التفكك الإثيوبى!
طلعت إسماعيل
إلى أين تتجه إثيوبيا؟ وهل التحذيرات من السقوط فى هوة التفكك والتفتت إلى عدة دول هو المصير الحتمى للدولة الإثيوبية صاحبة العرقيات المتعددة والمتناحرة؟ وما هى الأسباب وراء اختيار بعض الدول مساندة رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد على حساب مئات الألوف من الجوعى والمشردين بسبب القتال فى إقليم تيجراى؟.. تلك أسئلة ضاغطة، وإجاباتها تتباين، وتتشعب، وفق رؤية الأطراف التى تتابع المشهد الإثيوبى المشتعل الآن.
الحديث عن تفكك الدولة الإثيوبية ربما ليس وليد اليوم فهو مطروح قبل سنوات طويلة، لكنه أطل برأسه وبقوة عندما اختار آبى أحمد الذهاب لقمع التمرد فى تيجراى قبل نحو عام تقريبا بالقوة المسلحة، غير أن جبهة تحرير شعب تيجراى «خصمه العنيد» سرعان ما استعادت توازنها، وأعادت تدعيم قوتها عبر تحالفات مع جبهة وقوى عدة، بما قلب الموازين ضد القوات الحكومية التى تعرضت لهزائم مذلة دفعت آبى أحمد لاستجداء الهمم لـ«دفن الأعداء».
احتدام المعارك، بين قوات آبى أحمد، وقوى المعارضة التى تصر على إقصائه عن السلطة، دفعت العديد من القوى الدولية، وخاصة الولايات المتحدة إلى مطالبة رعاياها بمغادرة الأراضى الإثيوبية، مع تهديد جبهة تحرير تيجراى وحلفائها بالزحف على العاصمة أديس أبابا، ما دفع الاتحاد الأوروبى إلى إطلاق تحذير من «أن إثيوبيا تخاطر بالتفكك ما لم تتوصل المحادثات الرامية لإنهاء الصراع المستمر منذ عام إلى وقف لإطلاق النار»، حسبما ذكرته وكالة «بلومبرج»، قبل أيام.
التحذير الأوروبى تلاه فشل مجلس الأمن فى الوصول إلى اتفاق على بيان يطالب بوقف النار بين المتحاربين فى إثيوبيا بعد أن رفضت روسيا والصين مسودة البيان التى قدمتها أيرلندا العضو غير الدائم فى المجلس، على الرغم من أنها طالبت بوصول المساعدات الإنسانية بلا عوائق فى مناطق الصراع وبإنهاء الأعمال العدائية، وكذلك إطلاق حوار وطنى شامل، وإعراب المسودة عن القلق «العميق» إزاء اعتقال موظفى الأمم المتحدة على يد الحكومة الإثيوبية.
بالطبع الموقف الروسى والصينى لمسودة القرار نابع من موقفهما المساند، إضافة إلى تركيا، لحكومة آبى أحمد بدافع مصالح اقتصادية وسياسية تجعل الدول الثلاث لا تعبأ كثيرا بما يراق من دماء فى الصراع المحتدم بين القوات الحكومية، وغريمتها فى إقليم تيجراى، فى ظل المخاوف من انهيار الوضع، وبما يشكل تهديدا للاستقرار فى القرن الإفريقى، وهو ما يحذر منه الاتحاد الإفريقى رغم فشله بدوره فى التأثير على المشهد والحيلولة دون تهديد الأمن الإفريقى ذاته.
فى المقابل فإن الولايات المتحدة لا تزال ــ حفاظا على مصالحها فى منطقة القرن الإفريقى ــ ترى فى تفكك الدولة الإثيوبية خطرا داهما، وتحاول التأثير للإبقاء على «شعرة معاوية»، بين الأطراف المتناحرة، دون التصريح بموقف حازم لصالح هذا الطرف أو ذاك، وتواصل اللجوء إلى الأدوات الدبلوماسية، وإطلاق التحذيرات من تداعيات ما يدور على استقرار واحدة من المناطق الأكثر حيوية فى شرق أفريقيا.
مصريا يبقى السؤال هل من مصلحتنا تفكك الدولة الإثيوبية، أم بقاؤها موحدة؟ وأيهما يخدم مصالحنا، فى ظل التعنت الإثيوبى ولجوء حكومة آبى أحمد لسلاح المراوغة والتسويف فى ملف سد النهضة؟
ربما لم تتبلور رؤية أو إجابة واضحة حتى الآن، وأنا هنا أتحدث عن النخب والمتخصصين المصريين فى الشأن الإفريقى، فى ظل الحذر الرسمى، والاكتفاء بالحديث عن ضرورة توصلنا إلى «اتفاق قانونى ملزم بشأن ملء وتشغيل السد الإثيوبى» على الرغم من أن تداعيات ما يجرى على الساحة الإثيوبية سنكون أول من يتأثر به.
القضية تحتاج إلى نقاش أوسع، ويجب ألا تترك رهينة سيناريوهات بعض مراكز البحث والمتابعة الإخبارية عن بعد.
‎2021-‎11-‎24