة كحل اخير حتى فاق عدد المهاجرين المئة مهاجر يوميا ، وعلى مدى هذه السنوات ، حسب مصادر عديدة ، اصبحوا مادة دسمة لاستغلال المهربين والمتاجرين بالبشر وكانت ازمة او فضيحة الموت المجاني المعلن على الحدود البيلاروسية غيض من فيض من وقائع مؤلمة لم يسلط عليها الضوء !
ان ما يميز شباب الكرد ، وخصوصا في السليمانية ، عن الشباب في الكثير من مناطق العراق ، هو مستوى الوعي بحقيقة محنتهم ، ووعيهم بأسباب وشخوص هذه المحنة ، وخضوعهم لقدر اقل بكثير من حقن ” المورفين ” السياسي ، ومعرفتهم بعجز العوائل الحاكمة و” نظامها ” السياسي ليس عن تقديم الحلول للمشكلات بل وعجزه عن مسايرة الشعارات والمطامح والحماسات التي رباها ورعاها في نفوس وعقول ووعي هذه الاجيال حينما كان يقدم نفسه كبديل قومي وديمقراطي وحل حقيقي لمعاناة الكرد الممتدة . ومن هنا فأن اسبابا كثيرة ترشح حراك السليمانية لان يكون فتيلا لحريق اكبر وهو في كل الاحوال تعبير عن ثورة متنامية لها اساسها الاجتماعي والاقتصادي الحقيقي !
‎2021-11-25