ماذا وراء عملية القدس التي تبنتها حماس وغموض في الموقف الإسرائيلي!

بقلم بكر السباتين..
هل هو استدراج حمساوي لجيش الاحتلال الإسرائيلي في إطار قواعد اشتباك جديدة تفرضها حماس على المشهدين السياسي والأمني، فتكون إزاء ذلك قد حضَّرَتْ للإسرائيليين مفاجأة من العيار الثقيل؟
جرت العادة أن تتناول وكالات الأنباء أخبار العمليات الاستشهادية من خلال الوصف الخارجي كحجم الحدث ودلالاته ومخرجاته وانعكاساته السياسية والعسكرية وكأنه مجرد أرقام ليست بذي معنى، دون سبر أغوار منفذ العملية والكشف عمّا كان يجول في خاطره أثناء تنفيذه العملية.
فماذا حدث في القدس صبيحة أمس الأول عند باب السلسلة المجاور للحي اليهودي الذي كان قبل النكبة ملكاً للفلسطينيين قبل احتلاله.
أجهزة الأمن الإسرائيلية كدأبها كانت تدقق على هويات الفلسطينيين بينما تسمح للمستوطنين المتطرفين بالدخول والعربدة في البلدة القديمة وباحات المسجد الأقصى دون رادع، وكأنهم فوق القانون.. أي أنهم يمثلون جزءاً من مخطط استفزاز الفلسطينيين للاستحواذ على بيوتهم كما يحدث في سلوان وحي الشيخ جراح.. وهم إما جماعات دينية متطرفة تجاهر بتصفية الفلسطينيين أو جنود إسرائيليون يقضون إجازاتهم بممارسة الاعتداء على المقدسيين.
كان هذا الشاب الذي تجاوز العتبتين بعد الأربعين لا يثق إلا بإزالة الظلم ورفع صوت الضحية عالياً حتى يستمع العالم إليه، لم يقم بتوكيل أحد شباب مخيم شعفاط بتنفيذ العملية؛ بل أناط الأمر بنفسه وتحرك بإيعاز من الحركة التي يمثلها كأحد قادتها في شعفاط.. بعد أن تخلص من الضغوطات العائلية بإرسال عائلته إلى الأردن بدعوى السياحة، وأكمل مهمته التي تكللت باستشهاده.
هذا الرجل الذي خرج صباحاً قال كلمته، وفي يده كان يحمل رشاشاً من طراز “كارلو غوستاف” السويدي (البعض يقول بأنه من نوع باريتا 12) الذي طالما احتضنه الفدائيون لتنفيذ عملياتهم البطولية بخاصة في مخيم جنين، وقد أطلقوا عليه اسم “سلاح الفقراء والمظلومين”.
ويتجول أبو شخيدم متربصاً برجال الأمن الإسرائيلي حيث كانوا هدفه، حتى صار في أحد شوارع البلدة القديمة.. حيث كان مستعداً لمصيره المحتوم فدخل في اشتباك دامي مع قوات الأمن الإسرائيلي صادحاً بأعلى الصوت:
” الله أكبر على المعتدي”.. متخيلاً نفسه يدافع عن الأقصى وغزة والفلسطينيين في أرجاء الوطن السليب.. آخذاً بثأر الطفل المقدسي، وابن مخيم شعفاط حيث يقيم أبو شخيدم، محمد أبو خضير، الذي قتله المستوطنون بدم بارد، ومثلوا بجثمانه عام 2014 ، ثم أخفوه في أحراش دير ياسين. كانت جريمة نكراء غض العالم عنها الطرف وطواها النسيان؛ لكنها ظلت تحرض أبو شخيدم على المقاومة حتى لا يتكرر الأمر مع أطفال القدس، فغداً قد يقع الدور على أطفاله أو تلامذته في المدرسة الرشيدية بالقدس.
وشاءت الأقدار أن تصيب رصاصاته مستوطنين متطرفين، اعتادوا اقتحام الأقصى والتنكيل بالمصلين، وكانت جرائمهم تمرّ دون حساب.. وأدت العملية إلى مقتل مستوطن إسرائيلي وجرح خمسة، منهم حاخام كانت جروحه خطيرة.
من جهتها، وصفت حركة المقاومة “حماس” فادي أبو شخيدم بأنه قيادي في الحركة بمخيم شعفاط.
وقال وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، عومر بارليف، في تصريح من موقع الهجوم: ” إن المهاجم كان عضواً في المكتب السياسي لحركة حماس وكان يصلي بانتظام في المسجد الأقصى”، مضيفاً بأن زوجته فرت إلى خارج البلاد قبل ثلاثة أيام.
وتتداعى الأسئلة إزاء الأسباب التي دعت حركة المقاومة حماس لتبني العملية، في الوقت الذي يتهمها الخصوم بالتهور وخاصة محور الاستسلام المكشوف للقاصي والدامي.
هل هو استدراج تكتيكي للإسرائيليين للوقوع في فخ المواجهة وقد حضرت لهم المقاومة(غرفة العمليات المشتركة) مفاجأة من العيار الثقيل؟
هل من أسباب قيامها بذلك، الرد الميداني على إعلان بريطانيا” صاحبة وعد بلفور” اعتبار حركة المقاومة حماس منظمة إرهابية، وأن الاحتلال ما يزال قائماً خلافاً للقوانين الدولية.
أليس من أسباب ذلك أيضاً ممارسات الاحتلال الإسرائيلي الإجرامية بحق الفلسطينيين سواء بقصفه غزة المتكرر وانتهاكاته للأقصى والاعتداء على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة ودعم مشروع شيطنة المقاومة بكل فصائلها على صعيد عربي من خلال حلفائها في الاتفاقية الإبراهيمية حيث أصاب هذا الوباء المشهد الفلسطيني بحيث انبرى كل طرف لشيطنة الآخر!.
وربما جاء إعلان حماس عن مسؤوليتها عن العملية كسبب مباشر؛ لأن قضية تبادل الأسرى تخضع للمماطلة الإسرائيلية دون ظهور بوادر أي حل.
ما زالت الأمور مبهمة والتداعيات ما لبثت دون الحدث ويكتنفها الغموض.. فإعلان حماس الأخير لا أعتقد بأنه سيمر دون تداعيات ميدانية على الأرض.
23 نوفمبر 2021