الدور السام لبلاسخارت في العراق.. وخلط الأوراق!


بغداد – عادل الجبوري

لم يعد خافيًا على أحد القدر الكبير من الاشكاليات والأخطاء الفنية التي حفلت بها الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة التي جرت في العاشر من شهر تشرين الاول-اكتوبر الماضي، ولعل الجدل والسجال المحتدم منذ شهر ونصف الشهر يؤشر الى جانب من هذه الاشكاليات والأخطاء، مع التأكيد على أن بعضًا منها قد يكون طبيعيًا ومتوقعًا بالنسبة لأي انتخابات، لأسباب وظروف موضوعية، فضلًا عن حصولها في العراق، الذي تتداخل فيه المشاكل والأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، لتلقي بظلالها الثقيلة دومًا على عموم المشهد العام للبلاد.

وفي الاطار العام، تبلور اقرار واعتراف ضمني أو صريح، بحصول اخطاء وتجاوزات وتلاعب وتزوير في الانتخابات، ولعل عمليات اعادة العد والفرز اليدوي لمئات المحطات أشّرت الى ذلك، الى جانب معطيات وحقائق أخرى.

وبما أن التعبير عن الرفض والاعتراض والتحفظ على نتائج الانتخابات ومخرجاتها، لم يخرج عن السياقات السلمية القانونية، وبقي يتحرك تحت سقف النظام والقانون والدستور، سواء من خلال المواقف والتوجهات السياسية، أو عبر الحراك الجماهيري في الشارع، لذا فإنه من غير المبرر أن يثار الكثير من المخاوف والهواجس، وتطرح السيناريوهات التشاؤمية القاتمة، حول ما يمكن ان تؤول اليه الأوضاع الراهنة، بحيث بات البعض يردد مصطلح “الانسداد السياسي” دون فهم وتفهم كاف لحقائق الواقع السياسي العراقي ومساراته وايقاعاته في ظل غياب القدر المطلوب من الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي.

حراك الكواليس السياسية، الذي لم ينعكس بالكامل الى الفضاء الاجتماعي العام، لا يحمل بين طياته أي مؤشرات تصادم وتأزم وانفلات، في ذات الوقت الذي يقر ذلك الحراك بشتى خطوطه واتجاهاته بوجود خلل في مجمل العملية الانتخابية، بيد أن الاختلاف يكمن في آلية معالجة وتلافي ذلك الخلل، قبل الذهاب الى الخطوات اللاحقة.

بيد أن الخطر الحقيقي من وجهة نظر الكثير من الساسة وأصحاب الرأي والمراقبين، يكمن في طبيعة التعاطي الدولي مع الوضع العراقي، لا سيما ما يتعلق بجزئية الانتخابات واشكالياتها الفنية والسياسية المطروحة. جانب كبير من ذلك التعاطي، تمثله البعثة الاممية في العراق من خلال رئيستها جينين بلاسخارت، ذلك التعاطي المثير للجدل منذ اليوم الاول الذي وطئت فيه قدماها أرض مطار بغداد الدولي في اب-اغسطس 2018، حينما اطلقت تصريحات استفزازية لا مبرر لها، لتستمر وتتواصل المواقف والتصريحات والبيانات المرفوضة، بخصوص تظاهرات تشرين وحكومة عادل عبد المهدي، وبخصوص الحشد الشعبي، ومن ثم الانتخابات، وغيرها.

ولعل الإحاطة التفصيلية التي قدمتها بلاسخارت الى مجلس الامن الدولي في الثالث والعشرين من شهر تشرين الثاني-نوفمبر الجاري، عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، مثلت خير شاهد ودليل على ما ذهبنا اليه. فهي في احاطتها التفصيلية تجاهلت الكثير من الأرقام والحقائق والوقائع الانتخابية، وتغاضت عن مساحات الرفض والتحفظ والاعتراض الواسعة من جهات وأوساط مختلفة، ولم تتوقف عند قدر غير قليل من الاشكاليات والأخطاء الفنية التي رافقت العملية الانتخابية وتسببت بمخرجات لم تعكس صورة الواقع على الأرض كما هي، وأجهدت نفسها لاثبات حقيقة هشة، مفادها أن الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق كانت الأفضل والأنزه من كل سابقاتها على مدى ثمانية عشر عاما.

وفي هذا السياق تقول بلاسخارت إن “إجراء انتخابات تشرين الأول تخللته صعوبات، ولكن المهم أنها تمت إدارتها فنياً بشكل جيد، وهي عملية تستحق المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وآخرون التقدير بشأنها. وفي الواقع، يمكن أن تكون الانتخابات البرلمانية الأخيرة بمثابة نقطة انطلاق مهمة على مسار أطول نحو استعادة ثقة الشعب”. لكن واقع الحال يشير الى خلاف ذلك، وتلك نقطة جوهرية وحساسة، تطرقت اليها المبعوثة الاممية في خطابها الى مجلس الامن، وحذرت منها، حينما تحدثت عن مخاطر الانسداد السياسي، وذاك تناقض واضح وفاضح.

وقد أكد بعض السياسيين “أن ردود بلاسخارت لا تأتي الى مستوى الحجة والبيان، وكانت هي قد وعدت قوى الاطار التنسيقي بأن أدلته المقدمة عن الخروقات الانتخابية ستكون حاضرة في تقريرها الخاص خلال إحاطتها لمجلس الأمن، ولكن الواضح انها كانت مدافعة شرسةً عن سلامة ونزاهة المفوضية وإجراءاتها واعلاناتها المتخبطة وطبيعة النظر الى الطعون المقدمة، ولم تلتزم بالوعد الذي قدمته لقوى الاطار”. واكدوا أيضًا “ان بلاسخارت في تقريرها الذي قدمته لمجلس الامن الدولي كانت تعبر عن وجهة نظر واحدة فقط، وهي وجهة نظر القوى الفائزة، وتدافع عن مفوضية الانتخابات بكل قوة، في الوقت الذي اعلنت فيه المفوضية ان دفاعها السابق عن العملية الانتخابية ونزاهتها وشفافيتها كان غير دقيق”.

وما ينبغي التذكير به والتنبيه اليه، هو أن المبعوثة الأممية كان لها دور كبير في الترحيب المبكر والمتسرع جدا لمجلس الامن الدولي بالانتخابات العراقية ونتائجها، في وقت لم يكن بعد قد تم حسم الاعتراضات والطعون، ولم تتم المصادقة على النتائج من قبل المحكمة الاتحادية، كما ينص الدستور على ذلك.

وفي مقال سابق، وبعد صدور تقرير لبلاسخارت قبل أربعة شهور، تضمن مغالطات حول الحشد الشعبي، قلنا “ان التقارير الدورية التي ترفعها بلاسخارت الى مجلس الامن الدولي، كانت تتضمن الكثير من المغالطات وتزييف الحقائق والتحريض، ولا يحتاج المتابع الى جهد كبير، ليكتشف أنها تنسجم وتتوافق مع مزاج ورغبة كل من واشنطن ولندن، ولم يبالغ من يقول ان بلاسخارت تتواصل مع السفارتين الاميركية والبريطانية في بغداد اكثر مما تتواصل مع رؤسائها في مقر المنظمة الدولية بنيويورك، ناهيك عن كونها تبحث عن الاستعراضات الاعلامية الفارغة، أو ما يطلق عليه باللهجة العراقية الدارجة “الطشّة””. وأضفنا “تبدو بلاسخارت وفقًا لجملة حقائق ومعطيات ومؤشرات عنصرًا أساسيًا وفاعلًا ومؤثرًا في تكريس منهج خلط الأوراق في المشهد العراقي، لإحداث المزيد من التشظي والانقسام السياسي والمجتمعي، والابقاء على التواجد العسكري الاميركي، وربما قضايا أخرى”.

وارتباطًا بالعبارات الأخيرة، تنبغي الاشارة الى أنه لم يبق على انجاز جلاء كل القوات الأميركية من البلاد سوى شهر وبضعة أيام، وهذا يعني أن المشهد العراقي مهيأ للمزيد من خلط الأوراق، وبلاسخارت قد تكون واحدة من بين الذين سيقومون بهذه المهمة!.
‎2021-‎11-‎25