نشأة الأكراد وأصولهم!
سليمان يوسف يوسف
يُجمع المؤرخون وعلماء الآثار على أن( بلاد ما بين النهرين – الدجله و الفرات )-المنقسمة اليوم بين (سوريا وتركيا و العراق) – هي مهد (الحضارة البشرية الأولى). الجزيرة السورية، الجزء الهام والحيوي من أرض النهرين، يصفها علماء الآثار بـ” المتحف الطبيعي ” لما تختزنه وتحتضنه من تلال ومواقع أثرية آشورية . وفق البعثات الأوربية وعلماء الآثار ، محافظة الحسكة وحدها تحتضن أكثر من( 1200 تل أثري)، جميعها تعود الى (الحضارة الآشورية). عالم الآشوريات الإنكليزي، (هنري أوستن ليارد) يقول في مذكراته، عن التنقيبات في الجزيرة السورية “في العصور الآشورية قبل 900 سنة من الميلاد بنى الملوك الآشوريون أمثال (حدد نيراري و تيكولتي نينورتا) مدنهم على حوض الخابور الجنوبي ومنطقة وادي الفرات ، وتميزت هذه المدن بأسوارها الضخمة وتماثيلها التي تبرز (الثور المجنح الآشوري) المعروف بضخامته وهيبته، كان يضعه الآشوريون على أبواب القصور للحراسة ويسمى (لاماسو) وهو يشبه التماثيل الموجودة في محافظة دير الزور “. يضيف ( لا يارد): ” في تل عجاجة- جنوب الحسكة ، في ربيع عام 1850 ميلادي تم اكتشاف بقايا قصر آشوري وعدد من التماثيل وكؤوس عليها نقوش . هذه الاكتشافات قادت علماء الاثار للاعتقاد بأن هذا التل يخفي في ثناياه مدينة “شاديكاني”، التي ورد ذكرها في سجلات الملوك في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، وهم “حدد نيرا ري”، “تيكولتي نينورتا”، و”آشور ناصر بال الثاني”… الصورة المرفقة هي لـ(معبد آشوري)في( تل ليلان ) الأثري- 30 كم شرق القامشلي- جنوب بلدة (قبورالبيض/القحطانية).. المعبد يعود إلى الألف السادس والخامس والرابع ق.م . أكتشف من قبل بعثة أمريكية من جامعة ( يل ) برئاسة (هارڤي وايس H.Weiss.) تم العثور في المعبد على أرشيف كتابي قدّم معلومات غزيرة ومهمة عن الواقع ( السياسي والاقتصادي) للعصر الآشوري . وقد اختار الملك الآشوري (شمسي حدد) في بداية القرن التاسع عشر ق.م مدينة شخنا في (تل ليلان) لتكون عاصمة ثانية له بعد عاصمة الامبراطورية( آشور) وأُطلق عليها اسم شُباط إنليل Shubat-Enlil (أي( قصر الإله إنليل ). كما دلت على ذلك الرقم المسمارية التي وُجدت في الموقع. في موقع التل حالياً توجد قرية (تل ليلان ) أخذت اسمها من اسم الاله الآشوري( إنليل). حقيقة، تحت كل صخرة وأسفل كل تل وداخل كل مغارة، توجد كنوز وآثار ومعالم تشهد على عراقة وأصالة الحضارة الآشورية في منطقة الجزيرة السورية وفي بلاد ما بين النهرين عامة. بلاد (سومر وأكاد وبابل وآشور).
هذه الحقائق التاريخية ، تؤكد بأن ليس لـ(لأكراد الميديين) أي وجود (تاريخي حضاري) قديم في كل (بلاد ما بين النهرين)، وتنفي أية “صلة عرقية” للأكراد مع أقوام بلاد ما بين النهرين(السومريين و الأكاديين والبابليين والآشوريين). هذه الحقائق التاريخية الموثقة وغيرها ، تدحض نظريات وفرضيات ، هي من نسج خيال بعض الكرد ممن يُقدمون أنفسهم على أنهم “باحثون و مؤرخون” ، التي يزعمون فيها بأن جذور وأصول الأكراد تعود الى السومريين والأكاديين وينسبون الكثير من العظماء البابليين والأكاديين والآشوريين الى الأكراد ، أمثال (الملك حمورابي وآشور بانيبال ونبوخذ نصر)، والقول بأن (ملحمة كلكامش ) السومرية هي كردية . السومريون، سكنوا جنوب بلاد ما بين النهرين ، أقاموا حضارة عريقة عاصمتها (أور) في الألف السادس قبل الميلاد.( أور )،مسقط راس (ابراهيم الخليل). فالسومريون وغيرهم من أقوام بلاد ما بين النهرين هم من أصول (سامية). أما الأكراد الميديين، فهم من عرق( آري – هند أوربي) وهم إحدى السلالات الفارسية . هذه حقيقة تؤكدها الكثير من الأدلة والشواهد التاريخية والجغرافية كذلك (علم الأعراق – الأثنولوجيا ) الذي يبحث في أصول الشعوب… نعم ، الأكراد هم إحدى السلالات الفارسية موطنهم التاريخي بلاد فارس(ايران الحالية) . في التقسيمات الادارية لايران يوجد مقاطعة أو محافظة ( كردستان) .أول محاولة كردية لقيام كيان كردي كانت في مدينة مهاباد الايرانية 1949 ..اللغة الكردية أو بالأحرى (اللهجات الكردية ) ،لأن ليس للكرد حرف خاص بهم ، هي من اللهجات الفارسية . حتى اليوم ، نحو 50 % من المصطلحات والأسماء والأعداد مشتركة بين اللهجات الفارسية واللهجات الكردية.. الديانة قبل الاسلام كانت واحدة للفرس والأكراد (الزردشتية). كثير من الأعياد والتقاليد الدينية والشعبية مشتركة بين الأكراد و الفرس أبرزها عيد(النوروز)… (الأكراد) استفادوا كثيراً من اعتناقهم للإسلام، بالتمدد في الجغرافيا خارج مناطقهم التاريخية في بلاد فارس والوصول إلى سوريا وبلاد ما بين النهرين(العراق) وأرمينيا، على حساب سكان هذه المناطق، خاصة إبان حملات وغزوات (صلاح الدين الأيوبي) الكردي وفي زمن حكم (السلطنة العثمانية)، التي نفذت أبشع جريمة إبادة جماعية بحق المسيحيين الخاضعين لسلطتها، من أرمن وسريان آشوريين ويونان 1915، بمشاركة كردية واسعة. تلك المذابح أحدثت تغيير ديمغرافي كبير وخطير لصالح (العنصر الكردي) المسلم، وهذا يفسر كون اليوم المناطق التاريخية للأرمن والآشوريين التي ضمتها تركيا ذات (غالبية كردية) ساحقة . القوميون الكرد يستنسخون تجربة القوميين العرب والقوميين الأتراك في العنصرية والشوفينية وفي تشويه وتزييف حقائق التاريخ وطمس حضارة الشعوب الأصيلة التي استحلوا أرضها واستوطنوا فيها. تغير اسم مدينة (نوهدرا) الآشورية الى (دهوك) و (اربيل)الآشورية الى “هولير” من قبل الأكراد ، خير دليل على وجود خطة كردية ممنهجة لتكريد جميع الأوابد التاريخية و معالم الحضارية السومرية الأكادية( الآشورية البابلية)،لأيهام وتضليل الراي العام العالمي بأن الأكراد هم أصحاب هذه الحضارة العريقة . عن تاريخ وحضارة الأكراد، يقول الباحث الكردي العراقي المتخصص بتاريخ شعوب الشرق الأوسط من جامعة السوربون الدكتور (عمر ميران) يقول: “المنطقة التي يسمونها، كردستان، كلما ذُكرت أمامي وأنا ابن تلك المنطقة، أشعر بالاشمئزاز لما تحمله هذه التسمية من عنصريه بغيضه. هذا الاسم يلغي الوجود الفعلي للكثير من القوميات المتواجدة فيها، من آشوريين وإيزيديين وعرب وتركمان وغيرهم. إنهم يريدون أن يُفهموا العالم بأن الأكراد كانوا أصحاب حضارة وعلم، وكل هذا غير وارد تاريخياً، وليس له أي إثبات علمي. علما أن معالم الحضارة الآشورية، الموجودة في نفس المنطقة، ماتزال قائمه هناك”.
‎2021-‎11-‎25