عام 2022 – والمنجمون العرب!

د. عمر ظاهر

حتى قبل أقل من قرن من هذا التاريخ كان الحديث عن نهاية العالم والعلائم التي تنبئ بتلك النهاية المرعبة حصرا على من ينطلقون في نظرتهم إلى العالم من المفاهيم الدينية. كذلك كانت ملحمة يأجوج ومأجوج، ودولة بني إسرائيل بين الفرات والنيل، وظهور المسيح، الدجال المسخ ثم الحقيقي، والمهدي المنتظر، ونشره العدل والسلام في الأرض بعد أن تكون قد امتلأت جورا وظلما. وكذلك كانت الحال مع الحديث عن الأقوام التي عمرت الأرض قبلنا وكانت أشد قوة منا وأكثر منا أموالا وأولادا، لكنها لم تستطع منع أقدارها في الفناء تحت وطأة إفسادها في الأرض. كانت تلك في نظر المتنورين أساطير الأولين. ومن كان يفسر حديث القرآن عن عادٍ الأولى كإشارة إلى أنه ستكون هناك عادٌ الثانية، كان يرسم ابتسامة الاستهزاء على الثغور.

من يستمع إلى (العلم) وأقوال (العلماء) اليوم، ويتابع أخبار ما يتهدد الأرض والحياة عليها من مخاطر، يصاب بالذهول من شدة تطابق ما يحذرون منها وما يخيفوننا منها من سيناريوهات مع (دعنا نقول) النظرية الدينية عن نهاية العالم. إننا نشهد تغيرات المناخ وما تستتبعه من كوارث، ولا يكاد يمر يوم دون أن نسمع عن كويكب قد يصطدم بالأرض، وعن الانقراضات الكبرى في تاريخ الحياة على الأرض. وسمعنا قبل ذلك عن طبقة الأوزون. وها قد جاء فيروس نكرة فقلب حياة البشر على الأرض، وعطل أعمالهم، ولا يكاد يعطينا فكاكا، فنحن منهمكون في تتبع أخبار متحوراته، ومرتعبون بخصوص مصدره، ومن احتمال أن تكون هناك موجات أخرى من الفيروسات تترصدنا بعد كورونا، وتتوعدنا بالويل والفناء، وما إذا كان كل ذلك نذر حروب بيولوجية سوف لن تبقي ولن تذر. أما كابوس الحرب النووية والتي، إن وقعت، سترسم على الأرض أسوأ السيناريوهات، فهي تتطابق إلى حد كارثي مع تلك التي رسمتها في أذهاننا القصص الدينية. ناهيك عن أن الحروب، والظلم، والجور، والفقر، والفساد كلها وصلت درجات قياسية في حجمها وانتشارها عن قصد وسبق إصرار. وصار هناك من يرى أن أمريكا قد تجاوزت في الفساد والإفساد في الأرض ما هو معروف عن قوم عادٍ الأولى، فأصبح أمل المضطهدين في الأرض أن يكون ظهور المنقذ، المسيح أو المهدي المنتظر، حقيقة وليس أسطورة، وأن يكون مصير عاد الثانية مثل أختها الأولى.

ليس القصد من هذا الحديث الزعم بأن نبوءات الأقدمين تبدو وكأنها تتحقق، ولا التساؤل عن مصدر تلك النبوءات التي جاءت في زمن لم يكن شيء من هذا الذي نشهده الآن واردا في الحياة اليومية للبشر. لا نسأل: من كان يعرف طبقة الأوزون، وانبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون، وانهيار الجبال الثلجية في القطب الشمالي، والأسلحة النووية والجرثومية، وظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، وغيرها، فهذه مسائل فيها نظر.

بين التنبؤات والمعرفة
نحن نتوقف عند جزئية من هذا الواقع الذي نعيش فيه اليوم، وعند نبوءات تتعلق بهذا الجزء من الواقع، ونقصد بهذه الجزئية ظاهرة إسرائيل، وأسطورة كيانها المزعوم بين النيل والفرات، ثم الحديث عن نهاية ذلك الكيان، وهو حديث يجري تناوله اليوم بشكل واسع حتى أن بعضهم يرى بيقين غريب أن تلك النهاية قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى، وهذا في الوقت الذي يرى الآخرون أن إسرائيل تحقق انتصارات خرافية وأنها قد علت حقا علوا كبيرا.

نقول سلفا أن هذه الظاهرة، أي قيام إسرائيل واحتمال زوالها، يمكن دراستها بعيدا عن الأديان والتنبؤات الغيبية، كمسألة تاريخية وسياسية، واقتصادية، وديموغرافية. في هذه المجالات، أي التاريخ، والسياسة، والاقتصاد، والديموغرافيا من المعرفة الموثقة ما يكفي لدراسة إسرائيل وبدايتها ونهايتها كظاهرة عادية شأنها شأن العديد من الدول وحتى الامبراطوريات التي نشأت في ظروف تاريخية مواتية ثم اضمحلت تحت وطأة ظروف أخرى مواتية لزوالها. لكن هناك في قصة إسرائيل ما هو غير طبيعي، ولا يتوافق حتى مع نظرية ابن خلدون عن نشوء الدول وزوالها. بل إن هذا الشيء غير الطبيعي في هذا الكيان أمر لا يمكن تفسيره بأية نظرية في مجالات التاريخ، والسياسة، والاقتصاد، والديموغرافيا، فإسرائيل ظاهرة شاذة بمقاييس عديدة.

الغريب في كيان إسرائيل
عندما نتطلع إلى خارطة العالم فإننا نجد أن هناك بلدانا أو دولا كانت موجودة دائما، لكن حدودها تتغير، فإما تتوسع أو تتقسم، أو حتى تلحق أجزاء منها بما يجاورها. تلك هي الحال، مثلا، مع خارطة روسيا وما تحيط بها من كيانات، فقبل نيف وثلاثين عاما كان هناك كيان عملاق اسمه الاتحاد السوفيتي أنشأته روسيا مع الكيانات المحيطة بها. واليوم تقسم ذلك الاتحاد إلى عدة دول مستقلة. لكن تلك الدول كانت موجودة أصلا، أو بعبارة أدق فإن سكانها هم أنفسهم بأعراقهم، وأجناسهم.

الغرابة في حالة إسرائيل لا تكمن في أنها لم تكن موجودة على خارطة العالم قبل ثمانين سنة، وأن الأرض التي تحمل هذا الاسم كانت، وما تزال، تحمل اسما آخر، هو فلسطين، والشعب الذي كان، وما يزال، يعيش على هذه الأرض شعب آخر هو شعب فلسطين، وأن سكان إسرائيل قد جُمعوا من جميع أصقاع العالم لا تربطهم بهذه الأرض غير خرافة قديمة لسنا متيقنين من أن عمرها ثلاثة آلاف سنة، فربما يكون عمر الخرافة هو نفس عمر الحركة الصهيونية. ورب قائل: حقا، لا غرابة في هذا أيضا، فقبل إسرائيل كانت هناك حالة أخرى، وهي حالة أمريكا التي لم تكن موجودة على الخارطة أصلا، وكان سكان تلك الأرض التي اسمها اليوم أمريكا مئتا مليون إنسان ممن يطلق عليهم “الهنود الحمر”، أبادهم المستعمرون الأوروبيون عن بكرة أبيهم. وإسرائيل تتبع نفس النموذج الأمريكي في الاحتلال والاستيطان وإبادة سكان الأرض الأصليين.

الغرابة تكمن في شيء آخر تماما. لكي نوضح هذه الغرابة تلزمنا مقارنة بين “دولة” إسرائيل وأية دولة أخرى في العالم، العالم الثالث تحديدا، مثلا أوغندا في أفريقيا، أو غواتيمالا في أمريكا اللاتينية، أو بوتان في شبه القارة الهندية. شعوب هذه البلدان، ورغم فقرها المدقع، تعيش في طمأنينة، فهي لا تخاف من أن يأتيها أحد، ويأخذ من أيديها الأرض التي تعيش عليها، فأرضها لها. وهي تعيش بلطف الله وبفضل ضعفها، فليس لديها أسلحة نووية تحمي بها نفسها، أو تهدد بها أعداءها. وعلى عكس إسرائيل التي تغدق عليها أمريكا مئات المليارات من الدولارات كل سنة، فإن هذه البلدان تتعرض ثرواتها للنهب من أمريكا وغيرها. وهذه البلدان تعيش، مثلها مثل بقية دول العالم، دون حماية من ثلاث من أقوى الدول في العالم – أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، ودون حماية من الاتحاد الأوروبي. وليس لدى أي شعب من هذه الشعوب فوبيا مثل “معاداة الأوغندوية”، أو “معاداة الغواتيمالوية”، أو ” معاداة البوتانوية” شبيه بفوبيا “معاداة السامية”. وشعوب هذه البلدان سعيدة أكثر بما لا يقاس من الإسرائيليين، فهي تعيش تقريبا في أحضان الطبيعة، وتحت الشمس وقبة السماء، وإن اشتد عليها المناخ، فلا تحميها غير أكواخ بسيطة، على عكس الإسرائيليين الذين يقضون ثلاثة أرباع حياتهم في ملاجئ محفورة في أعماق الأرض، وتحميها قبة حديدية، وغطاء من التكنولوجيا المتطورة. وشعوب هذه البلدان لا تحتاج كي تبقى على قيد الحياة لا إلى استخبارات مثل الموساد، ولا إلى أنظمة تجسس مثل بيغاسوس، ولا حاجة بها إلى “ذئب أزرق” أو ذئب بلون آخر. إنها كما قلنا تعيش بلطف الله، آمنة مطمئنة بلا خوف من الغد، أو من اليوم.

إسرائيل، ورغم كل القوة التي تمتلك ناصيتها والحماية التي تحظى بها من أقوى أقوياء العالم، تعيش في خوف دائم، وهذا ما يدل عليه سلوكها.

وليس هذا وحسب
كل هذه ولا تتوقف الغرابة في أمر إسرائيل، بل هناك ما هو أغرب، فإسرائيل وضعت لبقائها شرطا مستحيل التحقيق، ألا وهو أنها يجب أن تكون وحدها قوية في كل المناطق حولها في آسيا وأفريقيا – (حاليا وبصورة مؤقتة تعتبر أوروبا حامية ظهرها). لننتبه جيدا، الشرط ليس أن تكون إسرائيل هي الأقوى، بل أن تكون وحدها القوية، وكل من حولها ضعيف وخاضع لها، وإلا فإنها تشعر أن وجودها وبقاءها مهددان.

هذا الشرط تعمل إسرائيل وحماتها وضامنوها على تحقيقه من عشرات السنين، وهو شرط يبدو على السطح أنه يكاد أن يكون قد تحقق إلا قليلا. فنظرة إلى العالم العربي تكفي لنتيقن أن العرب لم يعودوا يشكلون خطرا على إسرائيل، ولا تهديدا لها. بل وكل حكامهم يسارعون إلى التطبيع معها. لكنها مع هذا خائفة.

بل وحتى الفلسطينيون لم يعد جل جماعاتهم يشكلون خطرا عليها. لكن إسرائيل خائفة. وما نراه من هذا الخوف مثير حقا للاستغراب. إننا نرى كل يوم، وفي كل ساعة جنودا إسرائيليين مدججين بالسلاح من سمت رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم، وهم في فصائل يتواجهون مع طفل فلسطيني أو إمرأة فلسطينية. غريب! هذه الدولة التي دمرت كل دول العرب، وصارت تسيّر زعماءها تسييرا كأنهم خراف، لماذا لا تسترخي وتتعامل مع طفل فلسطيني دون أن يقوم فصيل كامل من الجنود بإشهار السلاح عليه، ومن ثم قتله؟

شرط البقاء الذي وضعته إسرائيل لبقائها فيه إشكالية لا يمكن حلها إلا بإلغاء الشرط نفسه، لكن الإلغاء يعني أن البقاء أصبح على كف عفريت. ما هي الإشكالية في هذا الشرط؟ الإشكالية هي أن إسرائيل يجب أن تكون في حرب دائمة، وتزيل كل بؤرة ممكنة لنشوء قوة، حتى لو لم تكن تلك القوة معادية لها، فبعد الدول العربية، التي كانت تبدو وكأنها العدو الأقرب، صار لزاما عليها أن تمنع ظهور أية قوة فيما بعد الدول العربية. فها هي بعد أن فرغت من مصر، والعراق، وليبيا، وغيرها من بلدان العرب، تعيش في رعب من تنامي قوة إيران. وذلك ليس لأنها تعتقد أن الإيرانيين يريدون القضاء عليها، بل لأنها ترى أن وجود إيران قوية يكفي لجعلها تشعر بخطر الزوال. ولو أنها تخلصت من إيران، فإن الخوف على البقاء لن ينتهي، فهناك تركيا التي تكون في هذه الأثناء قد اكتسبت قوة جبارة. والخوف من تركيا ليس لأن إسرائيل تعتقد أن الأتراك يريدون إزالتها من الوجود، بل لأن وجود تركيا قوية هو بحد ذاته تهديد كبير لبقاء إسرائيل.

وهي إن فرغت من تركيا تكون الباكستان عدوتها الأولى. وسوف ينتهي بها المطاف، إن هي نجحت، إلى الالتفات إلى ظهيرها الأوروبي لتضعف أية قوة هناك، فشرط بقاء إسرائيل هو أن تكون القوة الوحيدة، وكل من سواها بلا حول ولا قوة. ألا تشكل ألمانيا قوية، مثلا، خطرا على إسرائيل؟ أيمكن لمثل هذا الجنون أن يصل إلى حالة تشعر معها إسرائيل أنها مستمرة في البقاء شأنها شأن أوغندا، وغواتيمالا، وبوتان؟

التطبيع أكذوبة
إن إسرائيل تعرف حق المعرفة أن ظاهرة تطبيع حكام بعض الدول العربية معها ليست حقيقية، وإنما تعود إلى مساعيها الاستخباراتية، وتفوقها على العرب في هذا المجال، وإلى الاستفادة من تجاربها الفاشلة، إذ استطاعت عبر جهد دؤوب، أن تبث في بلاطات ملوك العرب جيلا من من الأمراء المضرّبين في مزارعها وحظائرها. لهذا نرى أن الرعب من الأطفال الفلسطينيين، والنساء الفلسطينيات داخل فلسطين المحتلة يبلغ اليوم، بعد التطبيع، درجات غير مسبوقة، وكأن إسرائيل تدرك أن التطبيع يخفي وراءه غضبا عربيا عارما، وأنها تعتبر هؤلاء الأطفال والنساء الرتل الخامس للغضب العربي القادم.

في الحروب، عندما ينتصر جيش ما على عدوه فإنه يتعامل مع الأسرى باسترخاء شديد، فهؤلاء عزّل، وربما مقيدو الأيدي. وهكذا هم الفلسطينيون في أرضهم المحتلة، أسرى في السجون أو في شوارع مدنهم، وبيوتهم. لكن إسرائيل، على عكس أوغندا وغيرها، تحارب الأسرى. إنها في حرب لا تنتهي مثل كابوس يجثم على صدرها.

شرط البقاء يتعثر
وحتى لو كانت إسرائيل قد نجحت في تحويل البلدان العربية مؤقتا إلى ساحات خانعة من حيث العداء الرسمي – حتى أن الحديث لم يعد عن حدود إسرائيل من الفرات إلى النيل، بل يبدو أن البيت الإسرائيلي صار يمتد من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي – فإنها تدرك أن شرط بقائها يستحيل تحقيقه، فهو يجعل من أي كيان على الأرض عدوا لها لمجرد أن ذلك الكيان يحمل بذرة قوة. يستطيع كل من له معرفة بسيطة بعلم النفس أن يتنبأ من قلق إسرائيل الدائم أنها، إن بقيت على قيد الحياة، فسوف يأتيها يوم تخاف فيه حتى من أوغندا، ورواندا، وبوركينا فاسو.

هل ترون الغرابة في كيان إسرائيل؟ لا أوغندا، ولا غواتيمالا، ولا بوتان مصابة بهذا المرض الذي يستعصي على العلاج، مرض الخوف من الزوال – فوبيا الزوال.

إن شرط بقاء إسرائيل هو الشرط المستحيل. وذلك يجعل كثيرين من المنجمين العرب، والذين يدركون هذه الحقيقة، يدلون دلوهم في الحديث عن مصير إسرائيل حتى أن بعضهم يحدد عام 2022 كموعد لزوالها. والعاقل سيقول: كذب المنجمون ولو صدقوا. لكن هذا يعني أن صدق تنجيمهم وارد. بلا شك، لكن ذلك لا علاقة له بالأرقام والأعداد، وما يعتقد أن يهودية عراقية كانت قد قالته عام 1948 عن نبوءة توراتية. الأمر كله يتعلق بالواقع، وبحقائق الواقع، فإسرائيل تحسب في يومنا هذا أن حصول إيران على السلاح النووي سيخل بشرط بقاء إسرائيل، إذ ستكون هناك قوة حقيقية على بعد خطوات منها، دولة تملك من مقومات البقاء ما لا تملكه إسرائيل. وإسرائيل تعيش في هذا في دوامة قاتلة، فإن هي لم تتحرك ضد إيران الآن، فإن شرط بقائها سيختل. لهذا فهي مضطرة إلى الأتيان بتصرف يائس، أي مهاجمة إيران وقريبا. إن من يرون أن إسرائيل ستزول في عام 2022 تتطابق حساباتهم مع واقع أن إسرائيل مضطرة في مواجهة إيران إلى الإقدام على حماقة يحكم بها عليها قدرها، فهي ستهاجم إيران، والرد الإيراني عليها سيكون مدمرا بحيث يجعل من الحياة في فلسطين المحتلة للخليط غير المتجانس الذين جمعتهم إسرائيل من كل بقاع الأرض، وكونت منهم ما تحسبه شعبا، مستحيلة بعد الحرب. إنهم سيعودون إلى غيتوات أجددادهم فهي أرض ميعادهم.
‎2021-‎11-‎24