أحد الأصدقاء كما كثير غيره يقول : الشعوب نايمه !
هل فكرنا ان نجيب يوما على هذا ؟
عماد قطينة
ليس بالضرورة أن نبحث الحاضر لنصل الحقيقة , بل لابد من العودة للماضي القريب أو البعيد للمقارنة وأيجاد الفوارق الفارقة التي أنتجت ما نحن فيه .
الشعوب عموما وبمعظمها عبر التاريخ , مارست دورها وحقها في رسم معالم مستقبلها ونجحت حتى وصلت الى ما يسمى عصر الحضارة . وشعوبنا العربية قبل قرابة مئة عام كانت جزء من هذا , واستمرت أن تكون جزء منه وحققت بمعظمها استقلالها وقررت مصيرها وبنت دولا إزدهرت يوما قبل أن تنطفيء مجددا .
كل الشمال الإفريقي العربي من المغرب حتى مصر والسودان , تمكنت شعوبه من انجاز التحرر بالتضحيات والإيمان المطلق بحريتها وحقوقها , وبالإستعداد المطلق ايضا للتضحية في سبيل ذلك , وقدمت قادة شهداء او معتقلين .
كل بلاد الشام والعراق واليمن قدمت ذات التضحيات وأنجزت الإستقلال بصورة أو أخرى , وأنجزت على صعيد المهام الكثير قبل الإنكفاء . وهذا يؤشر لشعوب ليست نائمة . فلماذا اصبحت شعوبنا نائمة في نظر البعض ؟
لا أريد الإنطلاق من ثابت أن الشعوب حية لا تنام , بل سنتدرج للوصول لهذه الحقيقة .
قبل قرن وأكثر كان العدو خارجيا مستعمرا واضح المعالم في اللغة والممارسة والأهداف , لا خلاف عليه بين شعب وقيادة , لذا كان بديهيا أن تلتف الشعوب حول قيادتها , وغالبا ماكانت قيادة واحدة موحدة , وبهدف واحد واضح ايضا , وبهذا تحقق تكثيف الجهد وصبه مركزا على عدو بعينه في برنامج بسيط يتلخص في شعارات محدودة سهلة ومفهومة .
في تلك الحقبة كان الصراع بين الوطنية بما فيها الإقطاعية والبرجوازية الناشئة المتضررة من ثقافة استعمارية ترى في الجميع عبيدا لأهدافها وبين والإستعمار , وكانت الإمتيازات التي تقدم لها لاترتقي لإستقلال وسيادة , بقدر ما كانت تسهيلات بآفاق أقل من طموحها ومصالحها كشريحة تبحث عن مكان لها تحت الشمس .
في تلك الحقبة كانت الأحزاب غير متبلورة بمعناها السياسي وعضويتها محدودة وليست عضوية شعبيه , وطابعها عائلي وعشائري وقبلي الى حد بعيد , وقليلها كان ذات بعد تمثيلي لشرائح أو جهات اقطاعية او برجوازية ناشئة او دينية , لكنها دائما مخلوطة بالعائلية .
وبعد انجاز الإستقلال ووصول هذه القوى للسلطة , لم يعد تطوير الأهداف والمطالب مصلحة أساسية لدى العديد منها سوى استثناءات ضيقة .واصبح الحكم غاية وليس وسيلة , له أدوات قمعه وفرض هيبته , وإعتلاه الكثير من الصدأ والتكلس بحكم تولد المصالح والإمتيازات وبالتالي شرائح منتفعة إمتلكت الثروة والجاه والقرار . وبالتالي كان الإنحراف طبيعيا والإصطدام بمصالح الشعوب وآمالها مسألة حتمية .
من هنا كان الإرتداد على الإستقلال والعودة لإبط الإستعمار الجديد بفعل تداخل المصالح , بصورة مشوهة وبتضليل ثقافة وإعلام .
وكشعب فلسطيني كنا ولا زلنا طبعا في مرحلة تحرر بحثا عن الإستقلال , وكنا نمتلك قيادة تحظى بثقة شعبية رغم تعدد تنظيماتنا وكثرة عثراتها , وكان همنا مقاومة الإحتلال تحت أي يافطة مقاومة , ننتمي لها بوعي او بدون وعي . فقد كان الهدف أهم من لمظلة , والوسيلة كانت أوضح من خلال السلوك المقاوم العنيف أولا , أي الكفاح المسلح على قمة اشكال النضال . وكان التنافس على أشده فيمن يتميز أكثر بالعنف الثوري الجاذب , من عمليات نوعية استشهادية , أوخطف طائرات وما شابه .
هذا أكد حيوية الشعب ولم يحيه , أكد على شيء موجود ولم يوجده , وإن كان له الفضل في المساهمة في ايجاد بيئة تسرع تفاعله وفاعليته .
لذا فإن تهيئة المناخات التي تتجلى فيها حيوية الشعب , كانت المهمة الأساسية للقوى والأحزاب . وفي اللحظة التي تخلت فيها هذه القوى بوصفها طليعة ولو من الناحية النظري , عن دورهاوتراجعت لصالح نهج التسوية , كان طبيعيا ومنطقيا أن يتراجع حماس وثقة وعطاء وتضحياة هذا الشعب .
الشعب الفلسطيني ثقافته ثورية بحكم النكبة وكوارث الإحتلال وبعض تثقيف مرحلة الثورة , وعند وجود قيادة بثقافة تسوية على حساب حقه في العودة والتحرير تعتلي سدة سلطة تولت ذات مهام الإحتلال الوظيفية من سلوك بوليسي وتحصيل ضرائب ومطاردة المقاومين والتغاضي عن العملاء الأمنيين , والتحالف مع عملاء الإقتصاد , وتوزير المستسلمين , وقبول ذيلية الرجعيين وحماية أمن المستوطنين , وتسميم المناهج التعليمية , والصمت عل الإستيطان وووووو الخ . هنا حصل الطلاق البائن بين شعب وماتسمى قيادة .
معنى ذلك أن استجابة الشعب لقرارات ومطالب القيادة أصبحت شبه مستحيلة سوى من بعض المنتفعين من شذوذ هذه الحالة . وبالتالي الشعب نائم عن مشاريع القيادة , لكنه حي و في قمة الصحوة ضد الإحتلال بدافع وطني وبقرار فردي . وهذا ايضا يؤشر لإتهام جميع القوى والأحزاب بالمسؤولية عن هذا الوضع والمساهمة فيه مع الفوارق , دون التخلي عن المتهم الأول ممثلا بالنظام السياسي الفلسطيني .
إن مخدرات الشعوب وأفيونها هم المنظرين السياسيين والأحزاب والسلطة التي لعبي دور التضليل والكذب والنفاق السياسي . السياسيين الذين تربعوا لعقود على راس الهرم السياسي والهرم الإقتصادي . السياسيين الذين استوزروا واهتزوا وقايضوا مهمتهم التاريخية , والتحقوا بركب تسوية لن تتم , وراهنوا على وهم الأمل المفقود في أوسلو , وتخلوا عن ثوريتهم للإصلاحيين , وعن علميتهم للدجالين , وعن طليعيتهم للذيليين , وعن أحزاب ديدية لصالح أحزاب مكاتب كرتونية .
لا يلام شعب وجد قيادته عدوه حين يتخلى عنها . هو ليس نائم , بل صاح بين نيام . المشكلة ليس في الشعب . المشكلة في القيادة سلطة ومعارضة . المشكلة في من يعجز عن ضخ الهواء النقي والفكر المنير والثقافة النضالية والمُثُل العليا , فيمن يناصر الباطل ويخلى عن الحق , فيمن يحابي القوى ويتخلى عن الضعيف , فيمن يصمت وقت الحاجة لكلمة حق ويتكلم بالباطل ارضاء لمسؤول .
لن يجدوا شعبا حيا في الدفاع عن الظلم والقهر والفساد . الشعب ثابت حي وعلى القيادة أن تنتقل لموقعه وحقوقه وآماله وأمنياته ومصالحه وكرامته وسترى حيويته المفقودة أكبر من توقعاتهم .
‎2021-‎11-‎25